loading...

ثقافة و فن

معرض القاهرة للكتاب.. القاطرة ليست مؤهلة ولا يجب أن تكون قوة ناعمة

معرض الكتاب

معرض الكتاب



كتب- ناصر كامل:

تسببت بضع كلمات صادرة عن اللجنة العليا للدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولى للكتاب فى حيرة واضطراب شديدين لمن حاول أن يأخذها على محمل الجد، وشرع فى التفكير فى العلاقة بين اللافتات المرفوعة والبرامج والخطط الموضوعة وما يتم تنفيذه منها فعلا.

فى البداية فلنقرأ هذه الفقرات التى تصدرت البرنامج الثقافى للمعرض، وحملت توقيع اللجنة العليا للمعرض: «يختار معرض القاهرة للكتاب هذا العام شعاره: القوة الناعمة.. كيف؟ من منطلق الشعور بالمسئولية تجاه الدور المحورى الذى تلعبه الثقافة المصرية كقاطرة للثقافة العربية، مستحضرا الماضى فى تأثيره وريادته ومستشرفا المستقبل فى آفاقه وطموحاته. وقد أرادت لجنة المعرض أن تضع هذا الشعار فى مواجهة التحديات المعقدة التى تواجهها الثقافة العربية فى لحظتها الراهنة وفى ظل سيادة عصر التقنية والمعلومات ليدشن التساؤل "كيف؟". انطلاقة جديدة للبحث عن الآليات الثقافية التى يمكن من خلالها مواكبة المتغيرات الثقافية التى تحيط بوطننا العربى.

قد يبدو المجتمع العربى فى لحظته الراهنة مواجها بمجموعة من التحديات المصيرية، ووحدها الثقافة قادرة على أن تعبر به هذه اللحظة الفارقة».

ومع كل التقدير لمجهود أعضاء اللجنة، وهم، مع حفظ الألقاب: سوزان القلينى، شريف بكر، ضياء رشوان، محمد سلماوى، محمود الوروارى، مصطفى عز العرب، نبيل عبد الفتاح، هيثم الحاج على، يوسف القعيد، سيكون مهما البحث فى هذه الكلمات، وطرح بضعة أسئلة.

ستضيق المساحة عن مناقشة صواب ودقة التعبيرات، ولن تكون هناك حاجة فى تعداد وترتيب "التحديات المصيرية"؛ سيكفى أن نبحث فى كيفية تعامل اللجنة مع واحد فقط من تلك التحديات؛ ولأنه يصعب أن يكون هناك من يجادل فى أن قضية القدس أحدها، وأن قرار دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، بالاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل، ونقل سفارة بلاده من مدينة تل أبيب إليها، زادها "مصيرية"، سيكون السؤال الأهم: ماذا وضعت اللجنة من برامج وخطط لـ"المواجهة"، لتثبت أن "الثقافة وحدها قادرة على أن تعبر بالمجتمع العربى هذه اللحظة الفارقة"؟، باستعراض البرنامج الثقافى سنجد بضع فاعليات عن القضية الفلسطينية والقدس، لكنها تنبئ أن النظر لها لا يمكن أن يكون باعتبارها "مصيرية"، فى أحسن الأحوال يمكن اعتبارها من قبيل "ذر الرماد فى العيون".

تصف اللجنة الثقافةَ المصرية بأنها "قاطرة الثقافة العربية" هذا من باب الأمانى إذا أحسن الظن، لأن الوقائع تشى بتراجع الحضور العربى فى المعرض سواء على مستوى الحضور الجسدى أو فى الفاعليات، طبعا مع الأخذ بالاعتبار أن الجزائر ضيف شرف الدورة الحالية.

يبقى فى هذه المقاربة الأولية طرح شعار الدورة للتفكير، وسنتغاضى عن الصياغة التى كانت محل سخرية لافتة، "القوة الناعمة.. كيف؟" يفهم من وضع النقطتين أن هناك غائبا عن الجملة الاستفهامية الناقصة، يمكن أن تملأ الفراغ حسبما تفهم، لكن التعبير نفسه يبدو ملتبسا.

سندع جانبا البحث فى الإشكاليات التى يطرحها استخدام المفهوم: القوة الناعمة، ومع التسليم بأن أعضاء اللجنة ربما يدركون الظروف الدولية التى طرح فيه جوزيف ناى، المساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكى المفهوم لأول مرة فى كتابه "القوة الناعمة وسيلة النجاح فى السياسة الدولية" الصادر فى سنة 1990، فإنه من الضرورى إشراك القارئ فى بعض معلومات عن المفهوم ودلالاته لكى يمكننا بحث كيف استخدمته اللجنة وبأى تصور.

كتاب ناى ترجم للعربية فى عام 2007 بعدما أصبح استخدام المفهوم شائعا إعلاميا إلى حد ما، ومن مجرد النظر فى فهرس موضوعات الترجمة العربية، التى قام بها د.محمد توفيق البجيرمى، والصادرة عن دار العبيكان، نلاحظ أنه يتحدث عن أمريكا حصرا ما يجعل الحديث عن امتداد استخدامه خارج الظروف الأمريكية فى ذلك الوقت -1990- مجازفة معرفية كبرى، الرجل يتحدث عن "القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع"، المفهوم كله يدور حول بيئة صراعية على مستوى الكوكب، هكذا يفهم حديث روبرت جيتس، وزير الدفاع الأمريكي، عن "الحاجة إلى تعزيز القوة الناعمة الأمريكية عن طريق زيادة الإنفاق على الأدوات المدنية من الأمن القومي بالدبلوماسية، والاتصالات الاستراتيجية، وتقديم المساعدة الأجنبية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية"، وهكذا يمكن قبول محاولة الصين استخدام المفهوم، فى المحاولتين يستخدم المفهوم للحديث عن القوة "الناعمة" لدولة ما فى مواجهة باقى الدول أو على الأقل فى مواجهة دولة أو مجموعة من الدول تمثل لهذه الدولة "مصدر تهديد" على المستوى الاستراتيجى الشامل، وأخيرا توضع القوة "الناعمة" بإزاء القوة "الخشنة": الجيوش وأجهزة الاستخبارات ومراكز الأبحاث العسكرية، وغيرها من مصادر الحرب، السيد ناى كان يطرح مع بداية التصور بانتهاء الحرب الباردة والتصور ببداية سيادة العولمة أن استخدام مصادر القوة الناعمة الأمريكية سيكون أقل تكلفة وأنجع فى تعزيز سيطرة القوة الأمريكية الشاملة على موقع قيادة العالم فى مواجهة أية محاولات لمشاركتها هذا الموقع.

الآن، فى أى مجال تستخدم اللجنة المفهوم؟ القراءة الأولية تضعنا فى مأزق شديد؛ فنحن أمام صورة متخيلة تعتبر أن الثقافة المصرية بمثابة قاطرة للثقافة العربية، ولذلك يتم استدعاء المفهوم كأن العلاقة بينهما علاقة صراعية، وكأن مصر تدافع عن موقع القيادة فى مواجهة باقى المكونات القطرية للثقافة العربية، هذا ما يفهم من الكلمات التى حملت توقيع اللجنة العليا للمعرض.

الواقع أن "القاطرة" ليست فى حال يؤهلها للتحرك إذا كانت تستعير المفاهيم من خارج واقعها، ولا يجب أن تتحرك إذا كانت تعتبر نفسها فى حالة "صراع" تسستدعى تحفيز قواها "الناعمة" فى مواجهة باقى مكونات الثقافة العربية، وأخيرا فـ"القاطرة" غير مؤهلة لمثل هذه النظرة، على الأقل الآن.