loading...

مقالات

تحييد إيران.. تيلرسون يبحث المشاكل ويصلح ساعات!

تحييد إيران.. تيلرسون يبحث المشاكل ويصلح ساعات!


جولة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون في الشرق الأوسط جاءت على خلفية تصعيد غير مسبوق في سوريا.

الولايات المتحدة لا ترى ما يثير القلق في العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا. بل تشجع تركيا على المضي قدما، ولكنها ترجوها فقط لتوخي الحذر من أجل تقليص وقوع خسائر بين المدنيين للحد الأدنى. وبطبيعة الحال، تدرك واشنطن أن استمرار أنقرة في عملياتها العسكرية سيؤدي حتما إلى صدامات بينها وبين موسكو، أو في أحسن الأحوال فك الارتباط بين روسيا وتركيا في مرحلة ما من مراحل تلك العمليات العسكرية التركية.

وفي كل الأحوال، ما تقوم به القوات التركية يخدم إسرائيل بدرجات متفاوتة، بصرف النظر عن التصريحات "الفقاعية" التي يطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونوابه ومستشاروه ووزراؤه. فكما تستفيد تركيا من كل التناقضات الممكنة، تستفيد أيضا إسرائيل بنفس القدر أو أكثر. والطرفان التركي والإسرائيلي يستندان في نهاية المطاف إلى مبدأ "حماية الدولة" و"الدفاع عن النفس"، وبالمرة، "مكافحة الإرهاب" حسب مفهوم كل منهما لهذا الإرهاب! وفي الحقيقة، فروسيا على سبيل المثال لا تختلف مع الدولتين من حيث المبدأ، بالضبط مثل الولايات المتحدة، بصرف النظر عن تصريحات موسكو الساخنة ضد تل أبيب وانعدامها ضد أنقرة، أو محاولة إجراء توازنات عن طريق غض الطرف عن أحداث أو ضربات أو قصف لكي تتمكن من إحكام قبضتها على هذا الطرف الضعيف أو ذاك.

وسائل الإعلام صالت وجالت، ونقلت على لسان مسؤولين "رفيعي المقام" في الخارجية الأمريكية أجندة لقاءات تيلرسون في الأردن ومصر وتركيا ولبنان والكويت وبقية الدول الأخرى. وهذه الأجندة تتضمن بنودا شبيهة بقائمة "عفش الزوجية"، أي من الإبرة إلى الصاروخ. وبلغة أخرى، تتضمن هذه القائمة كل المشاكل والخلافات الخارجية والداخلية، والقدس، وداعش، وحزب الله، ومنح الأردن أموال، وفلسطين، وإسرائيل، والأكراد، وقطر، ومستقبل الأسد وعفرين وإدلب.

من الواضح أن هذا هو الإعلان الأمريكي الرسمي لتلك الزيارة الشائكة والخطيرة. وهو ما يذكرنا بالساعاتي الذي أراد أن ينشر نعيا في الصحف بوفاة ولده، ومن شدة بخله وجشعه كتب "إنه ينعي ولده ويصلح ساعات". غير أن الإعلان الأمريكي تضمن النعي من دون الكلمتين الأخيرتين، لأنهما ببساطة تتعلقان بإيران.

إن جولة الوزير تيلرسون تهدف إلى أكبر حشد ممكن لتحييد إيران، سواء بضربات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة. وفي أحسن الأحوال الشروع بتنفيذ إجراءات حاسمة وصارمة ضد إيران، بما فيها الخيارات العسكرية والأمنية والمزيد من العقوبات الخانقة. وكل الموضوعات المطروحة على أجندة لقاءاته، هي أصلا مطروحة وقيد التصريحات أساسا، وليست بحاجة إلى تلك الجولة "الهوليودية". ولكن "تحييد" إيران بحاجة إلى حشد حقيقي، خاصة وأن الولايات المتحدة وجهت شكرا علنيا لقطر بشأن قاعدة "العديد"! إضافة إلى أن زيارته إلى لبنان تتعلق حصرا بوضع تنظيم حزب الله والتلويح ببعض الأموال، بالضبط مثل الأردن الذي قد تكون له مهام معينة في عملية التحييد أكثر بقليل من مهام لبنان. وعلى المستوى السياسي سينقل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني رسائل كثيرة إلى القيادة الروسية بعد زيارة تيلرسون لبلاده. وستكون هذه الرسائل قاسية وصارمة للغاية.

روسيا في مأزق حقيقي، لأنها لا تستطيع، وليس من مصلحتها أصلا تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، بالضبط مثل ما كان يفعل الاتحاد السوفيتي ولكن بآليات وطرق وتصريحات مختلفة نسبيا. وبعيدا عن هوس إيران وحزب الله وبشار الأسد، بأن إسقاط طائرة إسرائيلية يعتبر بداية لتحولات تاريخية وتغيير "جبار" في موازين القوى في المنطقة، تدور التساؤلات حول وقوف بعض الأنظمة العربية والتنظيمات السياسية العتيقة ومعهم فلول جبهات الصمود والتصدي عند الانتصارات "المعنوية" والأغاني والهتافات والتدليس الإعلامي والتضليل.. بعيدا عن كل هذا الهوس المزمن، نجد أن أصابع روسيا كلها تقريبا بين أسنان ليس فقط أعدائها وخصومها، بل وبين أسنان حلفائها ومحاورها الهشة والضعيفة. وفي نهاية المطاف لن تقوم روسيا بأي خطوات عدائية لا ضد إسرائيل ولا ضد غيرها.

روسيا لن تدخل أي حرب، محدودة أو غير محدودة، ضد دولة أخرى بسبب إيران أو بشار الأسد. كل ما هنالك أنها ستحاول الاستفادة من الأوضاع الجديدة مع بعض المساعي الدبلوماسية والإعلامية في مجلس الأمن. إن الحديث لا يدور حاليا عن أي مكافحة لأي إرهاب، وإنما يدور عن مصالح كبرى لا يمكن أن تتحقق بدون أنهار من الدماء وأكوام من الضحايا وتبديد مليارات الدولارات. ولكن روسيا، كما هو واضح، لا تستطيع أن تشارك في هذه المغامرة، لا لأنها لا تريد، ولكن لأنها لا تستطيع، ولأنها أيضا ليس لديها كل هذا القدر من المصالح الذي يجعلها تدخل مغامرة أكبر منها. ومن الأفضل لها، حسب تاريخ التحركات السياسية والعسكرية السوفيتية والروسية، أن تنتظر التقلبات والتحولات وتحاول الاستفادة منها قدر الإمكان، أو تبدأ باستخدام التناقضات الناجمة عن تحولات كبرى بدلا من الدخول في مغامرات قد تكلفها غاليا وعلى مستوى الداخل أيضا، ومثال أفغانستان لا يزال حاضرا! وبطبيعة الحال، ليس بالضرورة أن يتكرر السيناريو الأفغاني بحذافيره، وإلا ستتحول الأمور إلى مهزلة!