loading...

جريمة

«مجلس الدولة والنساء».. بين الحق في التعيين والتمييز الجنسي

مجلس الدولة

مجلس الدولة



على الرغم من اعتلاء المرأة منصب رئاسة هيئة النيابة الإدارية، نجد في المقابل مجلس الدولة، يرفض تعيين النساء في المناصب القضائية، على الرغم من أن الدستور يلزم بعدم التمييز بين الرجل والمرأة في الوظائف العامة والقضائية.

نص الدستور

نصت المادة 11 من الدستور على أن "تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور، وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلا مناسبًا في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها في تولى الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها".

كما تنص المادة 53 من الدستور على "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. 

بدايات الأزمة وتطوراتها

بداية الأزمة كانت في أواخر عام 2009، عندما ثارت الأمور داخل مجلس الدولة، بعد طرح موضوع تعيين الإناث بمجلس الدولة، بعد سنوات من الرفض المستميت، فقد انقسم قضاة المجلس بين مؤيد ومعارض، إلى أن انتهت الجمعية العمومية لمستشاري المجلس والجمعية العمومية لنادى قضاة المجلس برفض تعيين خريجات دفعتي 2008 و2009، وتأجيل مناقشة تعيين الإناث لأجل غير مسمى، بحجة عدم صلاحية الإناث للعمل القضائي في ظل الظروف الحالية لأبنية المحاكم والنصوص القانونية واللائحية القائمة.

وانطفأت الأزمة إلى أن جاء دستور 2014 الذي نص على أحقية المرأة في التعيين بالهيئات القضائية، لتتقدم أمنية طاهر، ومجموعة من خريجات كليات الحقوق، للالتحاق بوظيفة مندوب مساعد بمجلس الدولة، إلا أن المجلس رفض تسليمهن ملف شغل الوظيفة، بسبب أن قانون المجلس لا يسمح بتعيين الفتيات في هذه المناصب، وما كان من الأمين العام للمجلس ـوقتهاـ إلا أن يطلب من الفتيات ترك صور الهويات الشخصية للاتصال بهن في حالة حدوث أمر جديد.

فلجأت "أمنية" وباقي زميلاتها المستبعدات من التعيين إلى رفع تظلّم من خلال مكتب رئيس المجلس، وعندما لم يجدن استجابة لجأن إلى رفع دعوى أمام القضاء الإداري في 30 مارس 2014 ضد المجلس لامتناعه عن تعيينهن، إلا أن تقرير هيئة مفوضي الدولة نص على عدم أحقية المرأة في التعيين بمجلس الدولة، وأن ذلك يرجع إلى سلطة تقديرية لأعضاء المجلس الخاص لمجلس الدولة.

وأوضحت "أمنية" أنها حصلت على دبلومة في القانون العام بتقدير جيد جدا، ودبلومة في التجارة الدولية بترتيب الخامسة بين الخريجين عام 2015، ودبلومة في القانون الخاص عام 2017، لم يتم قبولها لشغل الوظيفة، مؤكدة أنها تقدمت بتظلم لمكتب رئيس مجلس الدولة بصحبة أكثر من 20 فتاة، وتحرير محضر في قسم الدقي في نفس اليوم؛ لإثبات الحالة، إلا أن مساعيهن لم تأت بفائدة، ولذلك طعنت على حكم القضاء الإداري الذي قضى بعدم تعيينهن، أمام المحكمة الإدارية العليا.

ولكن في نوفمبر 2017، ذكر تقرير المفوضين بالمحكمة الإدارية العليا، بشأن رفض تعيين المرأة بمجلس الدولة، أن سلطة المشرع في التمييز سلطة تقديرية لم يلزمها الدستور بقيود ثابتة، كما أن المشرع بذلك لم يخالف الدستور؛ لأن التمييز يختلف باختلاف الفئات والمراكز القانونية، فضلا عن عدم وجود نص صريح يلزم التعيين بمجلس الدولة، أو جهة الإدارة.

وأوضح التقرير أن قضاء المحكمة الإدارية العليا، هو ما ترخص به الجهة الإدارية، ومن ثم يكون لمجلس الدولة حرية الاختيار، ثم إن الحكم الدستوري فرق بين الحقوق الدستورية في الحياة العامة وبين سلطة المشرع في اختيار المرأة، وتمثيلها في الوظائف؛ وذلك لطبيعة العمل والتقاليد، واستحسان الوظيفة، وأن ذلك لا يمثل أي نوع من التمييز للمرأة؛ نظرا لعدم كفاءتها أو غير ذلك، ولكن لضمان حسن سير المرفق العام.

