loading...

مقالات

لحظات الحرية

لحظات الحرية


الزمن المصري أطول أزمنة البشرية، والأقل في درجة الحرية، فمنذ فجر التاريخ وقد تخلى المصريون عن حريتهم، سلموها طوعًا لسلسلة من الحكام الذين توالوا عليها كقدر أعمى، ارتدوا كل أشكال الأقنعة، ولعبوا عليهم كل الحيل غير المشروعة، ولم يتركوا تبريرا إلا وساقوه حتى يبقوا الشعب تحت نير العبودية، وتقبل المصريون ذلك أحيانا دون وعي، وبرغبة تقارب الوله أحيانا، صدقوا كل أكاذيب حكامهم وتركوا لهم العنان ليتحولوا إلى طغاة، أعطوا بسذاجة الشرعية لكل من لا شرعية له، فالحرية التي كانت حقا طبيعيا لكل البشر أصبحت عملة نادرة بالنسبة لهم، وفي الواقع كانوا هم من فرط فيها، لم يحاولوا انتزاعها كما يجب أن يحدث أو التضحية من أجلها مثل غيرهم، لكنهم استسلموا للعبودية الطوعية فقط من أجل استقرار لا يدوم ورخاء لا يجيء.

نهر النيل كان هو أول أسباب الطغيان، لأنه كان نبع الحياة الأوحد في صحراء قاحلة، أزال المصريون من على ضفتيه الأشواك والنباتات البرية، وطهروا مياهه من التماسيح وأفراس النهر ثم عبدوه، تقبلوا تقلباته في رضا، كان النهر إلها شرسا متقلب الأحوال، يطلب ضحاياه وقت الفيضان، وفي أوقات الجفاف أيضا، ولكن بقدر ما كان ملكا للجميع كان عدوا للجميع أيضا، كانت مياهه دائمة التغلغل في الشواطئ الرخوة، تقطعها وتعيد تقسيمها من جديد، في وقت جريانه كان الفلاح يستيقظ في الصباح ليجد أن النهر قد اقتطع شطرا من أرضه، ودفعها بتياراته لتلتصق بأرض جاره، تقسيم قدري للأرض، وفي كل الأحوال لا أحد يرضى بنصيبه، دب الخلاف مبكرا بين سكان الوادي، وتصاعدت حدته في أيام ندرة المياه، لذا فقد سعى فلاحو الوادي طائعين لمن يحكم وينظم أمور النهر فيما بينهم، ومن حكم النهر فقد حكم الجميع، ونشأت أول حكومة مركزية في التاريخ، على الفراعنة، الملوك الأوائل، سدنة العرش، ورضي الجميع بالدخول في طاعتهم، في العبودية الطوعية لدولة الملك الإله، والعبودية الطوعية هى التعبير الذي أطلقه المفكر الفرنسي "دي لا بوسي" في القرن السابع عشر في مقالته التي يصف فيها كيف يتحكم الطغاة في شعوبهم، ورغم أنه يدين هؤلاء الطغاة فإن إدانته للشعوب كانت أقوى، فهي تستسلم أكثر مما ينبغي، وتفرط في حقوقها الأساسية دون وعي، وهذه هي إحدى السمات السلبية للمصريين الذين وصفهم الجبرتي ذات مرة بأنهم شعب صانع للحكام، فهم يحولونهم إلى آلهة لا تمس ولا تنتقد ولا يقدمون لها أقل من الخضوع المطلق.

هناك هاجس مرضي يستولى دائما على الذهن المصري هو الاستقرار، ومن أجله يتخلى عن أهم النوازع البشرية وهو التوق للحرية ويقدم الذرائع المختلفة لكل من يستبد به، ولا أحد يدرك أن العبودية ميراث جائر ينتقل من جيل الآباء للأبناء، فلو قبلنا الإذلال في حياتنا فإن هذا يعني أننا قد فرضناه فرضا على مصير أبنائنا، فالمصري كان دائما عرضة لأعمال السخرية المجانية، ومصادرة محاصيله وحيوانات، تسبى بناته ويساق أبناؤه إلى حروب يكونون وقودا لها دون أن يدري عنها شيئا، وقد دفع المصري هذا الثمن الغالي دون أن يتلقى ما يقابله، فلم ينعم بالاستقرار إلا قليلا، ولم يعش فى الرخاء إلا نادرا، كل هذا لأنه لم يناضل من أجل حريته كما ينبغي، فالناس يولدون أحرارا، ولكن هذا لا يدوم إذا لم يدافع كل فرد عن هذه الحرية بكل طاقته وإلا تحول إلى عبد ذليل.

