loading...

ثقافة و فن

أم كلثوم.. «الست سومة» التي وحدت القُطرين

ام كلثوم

ام كلثوم



ملخص

هي سيدة الغناء العربي أم كلثوم، والتي وحدت العرب حول صوتها، طفلة الريف التي أصبحت قيثارة الشرق وكوكبه وشمسه الأصيلة التي ما زال صوتها باقيا وسيظل..

«عظمة على عظمة يا ست».. ليس هناك أبلغ من تلك العبارة التي صيغت ونُحتت من أجلها، ليُشير إلى مدى الولّه الذي أصاب جميع معاصريها تجاهها، تلك الكلمات التي ما زال يرددها الملايين من عشاقها في شتى بقاع الوطن العربي عند سماع إحدى روائعها، ولم لا وهي «سومة» صاحبة العصمة وقيثارة الشرق و​شمسها الأصيلة وسيدة الغناء العربي وزمنه الجميل، وكوكبه الذي ملأ آذان المحبين بصوتها، وأعينهم بنوره، وقلوبهم بكلماتها، وكيانهم بصوتها الرنان الجهور الناعم المتناقض، ولم لا وهي «فاطمة بنت الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي» نبع الغناء النبيل في الكيان العربي.

«في الساعة العاشرة من ليلة خميس أول كل شهر، يهدأ ضجيج شوارع القاهرة المعتاد، وكذلك في الدار البيضاء أقصى الغرب منها، وفي أقصى الشرق هناك في بغداد، وما بين هذين الحدين الجغرافيين من بلاد عربية، يحدث الشيء ذاته، إذ يأوي الناس إلى بيوتهم في انتظار برنامج خاص يذيعه راديو القاهرة، ونجمته مغنية يُلقبونها بالست، ويصفونها بالعظيمة».. بهذه الكلمات وصفت مجلة «لايف» الأمريكية، عام 1962، حالة العشق بين أم كلثوم وجماهيرها العريضة.

ولدت «أم كلثوم» في 31 ديسمبر 1898، بمركز السنبلاوين التابع لمحافظة الدقهلية، وبدأت الغناء وهي طفلة صغيرة مع والدها في الموالد والأفراح كمؤدية للإنشاد الديني، وفي عام 1922، انتقلت من الريف إلى القاهرة، وبدأت تتدرب لمدة أربع سنوات على يد الشيخ أبو العلا محمد، الذي نقلها إلى الغناء الدنيوي، من خلال غناء القصائد فقط مثل «أراك عصي الدمع»، ولكنه سرعان ما رحل عام 1927.

كان نجم «أم كلثوم» بدأ في الصعود كصوت جديد، لكنها كانت بانتظار من يتولى أمرها وقيادة فرقتها الموسيقية التي كونتها في تلك الفترة، حتى التقت بالمُعلم والمُجدد الموسيقار محمد القصبجي، والذي رسمت ألحانه الملامح الرئيسية في شخصية صوت «سومة»، وفي عام 1928، طرحت مونولوج «إن كنت أسامح وأنسى الآسية» والذي حقق لها شهرة كبيرة، كما شاركت بصوتها في فيلم «أولاد الذوات»، ليوسف وهبي وأمينة رزق عام 1932، ثم التحقت بالإذاعة المصرية عند إنشائها عام 1934، فكانت أول فنانة تدخل الإذاعة.

شاركت في 7 أفلام في الثلاثينيات والأربعينيات منها «منيت شبابي، دنانير، سلامة»، وكان آخرها «فاطمة» عام 1947، و«عايدة» والذي كان بدايةً لإقصاء مطور صوتها «القصبجي»، حيث حملته مسئولية فشل الفيلم، وأقنعته بأن ألحانه لم تعد كالسابق، لينتهى به الحال خلف «الست» يعزف على عوده ألحان غيره، وفي حوار نادر له لمجلة «الشبكة» اللبنانية، قال: «أنا هويت وانتھیت يا أستاذ، خلاص، لم يبق مني إلا أنامل جرداء، قل عني إني بقايا ملحن، بل بقايا شخص، أنا عملت ما بوسعي وخرجت بأم كلثوم في أكثر من 10 ألحان قدّمتھا لھا، ولكنها أھانتني، وعندما تُھینني فھذا يعني أحد أمرين، إما أني فاشل، وھذا رأيھا، أو أنھا رجعیة، وھذا رأيي»، وتفرغت بعدها للغناء فقط.

بعد ثورة يوليو عام 1952، تم تكوين اللجنة الموسيقية العليا والتي كانت هي من أعضائها بجانب رياض السنباطي والموسيقار محمد عبد الوهاب، كما أن علاقة وطيدة ربطت بينها وبين الرئيس جمال عبد الناصر، وتعتبر الستينيات من أبرز الفترات الفنية لأم كلثوم حيث أصدرت العديد من الأغنيات الناجحة منها «أنت عمري، الأطلال»، وقامت بغناء العديد من الأغنيات الوطنية بعد نكسة 1967 منها «أصبح عندي الآن بندقية».