تدخل المجلس القومي للمرأة

ولم تكتف أمنية جاد الله بالتحرك قانونيًا لاستعادة حقها المُهدر رغمًا عنها، واتجهت إلى المنظمات النسوية، آملة في أن يكون لها دور فعَّال في قضيتها، وكانت وجهتها الأولى هي المجلس القومي للمرأة في يناير من العام 2014، والتقت السفيرة مرفت التلاوي، رئيسة المجلس آنذاك.

بعد اللقاء، أرسلت "التلاوي" خطابًا إلى مجلس الدولة، تستفسر عن السبب وراء رفض قبول المتقدمات للعمل في مجلس الدولة، خاصة بعد أن اعترف الدستور بأحقية النساء في ذلك، وهو ما يعني أن رفض تعيينهن لم يعد له صفة.

وأثار الخطاب حفيظة المجلس، وأصدر أعضاء نادي مجلس الدولة بيانًا اعتبروا فيه خطاب "التلاوي" إساءة بالغة، مطالبين رئيس المجلس بتحريك دعوى وبلاغ للنائب العام ضدها.

لتوضح "التلاوي": "كان أولى بالمجلس أن يرد في بيانه، ليوضح موقفه وسبب رفضه لتطبيق المادة 11 من الدستور، ومخالفته قانون مجلس الدولة وقانون السلطة القضائية، الذي لا يشترط الذكورة في تولي المنصب، فضلًا عن أن مصر هي واحدة من الدول الموقعة على اتفاقية سيداو؛ لإنهاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة".

122 حزبا تدعم تعيين المرأة في مجلس الدولة

أعلن ١٢٢ حزبا ومنظمة حقوقية ونسائية وشخصيات عامة، في نوفمبر الماضي، تضامنها مع المحامية أمنية جاد الله، من أجل تعيينها بمجلس الدولة، مؤكدين حق النساء في تولى منصب القضاء باعتباره حقا دستوريا.

وأوضح بيان صادر عن الأحزاب الداعمة لحق المرأة في التعيين، أن القضية تمثل خطوة جديدة في طريق نضال النساء من أجل حصولهن على حقوقهن في مواجهة تعنت مستمر من جانب بعض الهيئات القضائية في مصر، وإصرارها غير المبرر على عدم حصول النساء على هذا الحق، وهو موقف يتناقض مع مبدأ المساواة بين النساء والرجال.

قانون مجلس الدولة يمنع تعيينهن

وفي نفس السياق صرَّح مصدر بمجلس الدولة أنه رغم نص الدستور في المادة 11 منه على المساواة والسماح للمرأة بالتعيين في جميع المناصب، فإن قانون مجلس الدولة لا يسمح بذلك، ولكي تحصل خريجات كلية الحقوق على حقهن في التعيين لا بد من تغيير هذا القانون، لافتا إلى أن الجمعية العامة لقضاة مجلس الدولة في آخر اجتماع لها رفضت تعيين المرأة بصفة مؤقتة وليست مطلقة.

وأضاف المصدر أن الجمعية العمومية لمستشاري المجلس، هي الجهة الوحيدة التي يمكنها العودة في قرارها السابق، لافتاً إلى أنه لا سلطان لأحد عليها حتى المجلس الخاص، وقال إن حل الأزمة في أيدي الجمعية العمومية وحدها.

وأكد المصدر أن المادة 11  شددت على أن "تكفل الدولة" وليس "إلزاما" عليها تعيين المرأة في الجهات الهيئات القضائية، كذلك فإن بعضا من نصوص الدستور تحتاج لقوانين تطبقها، وبالتالي فلا بد من إقرار قانون أولا ينص على كيفية تعيين المرأة كقاضية بالمجلس وإجراءات التعيين وغيرها من الأمور. 

تعيين الإناث حسب إمكاناتهن

في حين قال المستشار حامد الجمل، رئيس مجلس الدولة السابق، إنه لا يوجد في الدستور الحالي ما يمنع تعيين المرأة في مجلس الدولة سواء في القسم التشريعي أو القسم القضائي، وبالتالي فإن عدم منع تعيين المرأة في مجلس الدولة مخالف للدستور والقانون.

وأضاف "الجمل"، خلال مداخلة هاتفية في برنامج "مساء دي إم سي"، مع الإعلامية إيمان الحصري، على قناة "دي إم سي"، أنه يجب أن يتوقف تعيين الإناث في مجلس الدولة على إمكاناتهن ولا يجب منعهن وحرمانهن تمامًا من تقلد هذا المنصب، مؤكدًا أن النيابة العامة لا يوجد بها وكلاء نيابة أو رؤساء نيابة من النساء بسبب الطبيعة الخاصة بالعمل.

وتابع: "لا يجوز منع الإناث من التعيين في مجلس الدولة ولكن نوفر الإمكانات اللازمة لتعيين النساء عضوات في مجلس الدولة".