loading...

مقالات

الهدوء الذي يسبق العاصفة.. روسيا وإيران وإسرائيل بعد إسقاط الطائرة

الهدوء الذي يسبق العاصفة.. روسيا وإيران وإسرائيل بعد إسقاط الطائرة


أنكرت الولايات المتحدة علاقتها بالغارات الجوية الإسرائيلية على قوات الأسد والمليشيات الإيرانية، ولكنها أعلنت وقوفها إلى جانب إسرائيل في الدفاع عن نفسها.

وأنكرت إيران علاقتها بإسقاط الطائرة الإسرائيلية، ولكنها أعلنت حق نظام الأسد في الدفاع عن نفسه.

روسيا حذَّرت إسرائيل من أي اعتداء على قواتها في سوريا. وقد ينسحب هذا التحذير ضمنيا على تركيا التي تجري عمليات عسكرية في سوريا بموافقة روسيا وبالتنسيق معها، ولكن ضد رغبة كل من طهران ونظام دمشق. بينما أبلغت تل أبيب "الصديق الروسي" برسائل عديدة تخفي أكثر من ما تعلن، وعلى رأس ما تخفيه، هو أن روسيا مسؤولة عن تحركات إيران والأسد، وبإمكانها أن تضغط عليهما، وإلا ستتحمل روسيا مسؤولية ليس فقط ما تفعله طهران ودمشق، بل وأيضا مسؤولية تفاقم الأوضاع في المنطقة.

إن روسيا تحاول أداء دور الوسيط بين إسرائيل من جهة، وبين طهران ودمشق من جهة أخرى. تحاول أن تبدو وسيطا لا طرفا في تلك الأزمة. غير أن ذلك يبدو صعبا للغاية، نظرا لعدم وجود ثقة كاملة بين موسكو وطهران، وعدم ارتياح من نظام الأسد لتحركات روسية ما يشعر كل من الطرفين السابقين أنها تتم لحساب موسكو حصرا، وليس لصالحهما أو لصالح ما كان يتصوره كل منهما تحركا ثلاثيا جماعيا يخدم مصالح الأطراف الثلاثة. هذا إضافة إلى أن دور روسيا كوسيط، يتوقف على مدى تقدير إسرائيل للتحالفات الروسية مع إيران والأسد، وموقفها الحقيقي، وليس المعلن. أي ببساطة، دور روسيا كوسيط في تلك الأزمة يتوقف على فهم تل أبيب لدور موسكو الحقيقي.

من الصعب قبول نفي الولايات المتحدة علاقتها بالغارات الإسرائيلية. ومن الأصعب قبول نفي إيران علاقتها بتحركات بشار الأسد. لكن الأخطر هنا هو أن إسقاط الطائرة الإسرائيلية لم يتم من دون علم موسكو، وربما أيضا لم يحدث من دون مشاركة خبرائها أو قواتها.

من الممكن إنكار الكثير من الأمور ونفيها، واستخدام لغة دبلوماسية أو سياسية لإبعاد الشبهات أو لتصوير الرغبات على أنها هي الواقع. ولكن من الأفضل تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، لكي تتضح بعض جوانب المشهد المعقد، بعيدا عن الطنطنة بانتصارات وهمية أو مكاسب هي في الحقيقة خسائر على المديين المتوسط والبعيد.

لقد شعرت روسيا بإحراج شديد طوال الأعوام السابقة التي قامت فيها إسرائيل بقصف قوات الأسد ومليشيات إيران وحزب الله في سوريا. ولا يوجد أي معنى لوجود القوات الروسية في سوريا، إذا لم تدافع عن حلفائها. وبالتالي، لا يمكن استبعاد أن الكيل قد فاض، وباتت موسكو أمام خيارات عدة، من ضمنها "قرص" أذن تل أبيب ولو عن طريق "قوات الأسد". هذا على الرغم من العلاقات غير السيئة بين روسيا وإسرائيل.

لقد كان من المتوقع أن تتطور الأمور إلى حرب أوسع من الحرب على الإرهاب، خاصة وأن الروس والإيرانيين ومعهما الأسد احتفلوا بالانتصار على داعش، وسارعت روسيا بتسييل مكاسبها العسكرية في سوريا إلى أوراق سياسية، من ضمنها مبادرات وصيغ للتسوية، مثل أستانا وسوتشي. ولكن على الجانب الآخر، تجاهلت الولايات المتحدة كل ذلك، ورفضت كل محاولات روسيا للتفاهم. وذلك في إشارة واضحة إلى أن مصالح الولايات المتحدة أكبر بكثير من روسيا، ومن إيران والأسد وحزب الله. وأن هذه المصالح خاصة بالولايات المتحدة حصرا، ولا يمكن إشراك روسيا أو غيرها فيها. وهو الأمر الذي يثير غضب موسكو والقيادة الروسية، ويجعلهما يطالبان دوما بالمعاملة الطيبة والاحترام.

