loading...

مقالات

أمل دنقل: ذكريات ومقالات وصور الشاعر في مرايا جابر عصفور

أمل دنقل: ذكريات ومقالات وصور الشاعر في مرايا جابر عصفور


هذا الكتاب يبدو لوهلة أنه أحد روافد السيرة الذاتية لمؤلفه وللشاعر أمل دنقل، وأقصد بذلك أنه سرد للذكريات والعلاقات الإنسانية والفكرية، التي ربطت بين كاتبه وصديقه الشاعر، وفيها البُعد الفكري محمولاً على البُعد الذاتي البيني بين كليهما، أي خليط ومزاج مؤتلف أو متنافر بين الذاتي والموضوعي، إلا أن إمعان النظر في محتواه، يشير إلى أن البُعد "السّيراتى" فيه اتسم بالاختزال، والشح كما ورد في المقدمة، ومن ثم تراجعت الذاكرة لتبدو أقرب إلى ظلال محمولة على الرثاء لصديق في لغة بليغة، لكنها لا تنطوي على مفهوم الذكريات بما هي واقعات وحادثات وتداخلات وتوترات وتصالحات في العلاقة البينية بين الكاتب والشاعر، بين الناقد والمبدع، من ثم يغيب البوح والسرد الكاشف عن عمق العلاقة واستمراريتها أو فتورها، أو جذوة المحبة الخالصة التي ربطت بين كليهما. هذا عن الذكريات، أما الصور فتبدو شحيحة ونادرة، ومن ثم تبدو صعبة على تحليلها، وإحالتها إلى "الذكريات" وشرائطها، ومتتالياتها، وانقطاعاتها إن وجدت، وإن كنا سنحاول تحليلها.

الكتاب يبدو توثيقيًا، ومعطوفًا على الكتاب المرجع "أمل دنقل: وقصيدة الرفض" الذي يبدو لي أهم كتاب عن شعرية أمل وتحولاتها، من خلال منهجية تكاملية تربط بين التحليل السوسيولوجي، والنصي/ الخطابي، وسياقات الإنتاج الشعري، ومتغيرات التحول في لغة وعلامات ومجازات وبنية القصيدة لدى أمل.

السؤال الذي نطرحه هل توثيقية الكتاب تقلل من أهميته؟ الإجابة بالقطع لا، بل هي تتمه للكتاب المرجع، أو الكتاب/ المتن الرئيس عن شعرية أمل وسياقاتها المتغيرة.

أود أن أركز على صور أمل دنقل الفوتوغرافية مع العائلة، مع الأصدقاء، وأثناء المرض والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن والمخيلة لماذا الصور وتحليلها؟

تكمن الإجابة في مقولة لعالم الاجتماع الفرنسي ميشيل مافيزولي أن "الصور لا تجسد الواقع فحسب بل إنها تخلق الواقع أيضًا، الأمر الذي يجعل من الصعب الحديث بدقة عن متى تنتهي الصورة ومتى يبدأ الواقع".

هذا التداخل بين الصورة، وتفاصيلها وواقعها، يبدو واضحًا في تحليل صور أمل دنقل في هذا الكتاب على محدودية الصور ورداءة التصوير.

الصور لقطات قد تكثف لحظات بشحناتها، بتعبيراتها وخطوطها على الوجوه، ودلالة على حظوظها من البسمات والضحكات ومن ثم السعادة، والانفتاح القلبي والانطلاق، وطبيعة لحظة التصوير هل تبدو تسجيلية، حيادية، صامتة أو معبرة عن خطوط الصمت، وعلامات الألم أو القنوط أو الانبساط والفرح أو التعاسة.

الصور في وحداتها الثلاث العائلة/ الأصدقاء/ المرض، ليست سواسية في لحظاتها ولا تعبيراتها، وجميعها بالأبيض والأسود، والعيون الكامنة وراء عدسات الكاميرا، ليست محترفة ولا فنانة ولا قادرة من ثم على تحويلها من لحظة تسجيلية إلى لحظة فنية من حيث الزوايا، والكادرات، والملامح والحركة، والنور والظل إذن نحن إزاء صور تسجيلية للحظات معبرة عن لحظة وسياق التقاطها بعيون الكاميرا .

كيف نفسر الصور في حالاتها الثلاث؟

أولاً: الصور العائلية: الحياة والوحدة في سياجات البطريركية

صورة عادية للشيخ أبو القاسم محارب دنقل والده كاشفة عن أزهرية الأب، وهو ما يشير إلى جذور اللغة العربية الفصيحة التي استقاها الابن في مرحلة تكوينه اللغوي، أو تنشئته البلاغية ذات المصادر التقليدية، والدينية والشاعرية الكلاسيكية المحمولة على لغة الأزهريين، وهو ما سوف نجده في الأنسجة والمجازات اللغوية للشاعر في جُل شعره، على الرغم من بعض التعدد اللغوي والمجازي والمخيالي في دواوينه المختلفة، التي رفدت قاموسه الشعري عبر قراءاته، ومشافهاته، والسياقات الأيديولوجية القومية والعدالية التي عاشها في فتوتها وانهيارها.

