loading...

مقالات

الموكراتية

الموكراتية


عائلة الشاعر العظيم صلاح جاهين تملك بيتًا جميلًا فى زمام قرية القرين بمحافظة الشرقية تحيط به حديقة برتقال، يحرسها خفير لطيف تعود شباب العائلة أن يتسامروا معه بصحبة أصدقائهم حول أكواب الشاى الثقيل الذى يصنعه الخفراء فى ليالى الشتاء.

كان ذلك الرجل يضحكنا بدعاباته البريئة التى يضفى عليها رونقًا خاصًّا من خفة دمه وطريقته الفريدة فى فهم المصطلحات ونطق الكلمات بلكنته الشرقاوية بعد إعادة خلقها فور تمريرها فى تلافيف عقله التى يحشوها إعلام الندامة وفقهاء السلاطين فى كل العصور بتخاريف ما أنزل الله بها من سلطان.

فى مطلع العقد الثامن من القرن الماضى كان ذلك الرجل يسمى الديمقراطية "الموكراتية"، ومن عباراته الخالدة "لا حاجة بنا للموكراتية لأنها لا تمنحنا لحمًا أو دجاجًا". كان السبب المباشر لتلك الخزعبلات فى اعتقادى وقتذاك هو خوفه الشديد من الديمقراطية، وكراهيته لها بسبب سمعتها السيئة التى منحها لها المرحوم أنور السادات الذى أشاع للشعب امتلاكها للأنياب والأظافر لكى يبرر بطشه بمعارضيه.

ذلك الخفير البسيط كان فهمه لكل الأشياء يبدأ وينتهى بوحدة قياس أبدية لا تتغير هى "كيلو اللحم"، أو ما يعادله من عملة صعبة أخرى هى "جوز الفراخ". أذكر أننا صدمناه ذات يوم عندما أخبرناه أن الديمقراطية يمكنها أن تمنحه اللحم والدجاج، ولكن بطريقة غير مباشرة عندما تجعله يتمكن من اختيار نظام الحكم الذى يصنع لوطنه ازدهارًا يوفر للجميع فرصًا للتعليم والتدريب الراقى والعمل الذى يمنحهم رواتب عادلة تمكنهم من شراء ما تحتاجه بيوتهم من الطعام. كان ذلك الرجل الطيب يطلق أيضًا على مترو الأنفاق كوبرى الأنفاق، ومن عباراته الخالدة أنه سألنا ذات يوم: لماذا تنفق الدولة مئات الملايين من أموالنا على ذلك المشروع المسمى "بكوبرى الأنفاق"؟ قلنا: لأنه سيمنع الزحام والتكدس، فأجاب ضاحكًا: لو الحكومة قبضتنى حقى ناشف من فلوس المشروع الخايب ده حاشترى بيها لحمة وفراخ وادخل فى الزحمة بصدرى زى السبع وما يهمنيش! 

الدكتور أحمد عكاشة أستاذ أساتذة الطب النفسى ومستشار رئيس الجمهورية الحالى قال بثقة ذات مرة فى لقاء تليفزيونى إن من يمنح الديمقراطية لشعب جاهل فكأنه يضع سلاحًا فتاكًا فى يد مجنون، وهى مقولة غير علمية تتحيز للديكتاتورية وتتعامل مع الشعوب كأطفال يحتاجون إلى زعيم أب يرعاهم ويغير لهم الحفاضات، وتذكرنا بالطبع بسؤال "بط هوين؟" الذى قاله المرحوم عمر سليمان لصحفية أجنبية، مبررًا تزوير مبارك للانتخابات، ومعبرًا عن اقتناعه التام بعدم وجود أى ضرورة على الإطلاق تبيح منح حق التصويت لشعب لا يدرك مصلحة نفسه! 

أما الحقيقة التى يجب أن يدركها إنسان العالم الثالث البسيط عن الديمقراطية التى يشوهونها أمام عينيه فهى تتلخص فى أنها أفضل نظام للحكم توصل له البشر رغم ما يشوبه من عيوب، وأن التحجج باختيار الجهلاء لما قد يضرهم لا يُرد عليه سوى بالنظر إلى المرحلة التاريخية التى سبقت تحول شعوب العالم الأول إلى الديمقراطية التى انتشلتهم من جهل أكثر بؤسًا من حال شعوبنا التى تروج بعض نخبها الفاسدة لبدائل للديمقراطية مثل العادل المستبد والديكتاتور الحنون، لكى تزين لها قبول واقعها المخزى!

هؤلاء الأفاقون وأتباعهم من السذج لم يقرأوا ولو مقتطفات من التاريخ الاجتماعى لأوروبا فى العصور الوسيطة، ولم يشاهدوا حتى أفلامًا مثل قصة مدينتين لتشارلز ديكنز، لكى يعرفوا أن كل الشعوب الأوروبية كانت جاهلة ومغيبة تعيش فى عصور حرق الساحرات على قارعة الطريق قبل تبنيها للديمقراطية التى سمحت لهم بإدارة صراعاتهم المجتمعية بصورة سلمية تدفع إلى الأمام ولا تهدر الجهد والوقت والأموال والدماء. 

الديمقراطية هى السبيل الوحيد للارتقاء بالشعوب التى رسمت الديكتاتورية فى خيال بسطائها صورة مشوهة لشىء غامض يسمى "الموكراتية" لا يساوى "كيلو لحم" أو "جوز فراخ".