loading...

ثقافة و فن

«ورش الكتابة» تسيطر على بورصة المسلسلات.. «سبوبة» أم إبداع؟

ورش كتابة السيناريو

ورش كتابة السيناريو



ملخص

اختلفت الآراء حول فوائد ورش الكتابة الجماعية للأعمال الدرامية، فبين مؤيد ومعارض لها تسير هي في طريق مزاحمة كبار المؤلفين وتنجح في اختطاف كبار النجوم في بورصة مسلسلات 2018، دون عبء لاتهامها بأنها «سبوبة» لبعض الكتاب، ليبقى المشاهد في النهاية هو الحكم على جودة ورداءة الأعمال التي يشاهدها.

أثار انتشار موضة «ورش الكتابة الدرامية» مؤخرًا، حالة من الجدل بين النقاد والمؤلفين، بعدما باتت ركنًا أسياسيا في المسلسلات المعروضة على القنوات الفضائية، خاصة المتنافسة منها خلال المواسم الرمضانية الأخيرة، وارتبطت بعض الورش بأسماء سيناريستات مشهورين، ذاعت أعمالهم الجماعية أيضًا التي كتبوها بمساعدة مؤلفين في بداية مشوارهم الإبداعي، مما دعانا لمحاولة الإجابة عن سؤال أرق الكثير من المتابعين للأعمال الدرامية، والذين باتوا يتساءلون عما إذا كان لجوء كبار السيناريستات إلى ورش الكتابة يعود سببه إلى تطوير وتغذية الإبداع أم وسيلة يستغلون فيها أسمائهم كـ«سبوبة» في السوق الفنية، بعدما جفت أذهانهم من الأفكار الجديدة؟  

الكبار يلجأون إلى «روح الشباب»

في البداية لا نستطيع أن نغفل في طريقنا نحو الإجابة على التساؤل المذكور سابقًا، أن المشاركة الشبابية في عدد من الأعمال ساعدت على نجاحها، حتى استقطبت إليها نحومًا كبارًا، أبرزهم النجمة يسرا التي اعتمدت في كتابة مسلسلها «فوق مستوى الشبهات» عام 2016، على عدد من الشباب، إذ شارك في كتابته عبد الله حسن وأمين جمال كأول تجربة لهما، بجانب محمد رجاء، تحت إشراف مدحت العدل.

ويبدو أن يسرا، استهوت تلك طريق الورش، بعد أن جنت منها نجاحًا ملحوظًا في تجربتها الأولى، إذ كررت المغامرة مرة أخرى مع محمد رجاء وإياد عبد المجيد في «الحساب يجمع» العام الماضي، تحت إشراف العدل أيضًا، قبل أن تواصل هذا العام المسيرة في «بني يوسف» بورشة تضم الرباعي أمين جمال وعبد الله حسن وإبراهيم محسن وخالد أبو بكر. 

واتجه النجم عادل إمام لأول مرة إلى تجديد دماءه بورشة الكتابة في مسلسله الجديد «عوالم خفية» الذي يشارك في كتابته أمين جمال ومحمد محرز ومحمود حمدان، بعد تعاون ثنائي مع يوسف معاطي، الذي كتب له عددًا من المسلسلات في الأعوام الماضية. 

436x328_63637_248044

«التحرير» حاولت تفسير ظاهرة التخلي عن الكاتب الواحد مقابل الاتجاه لـ«الورشة» في الأعمال الدرامية، باستطلاع آراء عدد من النقاد الذين لهم باع طويل فى الدراما، بالإضافة إلى كتاب من الشباب خاضوا التجربة.

كواليس الورشة

في البداية أوضح لنا الكاتب الشاب محمد رجاء، كواليس الكتابة الجماعية للأعمال الدرامية، مستندًا في ذلك إلى تجربته التي شارك من خلالها في تأليف العديد من مسلسلات «السيت كوم» أشهرها «الباب في الباب»، وكان آخر أعماله الجماعية كتابة «الطوفان» بالتعاون مع وائل حمدي، ونجح المسلسل في إحداث ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحقق نسب مشاهدة مرتفعة على موقع الفيديوهات الشهير «يوتيوب».

وقال رجاء، إنه تشارك مع حمدي فى كتابة المسلسل، موضحًا أنهما أثناء الاتفاق على الفكرة وتحديد الخطوط الرئيسية، تم تقسيم شخصيات المسلسل فيما بينهما، فكان من نصيبه شخصية (الحاجة صفية) -الفنانة نادية رشاد- و(منيرة) -الفنانة وفاء عامر- لكونه قابل تلك الشخصيات فى أرض الواقع، وبالتالي من السهل عليه بناء الشخصية الدرامية من المعطيات الموجودة لديه.