الشاعر بين ركبتي أبيه مع كبار أفراد العائلة والقرية، والشاعر مع والده وبعض أصدقائه في أسوان (جزيرة النباتات) عام 1947، الشاعر في طفولته، الشاعر بين والدته وابنة شقيقته في معهد السرطان عام 1983 أربع صور كاشفة عن نسق التنشئة الأسري والعائلي التقليدي / البطريركي من الطفولة إلى المرض، على نحو دالٍ على النشأة في الكنف الأول، عن المرجع القيمي المُعبر عن نمط حياة أول بين ركبتي الوالد، وبينه وبين بعض أصدقاء أبيه، وفي زواجه حيث الأم الرحم / الأم/ الإشارة/ العلامة/ الحضور، حيث وجه الشاعر محمولاً على الألم والفرحة، بين الوحدة والعزلة والحزن وبين مغامرة الحياة مع شريكه تنطق بالفرحة، وحيث الأم السند فيما وراء الأبن/ الشاعر، داعمة، ومانحة الحنان والأمن في مواجهة قلق بادًّ على ملامحه.

ثمة صورة للشاعر مع محافظ أسوان ناطقة بالحبور والظفر بعد إلقاءه قصيدة عن القنال العائد عام 1956 حيث نجاحه الشعري مصدر فرحة الذاتي المطل على وجهه. أما الشاعر في طفولته يبدو الحزن والجدية والصرامة تنطق ملامحهم من وجهه، والشاعر في مرضه تبدو ابتسامة الأم / السند الأم الداعمة، وتبدو عبثية لحظة المرض بين حدى الحياة والعدم بارزة في حزن ناعم وعميق، وقلق وعدمى. لقطات عابرة وتسجيلية لكن وجه الشاعر وحزنه المكنون ناطقة الخطوط والملامح الصارمة والتماسك إزاء المجهول الذي سيسافر إليه في رحلة طويلة نحو العدم، أو الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وفق النص المقدس.

ثانيًا: صور الشاعر مع أصدقائه: ألعاب المشاعر الصديقة

تبدو صور أمل الفوتوغرافية مع أصدقائه، ناطقة بلحظات من الفرح المختلس من قسوة الحياة وعزلة الشاعر وبحثه عن دفء ما، وحميمية ما، وبسمات وضحكات منتزعة من ألم الوحدة والاغتراب عن بؤس اليومي والسياسي ونزاعاتهما. يبدو أن مؤسسة الصداقة على محدودية أصدقائه، كانت ملاذ الدفء والسكينة، وبعض من البراءة المستوردة فيما وراء خشونة اليومي وصدامات الشاعر مع العابرين والمتلصصين عليه، ومن عيون البصاصين، وكاتبي التقارير والوشاة، بيئة من القلق والتوتر الدائمين. من هنا يبدو لي أن الصداقة كانت تبدو بمثابة بعض من الملاذ، والحضن الحامي للشاعر. ثمة ضحكات تبدو حينًا متقشفة، وحينًا آخر سخية كأنها ابنثقت طواعية وسلسلة في تفاعلها مع محبة أصدقاء الشاعر وعلى رأسهم صديقه الوفي جابر عصفور.

افتتاحية صور الصداقة مع الكاتب/ الناقد، ناطقة بالبشر والفرح والألفة والاطمئنان، كليهما يضحكان ملء القلب، وتبدو علامة الحميمية والاطمئنان من يد الشاعر المستلقاة على كتف صديقه الناقد، وورائهما الكتب التي عاشا عليها وبها ومعها، وشكلتهما، وكانت رمزًا على حضورهما في الحياة.

الصورة الثانية والثالثة، ذات طابع عائلي وحول كعكة عيد ميلاد الناقد حيث تبدو الصحبة في إطار عائلة الصديق مانحة الدفء والأمان.

في الصور المختلفة، تبدو الصحبة/ دافئة وتتدفق بالحبور والطمأنينة حيث يرقص الشاعر الدبكة الفلسطينية مع الأصدقاء في حالة من الانبساط.

ثالثًا: صور الشاعر أثناء مرضه: صمود مع الألم، وعبثية النظرة إلى الوجود

ضحكة طالعة من الألم تبدو من صورته مع د. لويس عوض، و د. جابر عصفور، و د. محمد بدوي بينما لويس عوض وجابر عصفور، يضحكان لمنحه بعض من الأمل. كافة الصور تحملُ الألم وملامح الرحيل نحو الأبدية، ضحكات مقتضبة، وملامح يعلوها الحزن. إن تحليل هذه الصور التي طبعت على نحو ردئ لا تعطى لنا بعض تفاصيلها ولا تبوح بالكثير، لأنها عفوية غير مدربة ومن عيون محبة وغير محترفة ترمي إلى تسجيل اللحظة لا سبرُ أغوارها وما وراءها.

صورة الشاعر ووجهه في الصور
ثمة رومانتيكية ما، وعذوبة وراء وجه معذب وروح وثابة بها بعض من انكسار ما، وهي رومانتيكية لا تتراجع أمام السخرية، وبعض من العدمية تلوح تارة من وجهه، ثم "خوف من أن يكتشف الآخرون كم أنت رقيق فيدوسونك بسنابكهم!" كما كتب حجازي في إحدى رسائله في الكتاب إلى أمل دنقل، تبدو في الحياة متجسدة في قسوة الآخرين. من هنا يراها حجازي "خشونة متعمدة"، وذلك يجب أن تبدو وكأنها لا متعمدة.. حتى يضلل الناس عن هذه الرقة الحزينة" كما يصفها حجازي ببراعة من معرفته بشخصية أمل وشعره معًا. شخصية تخفي في صورها عذوبة، وشظايا، وخوف ورقة، ووجه يحملُ قسوة ما، وعنف ما، وخوف ما. إنها الشاعر في صوره ومراياها التي تبدو واحدة في تعددها.