لم ينعم المصريون بالحرية الحقيقية في تاريخ العبودية الطوعية الممتد إلا في مناسبتين نادرتين، وكلتاهما كانت لأيام قليلة، المرة الأولى كانت خلال العصر الفرعوني عندما كانت الدول المركزية في أقصى قوتها يحكمها الفرعون من جهة وكهنة المعبد من جهة أخرى، ولكنها فوجئت بفرعون ثائر، متمرد، هو "إخناتون" الذي ثار على منظومة الدين التقليدية، ترك تماثيل الإله "آمون" وبقية الآلهة القدامى، هجر المعابد الراسخة وآمن بإله جديد واحد، بالشمس واهبة الضياء والدفء إلى العالم، أضاف لمسة روحية إلى الديانة القديمة المادية بكل ما تمثله من تماثيل وقرابين، بضربة واحدة انقسمت الدولة وانفرط كل شيء من قبضتها، اعتبر الكهنة الفرعون مارقا وأهدروا دمه، واعتبر إخناتون الكهنة خارجين عن القانون وطالب بمصادرة أملاكهم، وكانوا يملكون الكثير، ووجد الشعب نفسه فجأة حرًّا، فالقوى التي كانت تمارس عليه القمع تتصارع مع بعضها، تركوه يسير حياته كما يريد، لم يعد هناك جباة للضرائب، وهرب العبيد من بيوت أسيادهم، وخرج العصاة والأبرياء من السجون، وانتشرت أنواع من الحرية الجنسية لم تكن معروفة، أو كانت تدور في الخفاء، ظهر كل ما في داخل النفوس من نبل وخسة، وارتكبت كل أفعال الشهامة والنذالة، استطاع المصريون أخيرا أن يعبروا عن أنفسهم.

لحظة الحرية الثانية للمصريين لم تحدث إلا بعد آلاف السنين، خلال هذه الفترة تفنن حكام مصر في إرهابه وفرض سيطرتهم عليه، لبسوا أقنعة الآلهة الذهبية، ووضعوا اللحى المستعارة ورؤوس الحيوانات ودهنوا أجسادهم بالمواد المضيئة، لقد حرصوا على ألا يشبهوا البشر العاديين بأي حال من الأحوال، سكنوا القلاع والقصور وحفروا المقابر الخفية، وبلغوا قمة تحكمهم حين أنشأوا قلعة الجبل، حيث يقفون في أعلى أسوارها بينما تسعى الرعية تحت أقدامهم كالنمل، وبعد أن هبطوا من القلعة ظلوا على الدرجة نفسها من النأي والتعالي، ولكن أخيرا حاول بعض الشباب المصري التمرد على قدر العبودية الطوعية، خرجوا في الخامس والعشرين من يناير عام 2011 في مشهد تاريخي مهيب، تجمعوا في ميدان التحرير، يحتجون على ميراث طويل من القمع وفقدان الإرادة، ولكن مسيرتهم لم تكن سهلة، كان رجال الأمن يترصدونهم بالرصاص، وكهنة النظام يشوهون صورتهم في أجهزة الإعلام، كان الثمن فادحا من الأرواح الشابة، لكنهم تحملوه وصمدوا في الميدان، أصبح الطاغية محاصرا في قصره لمدة ثمانية عشر يوما قبل أن يرغم على التنازل عن منصبه الذي استولى عليه لمدة ثلاثين عاما، مدة هائلة من الطاعة العمياء والاستخذاء المخجل، ولكن المصريين أصبحوا أحرارا لمدة ثمانية عشر يوما دون دولة مركزية تمارس عليهم قمعها المعتاد.

لحظات نادرة من تاريخ مثقل، ولكننا تعلمنا منها درس الحرية، هذا الاستعباد الطوعي لا فائدة منه، نحن الذين نصنع الطغاة ونسلطهم على رقابنا، لا شيء يجبرنا على الخضوع لشخص مهما بلغ قدره، علينا أن نحافظ على ما هو إنساني بداخلنا، فطرة الله التي ولدنا بها، توق الحياة للشمس والهواء والبحر والقمر والليل وكلها أشياء مجانية لم يهبها لنا أحد ولا يوجد من يملك القدرة على منعها، بدون الحرية تنحط مرتبة الإنسان إلى مستوى البهائم، يكفينا هذا التاريخ الطويل من العبودية.