عملية «استرزاق»

رغم نجاح «الطوفان»، إلا أن الناقدة الفنية ماجدة خير الله، كان لها وقفة مع الطريقة التي ذكرها رجاء، عن كتابة المسلسل، وقالت «أنا مش باستريح للورش، هي شيء مزعج جدًا»، لافتة إلى أن الكتابة في الأساس إبداع، متساءلة «كيف يمكن أن يتشارك في عمل فني واحد 6 أشخاص مثلا؟»، لكنها عادت أكدت تقبلها فكرة الورش الكتابية إذا كانت ورشًا تعليمية مثل ورش الكتابة والإخراج والتصوير وغيرها، إذ يقدم شخص ما لديه من معلومات عن أساسيات المهنة ليفيد غيره وليس فقط ما وصفته بـ«عملية استرزاق».

وحين طالبنا الناقدة بتوضيح رؤيتها، ذكرت أن الإبداع مسألة ذاتية فكل شخص له وجهة نظره وإحساسه وطريقته المختلفة، وبالتالي اشتراك مجموعة من الأشخاص في كتابة عمل واحد يقلل من قيمة الأشياء والإبداع، مشيرة إلى أن هناك أشخاصًا استشعروا أن كتابة السيناريوهات مسألة مثمرة وتجلب الكثير من الأموال، لذلك أقبلوا عليها بالالتحاق مثلًا بورش لأشخاص معروفين في الوسط الفني كورشة تامر حبيب، لكونهم يعملون باستمرار ومن خلالهم يستطيع هؤلاء أن يجدوا عملًا.

8640dda87fe12a47a60e7c0e857bcad8_920_420

وجهة النظر المعارضة للعمل الإبداعي ضمن الورشة الجماعية للكتابة، اتفق معها أيضًا المؤلف هاني كمال، الذي يعرض له حاليًا مسلسل «أبو العروسة»، إذ قال: «أنا باشتغل باسمي وقلمي وليس ورشة هدفها الأول هو البيع فقط»، مؤكدًا أن هناك بعض الكتاب يعملون بورش جماعية لا يهمهم سوى البيع وهذه كارثة كبيرة تضر بسوق الدراما، كونهم يسخرون قلمهم لتلميع نجم واحد (البطل) في العمل وباقي الشخصيات تكون فارغة بلا قصة أو محتوى، موضحًا «موجودة فقط من أجل التخديم على ظهور النجم الأوحد».

لها تاريخ

حاول الناقد الفني طارق الشناوي، تهدئة روع معارضي فكرة «الورش الجماعية»، بقوله إن ما يفرق بين عمل ناجح عن آخر فاشل من إنتاج ورش الكتابة هو وجود كيميا بين الأشخاص، لذلك فمن المنطقي أن يحدث هناك مشاورات وجلسات عمل مطولة، وليس ما يحدث في بعض الورش أن كل مؤلف يتولى مهمة كتابة شخصية من العمل الأساسي.

ويأخذنا الشناوي، إلى تاريخ ورش الكتابة، موضحًا أنها متواجدة في الوسط الفني بالدول كلها، وكانت موجودة في مصر بالخمسينيات والستينيات وحتى فترة التسعينيات، ولكن تعمل من الباطن ولا نعلم اسم الكاتب الذي تشارك فى كتابة السيناريو، لأن اسمه لا يوضع على التتر، مقابل تقاضيه مبلغًا ماليًا من الكاتب الأساسي للعمل، وأطلق على هؤلاء لقب «الشادو ريترز».

واستطرد الشناوي، فى تصريحات خاصة لـ«التحرير»، بأن ورش الكتابة أصبحت معلنة مع بداية الألفية الجديدة، ويتم الكشف عن المؤلفين الذين تشاركوا في العمل الواحد وذكر أسمائهم على الأفيشات، ولم ينف الناقد أن هناك ورشًا قدمت أعمالًا عظيمة وأخرى رديئة. وعن الحكم عليها، رد: «ماقدرش أحرم أو أجرم الورش».

شكل مفكك

أبدى السيناريست مجدي صابر، اندهاشه من انتشار ورش الكتابة بشكل كبير في سوق الدراما، لافتا إلى أنه عرض عليه من قبل مجموعة من الشباب تأسيس ورشة كتابة ويتولى هو إدارتها، ولكنه رفض الموضوع بشدة.

واعتبر صابر، أن العمل الدرامي له أب واحد فقط ولا يؤمن بتعدد الآباء فيه، لضرورة ترابط العمل الفني، وتساءل: «كيف لمسلسل درامي يتولى مسئوليته أكثر من شخص ويتم تقسيم العمل فيما بينهم، أحدهم يكتب الحوار وآخر الشخصيات أو يتم تقسيم الحلقات؟».

