loading...

مقالات

عنفوان «النسور الصغيرة» وإنسانية جيل السبعينيات

عنفوان «النسور الصغيرة» وإنسانية جيل السبعينيات


يُعرض حاليًا بسينما «زاوية» الفيلم التسجيلي المصري «النسور الصغيرة» إخراج محمد رشاد. استطاع الفيلم جذب الأنظار منذ عرضه العالمي الأول خلال فعاليات الدورة الثالثة عشرة لمهرجان دبي السينمائي الدولي، ثم حصوله على جائزة أفضل فيلم تسجيلي بمهرجان مالمو للسينما العربية في دورته السابعة.

يتميز فيلم «النسور الصغيرة» مبدئيًا بتفرد موضوعه، إذ لم يتطرق صانع أفلام إلى تجربة «جمعية النسور الصغيرة» التي قام بها عدد من قيادات ورموز اليسار المصري في حقبة السبعينيات، حيث حرصوا على تواصل أبنائهم سويا، وتربيتهم على مبادئ يسارية تضمن استكمال الأبناء لمسيرة الآباء. هذه مفارقة الفيلم الأولى، فالجيل الذي تربي لكي يرث النضال كانت قضيته الأولى مناهضة التوريث! لكن يتضح مع سير الأحداث التميز الأهم في كونه فيلما صنع صاحبه بقدر ما صنعه صاحبه.

يروي المخرج محمد رشاد تجربته مع والده (الحاج رشاد أحمد) الذي لم يعمل بالسياسة من قبل، بل ولم يهتم بقضية عامة قط، مما كان لذلك أثر في إدانة المخرج لأبيه أنه لم يكن من أصحاب القضايا الكبرى مثل آباء أصدقائه. هنا يبدأ الفيلم في سرد علاقة المخرج بأبيه بالتوازي مع رصده على الجانب الآخر لتجربة «جمعية النسور الصغيرة»، الذين اختار رشاد منهم الناشطة السياسية سلمى سعيد والمخرج بسام مرتضى، ومن وراء حكي قصة «النسور الصغيرة» نجد أيضًا حكيًا لتجربة جيل السبعينيات على لسان اثنين من أقطابها الأساتذة سعيد أبو طالب (والد سلمى)، ومحمود مرتضى (والد بسام).

يتضح من محاورات المخرج مع «النسور الصغيرة» وآبائهم أن العلاقة بينهم لم تكن بالمثالية التي ظنها المخرج في البداية، بل تنطوي على سجالات واختلاف في وجهات النظر، بل وأحيانا لحظات ندم شعر بها الآباء على مسارات وقرارات أثرت على علاقتهم بأبنائهم. تلك اللحظات ساهمت في تصالح المخرج مع أبيه الذي ظهر من خلال تطور محاوراتهما، التي بدأت بما يشبه "محاكمة"، ثم تحولت تدريجيًا إلى "نقاش" يتم فيه تبادل وجهات النظر، إلى أن انتهت بـ"تفهم وتفاهم" مشترك جعل خاتمة الفيلم بمثابة صفحة جديدة بين الابن والأب أكثر ودًا وقربًا.

السمة الرئيسة لفيلم «النسور الصغيرة» هي الصدق، سواء صدق الفكرة أو صدق الحوار أو صدق الصورة. فالفيلم بدأ بغرض اسكتشافي، وانتهى بكونه وثيقة كاشفة، حملت كثير من الاعترافات جيلين كان صراعهما الظاهري يحمل في باطنه حبًا وتقديرا كبيرا.

البناء الذي نسجه محمد رشاد في «النسور الصغيرة» يجمع بين الإحكام والجمالية، فظهر كـ"سوناتا" تقدم عزفا ثنائيا يجمع في هارمونيته "إنسانية الصورة" بـ"صورة الإنسان". إنسانية صورة سعيد أبو طالب ومحمود مرتضى، الذين كان سردهم لتجربتهم عبارة عن خلفية صوتية لصورة مصر الرافضة على مدى زمني امتد من منتصف السبعينيات حتى يناير 2011. وصورة الإنسان رشاد أحمد الذي سرد تجربته واقفا خلف مكواته، التي ظل واقفا خلفها لنفس المدة من أجل توفير الاستقرار المادي والعائلي لأبنائه محمد واختيه.

لعب مونتاج سيمون الهبر دورا مهما في ضبط إيقاع الفيلم، بما يؤكد مدى وعيه بطبيعة الفيلم وتركيبة شخصياته، فالقطع الناعم والذكي بين مشاهد الحكائين والصورة في أوقات مثالية خفف كثيرًا على المشاهد من وطأة الاسترسالات الطويلة المعهودة عن جيل السبعينيات، وإمكانية تأثيرها سلبًا على إيقاع الفيلم، رغم ما تحمله تلك الروايات من أهمية، بل وتشويق أيضًا.

لم تأت جمالية شخصيات الفيلم من الطابع الإنساني الجميل والتجربة الحياتية الثرية لشخصياته فحسب، بل لعب فهم الشخصيات (الكبيرة) لعلة البحث، وإحساسهم بمسار الفيلم دورا أساسيًا أدى لمزيد من اختمار العمل، وذلك دون أي تكلف زائد. مثلا: قدم سعيد أبو طالب للمخرج العامل المكافح رفيق شعلان، الذي كان والده مناضلًا عماليًا بارزًا؛ وهو ما التقطه محمد رشاد بذكاء، واستثمر حكاية المناضل العمالي الراحل بغرض توجيه ذهن المشاهد إلى عقد سيناريو إحتمالي لمآل والده إن كان اختار طريق النضال، بما لذلك من جوانب سلبية على عائلته، وعلى الأب شخصيًا الذي سيعيش بعقدة ذنب تقصيره العائلي، بل ولوم الأبناء، وهو ما صرح به (رفيق) صراحة عندما أكد أنه ما زال يشعر بالتبعات السلبية لمسلك أبيه. تلك التبعات التي حملها (بسام) لكنه استطاع التخلص من آثارها بدرجة كبيرة.

ربما يجد أي مشاهد من جيل السبعينيات والثمانينيات موضعًا له داخل فيلم «النسور الصغيرة»، وربما لا؛ لكن من المؤكد أن الفيلم سيمس داخله نقطة وجودية عميقة في علاقته بنفسه وبأبيه وبالظرف العام الذي يمر بمصر منذ مطلع السبعينيات وحتى اليوم.

إن الإخلاص الذي صُنع فيلم «النسور الصغيرة» يجعل متعة مشاهدته متجاوزة كونه عملًا تسجيليًا بديعًا لمخرج واعد في تجربته الأولى، بل تمتد لإقحام المتلقي في معايشة لحظة تاريخية أعادت خلق الثقة والود بين جيلين مهزومين سياسيًا، لكنهم منتصرين إنسانيًا.