«الست» كانت تقدم حفلاتها على مسرحي «قصر النيل، ريفولي»، وهُددت حفلاتها الشهرية بالإلغاء ذات مرة بسبب وجود إصلاحات في المسرحين، حتى اقترح أحد المقربين منها حلا مؤقتًا لإنقاذ الموقف، وهو «مسرح الأزبكية» الذي يقدم عليه «شكوكو» حفلاته، خاصةً أن الأخير كان معروفا عنه حبه لـ«أم كلثوم»، وكان يصر دائمًا على تقليد أغانيها، وبالفعل لجأت «أم كلثوم» لـ«شكوكو» لاستئجار مسرحه، وردّ عليها المونولوجيست الراحل: «مش عيب ده المسرح والعمال والفراشين وبتوع البوفيه كلهم تحت أمرك، وما عليك يا ست الكل إلا التوجه مع فرقتك يوم الخميس لتجدي كل حاجة على سنجة عشرة‏»، ولم يحصل الفنان على أي أجر من كوكب الشرق معتبرًا الأمر هدية منه لها، حسبما ورد في كتاب (سيرة الحبايب: 55 شخصية من قلب مصر)».

شائعات عديدة أحاطت بـ«سومة» طيلة حياتها وبعد وفاتها أيضًا، ومن المعروف عنها أنها لم تتزوج سوى الدكتور حسن الحفناوي، الذي التقته بعيادته كمريضة للعلاج من الغدة، ثم تطورت العلاقة بينهما ليطلب الزواج منها وتوافق، ثم يعيشان معًا حتى رحيلها، لكن الغريب أن يتردد اسم العازف محمود الشريف، ويتم تعريفه كـ«زوج أول» لكوكب الشرق من قِبل البعض، على رأسهم المخرج الكبير محمد فاضل، وقال في برنامج «بالعربي et» على قناة «mbc»، سبتمبر 2017، إنها تزوجت سرا من «الشريف» عام 1946، إلا أن الكاتب مصطفى أمين، مستشارها الإعلامي، كان له يد في انفصالهما بهدوء ودون شوشرة، مضيفًا: «مصطفى قال لي إنها كانت في مشكلة خاصة ونفسية، وتقابلت مع الشريف بالنقاب، وهو لسه مكانش ملحن معروف، فقالت له تعالى نتجوز، ونزل مانشيت في "أخبار اليوم": زواج أم كلثوم من موسيقي مبتدئ، وبعد أسبوعين، نزل مانشيت بأنها فسخت عقد زواجها»، وبالعودة إلى الخبر في ذلك العام، فإن «أم كلثوم» أكدت خبر طلاقها، قائلةً: «نعم الخبر صحيح».

وعقب وفاة الكاتب والروائي محفوظ عبد الرحمن، أغسطس 2017، نُشر له تسجيل صوتي يؤكد فيه أن «أم كلثوم» تزوجت من أحد القضاة سرا ويُدعى «وجدان»، وأنجبت منه 3 أبناء، بينهم ابنة تُدعى «سعدية» مصابة بمرض عقلي، بينما نفت بثينة السيد، حفيدة كوكب الشرق، الخبر، خلال البرنامج السابق، وكذلك الفنانة سميرة عبد العزيز، زوجة الكاتب الراحل، وشدّدت على أنها ستُقاضي الصحفي الذي نشر التسجيل.

«أم كلثوم» لعبت دورًا بارزًا بطريقة غير مباشرة في تسمية نادي الوداد البيضاوي المغربي، فعندما قرر مؤسسو النادي إنشاءه كأول ناد مغربي إبان الاحتلال الفرنسي للبلاد، وقعوا في حيرة من أجل اختيار اسم يناسبه ولا يعترض عليه الفرنسيون، وفي أحد الاجتماعات جاء أحد أعضاء الفريق ويدعى، الحاج عبد اللطيف بنجلون التويمي، متأخرًا، وعلل سبب تأخره بأنه كان يشاهد فيلم «الوداد» لأم كلثوم عام 1963، وعندما ذُكر اسم الفيلم، علت زغرودة من إحدى القاطنات في البيوت المجاورة لمقر الاجتماع، مصادفة، ليتفاءل الحاضرون باسم «الوداد»، ويتم إطلاقه على النادي المغربي العريق وإضافة كلمة «البيضاوي» نسبة للدار البيضاء، وفي فترة السبعينيات بدأ إنتاجها الفني في التناقص بسبب معاناتها من التهاب الكلى، حيث سافرت إلى لندن للعلاج، حتى وافتها المنية 3 فبراير عام 1975.