وسارع المؤلف بإجابته التي أوضح فيها رأيه قائلًا: «كل هذا يضر في النهاية بالعمل الدرامي فيخرج بشكل غير مترابط ومفكك، وليس مياهًا واحدة على الشاشة نتيجة تعدد وجهات النظر، وربما تنجح في بعض الأحيان وفي مواطن أخرى تفشل».

شيء ضروري

ومررنا في بحثنا على رأي أحد أساطين ورش الكتابة الجماعية، فالسيناريست عمرو سمير عاطف، من أول الكتاب الذين أقدموا على تكوين أول ورشة كتابة احترافية في العالم العربي، وأنجزت هذه الورشة تحت قيادته سلسلة أجزاء مسلسل «راجل وست ستات» قبل أن يتركه لتستكمل ورشة كتابة شبابية نفس خطه بأجزاء أخرى، وقدمت إحدى ورشه أيضًا سلسلة أجزاء مسلسل «تامر وشوقية»، وغيرها من الأعمال التي أسهمت في تغيير شكل الكوميديا التليفزيونية، كما له أعمال كتابية منفردة شهدت نجاحًا واسعًا.

وفي بداية حديثه، رفض عاطف، فكرة انتقاد ورش الكتابة بشكل عام، مؤكدًا أن الكتابة لا يوجد فيها صح وخطأ، وتابع: «أنا أهاجم فقط الكتابة السيئة والورش التي أخرجت أعمالًا رديئة، وهناك تصور عند بعض الناس أن هناك ورشًا تقوم على مجموعة أشخاص يكتبون فقط من أجل الانتهاء من العمل وتقاضي مقابل مادي ولا يهتمون بإخراج عمل فني جيد، وهذا ليس في كل الأحوال».

وبين السيناريست أن ورش الكتابة ظاهرة وطريقة عمل يجب تواجدها في العديد من الأعمال على رأسها «السيت كوم» والمسلسلات متعددة الأجزاء، وذلك على عكس الأعمال الذاتية التي تحمل وجهة نظر واحدة وفكرًا معينًا ولا تحتاج إلى مجموعة من المؤلفين، وتقوم على الكاتب الأوحد، وهذا مناسب أكثر للمسلسلات ذات 30 حلقة.

large-498245123113391688

فكرة أن ورش الكتابة أساسها تعليم الشباب، لم يؤيدها عمرو، إذ ذكر أنه أقدم على تكوين ورشة كتابة من أجل «السيت كوم» وليس بهدف أن يعطي الفرصة لأحد لكي يتعلم، لأنها غير الورش التعليمية، فكانت بهدف تقديم العمل بطريقة مضبوطة، واختتم: «أنا مع إن كل الناس تاخد فرصة ولكن العمل مافيهوش مجاملات، وهناك ورش كتابة ناجحة وبها مؤلفين مبدعين، وهناك ورش غير جيدة، وهذه يجب توجيه الانتقاد إليها، حتى لا يكون الموضوع في المطلق».

مزاحمة واستحواذ

رغم حالة الجدل حول الورش الجماعية في الكتابة بين معسكر مؤيد وآخر معارض لها، إلا أن تلك الطريقة لاقت رواجًا كبيرًا في سوق الدراما المصرية مؤخرًا، واستطاعت أن تبسط نفوذها وتزاحم كبار الكتاب والمؤلفين، فالماراثون الرمضاني الماضي، كان الأقوى لها، إذ شهد تعاون أكثر من جهة إنتاجية مع ورش كبيرة تحمل أسماء لا يستهان بها فى العمل الإبداعي، أسفر بعضها عن نجاحات كبيرة، في مقدمتها مسلسل «حلاوة الدنيا» الذي خرج من ورشة السيناريست تامر حبيب وغيرها من الأعمال.

thabib0001

ورسخت تلك النجاحات لاستحواذ «ورش الكتابة» على بورصة مسلسلات 2018، وأصبحت محل مزاحمة وجذب لكبار النجوم، لاسيما «الزعيم» عادل إمام والنجمة يسرا، وذلك بدافع تجديد الدماء وتقديم أفكار بروح شبابية تواكب الأجيال الجديدة وقضاياهم.

وفي النهاية العمل الجيد يفرض نفسه على الجمهور سواء كان من إنتاج المؤلف الأوحد أو ورش الكتابة، لأن هناك ورشًا نجحت بالفعل في تقديم جيل جيد من الكتاب الشباب الذين يملكون موهبة كتابية وحسًا فنيًا على مستوى عالٍ، وورشًا أخرى أساءت إلى سمعة صاحبها وأصبحت معروفة في السوق ولا أحد يتعامل معها.