loading...

مقالات

ما بقي من ثورة 25 يناير

ما بقي من ثورة 25 يناير


ماذا بقي من أهم حدث في تاريخنا المعاصر؟ من ثورة 25 يناير؟

ذكرى لأيام من الغضب الساطع، أخرجت المواطن المصري عن صمته التقليدي وطواعيته للنظام، لحظة فاصلة بلغت فيها روح الوطن الحلقوم، بعد أن اهترأت شخصيته ودفعه حكامه خارج الزمن، حولوه إلى كائن هامشي يعيش عالة على التاريخ، وهو الذي كان واحدا من صناعه، يحكمه ديكتاتور عجوز، تعفنت مؤخرته من طول فترة جلوسه على مقعد الحكم، وبات يمتلك أجهزة أمن تقمع دون رحمة، وتنتهك دون مساءلة، وطن يعيش أهله في مناطق عشوائية يطلقون عليها مدنا، وحفريات يعتقدون أنها قرى، تتآكل رقعته الزراعية فلا تنتج ما يكفي غذاءه، ويبيع مؤسساته الصناعية بالجدك ليعيش بعد ذلك على قروض متراكمة، أصبحنا جميعا نعيش في مرحلة الصفر.

هبت الثورة حنى ترتفع بنا قليلا عن هذا المستوى المتدني، وكان شعارها الأول "ارفع رأسك أنت مصري"، لنزع الإهانة عن كاهل المواطن الذي يأكل التراب، وإعادة الاعتبار له بعد أن جرى إهماله طويلا، وكانت مطالب الثوار واضحة وبسيطة، "عيش حرية عدالة اجتماعية"، لم يطلبوا أكثر من الأساسيات التي تحفظ كرامتهم الإنسانية، ورغم أن الرئاسة قد انهارت، وقوات الأمن قد تخاذلت، فإن المطالب ظلت على الدرجة نفسها من التواضع، وظلت الثورة على الدرجة نفسها من النقاء دون أن تطالب حتى بثمن الدم، دم الشهداء العزل الذين غدر بهم في الأيام الأولى للثورة، كانوا يعرفون أنهم يقدمون أرواحهم لهذه النيران الآخذة في الاشتعال، وكانوا يعرفون أيضا مدى قسوة قوات الأمن، ففي الثورة الأولى التي هبت عام 1919 قتل رجال الأمن المصري أعدادا من عمال العنابر أضعاف الذين قتلوا ببنادق الاحتلال البريطاني، خرج شباب يناير وهم يعرفون مدى شراسة النظام الذي ينتظرهم، والثمن الفادح الذي سيتحتم عليهم دفعه.

ورغم ذلك فقد أخذت الثورة مسارا حزينا، لم تفشل، ولم تنكص عن أهدافها، ولكن جرى تشويهها بشكل لا يصدق، لم يفعل ذلك الغرباء أو الأعداء، ولكن أهلها هم الذين انقضوا عليها كالصقور الجارحة، تمزيقا وتشويها، مارسوا عليها أقدم الاختراعات المصرية، من الذين يعتقدون أن مصر لم تقدم للعالم أي اختراع هم مخطئون، فقد قدمنا ثلاثة منها، واحد منها هو الأفضل في التاريخ، والثاني هو الأسوأ، والثالث يقع بينهما في مرحلة ما.

الاختراع الأول هو الزراعة، وهل هناك أفضل منها، نقطة البداية في الحضارة الإنسانية، بفضلها انتقل البشر من مرحلة جمع الطعام إلى مرحلة إنتاجه، وبذلك استقر الأقوام الرحل في مكان واحد.. وعرفوا دورة الغرس والحصاد، تماما مثل دورة الميلاد والموت، ولم يكن التعامل مع نهر النيل سهلا، فقد كان نهرا بريا قادما من أعماق إفريقيا، تسبح فيه التماسيح وأفراس النهر، وتنمو على شطآنه أدغال من الأعشاب البرية والأشواك الجارحة، واستغرق تنظيف هذه الأحراش عقودا طويلة حتى تحولت إلى أرض صالحة للزراعة والإقامة، ولكن مشكلة المصري القديم أنه أدار ظهره للصحراء الممتدة خلفه، لم يشأ التوسع حتى لا يبتعد عن النهر الذي أصبح لصيقا به، بل عبد له في الواقع، يتحمل تقلباته القاتلة، فهو أحيانا يغيض وتقل مياهه حتى تصاب القرى بالجفاف والجوع، وأحيانا تعلو مياهه وتتحول إلى فيضان هائل يدمر البيوت ويغرق أهلها، وهكذا عاش مهددا دائما، لم يصل به الحال إلى درجة الشبع والرخاء، فالمجاعات والأوبئة كانت تهدده دائما، كما أن الغزاة الرحل لم يتوقفوا عن محاولة الاستيلاء عليه، وكان يجب أن تكون حكومة تحاول تنظيم كل هذه الأمور، ولكن هذه الحكومة كانت دائما تتجاوز دورها وتكتسب قوة ذاتية تجعلها تتحكم في رقاب أهلها بدلا من أن تقوم بحمايتهم.