لن تحدث أي مواجهات أو حروب مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة لا في سوريا ولا في غيرها. كل ما هنالك أن الدولتين لديهما ما ينوب عنهما في ذلك. ولكن هناك أمرين في غاية الخطورة. الأول هو إمكانية ظهور احتمالات حقيقية وواقعية لصدامات بين قوات أردوغان وقوات الأسد، وهو ما يمكنه أن يمتد إلى اشتباكات مباشرة، قد تكون محدودة، بين القوات التركية والقوات الروسية. وهنا لا يمكن استبعاد أي مؤامرة من جانب إيران أو الأسد أو المليشيات التابعة لهما لتنفيذ ذلك، وتوريط روسيا أكثر فأكثر في المستنقع السوري.

أما الأمر الثاني، فهو ما يتم التحضير له في الأروقة الأمريكية والإسرائيلية لإيران. وهناك بالفعل معلومات تفيد بأن إيران قد تتعرض لضربات أمريكية أو إسرائيلية، أو لضربات مشتركة لكلتيهما، في المرحلة المقبلة. وهنا لا يمكن تجاهل إمكانية حدوث استفزازات ومؤامرات إسرائيلية أو أمريكية، أو إسرائيلية – أمريكية، لتوريط روسيا أكثر فأكثر.

أما روسيا، فلن تفعل شيئا خارج الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وإذا شئنا الدقة، فروسيا ستكتفي بالشجب والإدانة والتحذير، والمناشدة بضبط النفس. ولكنها في الوقت نفسه لن تتمكن من النأي بنفسها عن أي مفاجآت، خاصة أن تل أبيب تعتقد أنه بإمكان موسكو التأثير على طهران ودمشق. وهو التصور غير الدقيق من جانب الإسرائيليين. فموسكو لديها أوراق تأثير على هذين الطرفين، ولكن ليس إلى النهاية، وليس إلى حد الخطوط الحمراء التي يمكنها أن تدفع إيران وبشار الأسد إلى البحث عن بدائل أخرى لروسيا. كما أن روسيا نفسها تعاني بشكل واضح من العقوبات والضغوط الأمريكية والأوروبية، ما يجعلها تلوِّح بين الحين والآخر بأنها قوية وقادرة وتمتلك أسلحة نووية وصواريخ جبارة ومنظومات دفاع جوي قادرة على الوصول إلى كل الأهداف الممكنة.

محاولات التهدئة جارية لكي لا تصل الأمور في الشرق الأوسط عموما، وفي سوريا على وجه الخصوص، إلى الخطوط الحمراء التي لا يمكن الرجوع عنها. ولكن هذه المحاولات، سواء نجحت أو فشلت، تمثل "الهدوء الذي يسبق العاصفة". لأننا تحدثنا في مقالات وتحليلات سابقة عن ما يحدث الآن، وأشرنا أكثر من مرة إلى أن عام 2018 لن يكون عام الحسم في سوريا، وأن هذا العام تحديدا سيشهد تحولات راديكالية وتراجيدية في الأزمة السورية. وستكون بداية هذه التحولات، وقوع روسيا في مستنقع شبيه بمستنقع أفغانستان.

إن كل الشواهد تشير إلى أن الحلقة تضيق حول روسيا، سواء من جانب أعدائها وخصومها، أو من جانب حلفائها. وفي الحقيقة، فتركيا وإسرائيل لديهما علاقات جيدة مع روسيا، ومع بعضهما البعض. وفي الوقت نفسه، تجري حاليا عملية "فك ارتباط" بين كل هذه الأطراف. وأكبر دليل على نجاح هذه العملية التي تسير بهدوء وبحسابات دقيقة، هو أن موسكو وأنقرة وتل أبيب تسعى لتحقيق مصالحها بمعزل عن بعضها البعض. وهو ما ينطبق على طهران والأسد جزئيا. وهذا يحيلنا إلى العديد من المخاوف المنطقية، وبالذات في ما يتعلق بعمليات "تسخين" و"مؤامرات" و"استفزازات" خلال الشهرين المقبلين، لتبدأ أولى التحولات الجذرية والمأساوية في سوريا.