الاختراع الثاني، الأسوأ، هو الحكم المطلق، لقد حتم النهر الواحد الذي يمر على الآخر قبل أن يمر عليك على المصري القديم أن يخضع مبكرا لحاكم ينظم العلاقة بين الأطراف، ولكن حكام مصر كلهم تجاوزوا هذا الدور، تحولوا إلى أنصاف آلهة، تزوج الرجال إخوتهم من الإناث حتى يحافظوا على نقاء دمائهم، أكسبوا أنفسهم نوعا من القدسية بحيث لا يمكن انتقادهم أو الثورة عليهم، وبدلا من بناء الجسور وحفر القنوات ومقاومة الصحراء انشغلوا ببناء الأهرامات وحفر المقابر في انتظار العالم الآخر، وحتى عندما انتهى الرعيل الأول من الفراعنة وجاءت سلاسل طويلة من الحكام الأجانب، اكتسبوا نفس الصفات وأقاموا داخل القلاع دون مبالاة بعذابات الناس أسفل القلعة، لم يعترفوا يوما بقانون، وكانوا دائما على عداء بأي دستور مكتوب، وجاءت ثورة 25 يناير حتى تنهي آخر آثار هذا الحكم المطلق، كان مبارك هو آخر الفراعنة أو هكذا آمن الثوار، فقد لبث على العرش ثلاثين عاما كاملة دون أي انتخابات حقيقية، وما زلنا لم نعش أي انتخابات حقيقية حتى الآن، فنحن نخرج من استفتاء لندخل في آخر مع تغيرات طفيفة في قواعد اللعبة، المكسب الوحيد من الثورة هو نص صغير في الدستور يحدد مدة أي حاكم، ومع ذلك فإن أنصار الحكم المطلق لا يزالون أقوياء، يحاولون التخلص من هذا النص الصغير، من جهة كنوع من باب النفاق للنظام وأيضا كنوع من الاستدامة لتقاليد العبودية القديمة.

الاختراع الثالث هو التشويه، اختراع قديم ما زال مستمرا حتى لحق بثورة يناير، بدأ هذا الاختراع مع بعض ملوك الفراعنة الذين حاولوا إزالة نقوش الملوك الذين سبقوهم من على الجدران، كان الأمر يتم بطريقة غاشمة أحيانا عندما يمحو الملك كل ما يخص سلفه بالكامل، وأحيانا بطريقة ذكية عندما يقوم بتحويل النقوش لصالحه، ينسب لنفسه كل الفضائل إن كانت ثمة فضائل، وهذا ما فعلناه مع ثورة يناير، محونا آثارها وحولناها من ثورة شعبية إلى مؤامرة عالمية، وتم تبرئة كل رجال النظام القديم ووضع كل الذين ناصروا الثورة في السجون، ولم يكن مسح رسوم الجرافيك التي خلفها الثوار على
الجدران إلا دلالة رمزية على اتباع أسلوب المحو الفرعوني القديم، ثم تواصلت أساليب المحو وتم اختراع تاريخ مضاد، أشبه بقناع يخفي الحقيقة ويغلفها، وجرى تحميل الثورة ذنب كل المشكلات التي نعاني منها منذ مئات السنين، وأصبح الثوار هم العدو، وجاءت الذكرى السابعة ونحن نعتقد أن هذه الفترة هي الأسوأ في التاريخ المصري رغم أن الذين يحكمون الآن كانوا بشكل أو بآخر نتاج هذه الثورة، ورغم ذلك فهي باقية، علامة مضيئة وسط ظلمة القمع والحكم المطلق.