loading...

ثقافة و فن

مرسي جميل.. حكاية «فكهاني» غير مسار الأغنية المصرية بكلماته

مرسي جميل عزيز

مرسي جميل عزيز



ملخص

مرسي جميل هو الفكهاني الذي صنع تاريخ نجوم الزمن الجميل، وحين أراد العندليب وموسيقار الأجيال تغيير كلمات أغنيته، غضب منهما وسبهما.

مرسي جميل عزيز.. فارس الغناء ومُبدع كلماته، جواهرجي وفكهاني الكلمة ومالك زمامها الذي طوّعها لكل الألوان، فحفظ توازنها وهدوءها فجاءت كثيفة هادرة قافزة كل الحدود، عاطفية ووطنية وإنسانية ودينية، هو الظاهرة ذات الطابع الخاص الذي امتطى جواد الشعر وداعبه وعانقه فانطلقت الأغنيات لتروي قصصًا، فأصبحت القلوب تميل كل الميل إلى حكاياته، وهو شاعر الألف أغنية وعمالقة الطرب، الذي نهل من كل بستان زهرة، وكان لهم هو البستان، ليصنع رحيقًا لا يُمحى من ذاكرة الجمهور العربي رغم مرور السنوات.

ميلاد الفكهاني

مرسي جميل مرسي عزيز، المولود في 15 فبراير 1921، بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، نجل تاجر الفاكهة، الذي أشبع ميول نجله واهتماماته الأدبية والفنية منذ صغره، فحفظ الكثير من آيات القرآن الكريم، والمعلقات السبع كاملة، وقرأ لكثير من الشعراء يتقدمهم بيرم التونسي، وبدأ مرسي حياته المهنية كتاجر فاكهة مثل والده، حتى أنه تأثر بنداءات الباعة على الفاكهة وبالأغانى الشعبية واستوعبها.

نواة الفارس تتشكل

ظهرت ميول جميل الشعرية مبكرًا وتحديدًا في سن الثانية عشرة، حيث كان أول ما كتبه من شعر في حياته، في رثاء أستاذه، وحصل على البكالوريا من مدرسة الزقازيق الثانوية عام 1940، والتحق بكلية الحقوق، وهناك أصبح رئيسًا وعضوًا لعدة جماعات أهمها الشعر، والآداب، وفنون التصوير، والموسيقى، والتمثيل، كما انضم لفريق الرحلات، وفيما بعد لم يكتف بموهبته لكتابة الشعر فدرس اللغة العربية والشعر والأدب والتراثين العربي الحديث والقديم، وكذا الأدب العالمي وأصوله ونظرياته وقواعده النقدية، وحصل على دبلوم في فن كتابة السيناريو عام 1963. 

بداية الرحلة

كانت أول أغنية تُذاع لعزيز في الإذاعة المصرية عام 1939، واسمها «الفراشة»، ولم يتجاوز عمره وقتها 18 عامًا، ولحنها الموسيقار الكبير رياض السنباطي، وفي نفس العام ذاعت شهرته عندما كتب أغنية «يا مزوق يا ورد لي عود»، التي غناها المطرب عبد العزيز محمود، وبعدها بدأ رحلة شعرية طويلة لا تزال آثارها قائمة.

صانع الكبار

 

كتب مرسي كلمات لكبار الملحنين ليغنيها أيضا كبار المطربين والمطربات، حتى تحول إلى أهم شعراء الأغنية في تاريخ مصر بالقرن الماضي، إذ غنت له الست أم كلثوم الثلاثية الشهيرة التي لحنّها بليغ حمدي: «سيرة الحب، فات المعاد، ألف ليلة وليلة»، وغنى من كلماته عبد الحليم حافظ، وكان له النصيب الأكبر بـ35 أغنية، بدايةً بـ«مالك ومالي يا أبو قلب خالي»، مرورًا بـ«نعم يا حبيبي، بأمر الحب، يا خلي القلب، بتلوموني ليه، في يوم في شهر في سنة»، وغيرها.

مرسي هو الشاعر المعاصر المصري الوحيد الذي غنت له السيدة فيروز قصيدته «سوف أحيا» وصار اللقاء بينهما نقطة فارقة، ليس في مسيرته الإبداعية فحسب، بل فى الحياة الثقافية العربية بوجه عام، وأصبحت الأغنية بعدها واحدة من أهم الأغنيات في تراث الإذاعة المصرية، حيث سُجلت في استديوهاتها أثناء زيارة فيروز والرحبانية إلى القاهرة.

وساعد الشاعر في نجاح العديد من المطربين إذ أن أغنياته ساهمت في شهرة فايزة أحمد، إذ كان أول من آمن بموهبتها وقدّمها في الإذاعة المصرية بعد أن جاءت من سوريا، ومن أغانيه لها «تمر حنة، يامه القمر ع الباب، ليه يا قلبي ليه، حيران، بيت العز»، وكذلك محرم فؤاد، الذي ألّف له كلمات فيلمه الأول مع السندريلا سعاد حسني «حسن ونعيمة»، كما تعاون مع الراحلة شادية، في عدة أعمال منها أغاني فيلم  «الزوجة 13»، وقدّمت أجمل أغانيها «على عش الحب، وحياة عينيك»، وأيضًا صباح وفريد الأطرش ومحمد قنديل ووردة ونجاة، وغيرهم وصولًا إلى هاني شاكر ومحمد ثروت.

المتنوع الشامل

مرسي ألّف أغاني لـ25 فيلمًا بدأها بـ«مبروك عليكي» عام 1949، واختتمها بـ«مولد يا دنيا» عام 1976، وأشهرها أفلام: «حكاية حب، أنا وبناتي، المرأة المجهولة، أحبك يا حسن، أدهم الشرقاوي، الشموع السوداء، ويوم بلا غد»، وتنوعت حالات أغانيه بين طابع التفاؤل كـ«ليه تشغل بالك، ضحك ولعب»، والقصيدة الشعرية والأغنية الإنسانية التأملية مثل «غريبة منسية، وأعز الناس»، وكتب أيضا عدة أغانٍ وطنية منها «بلدي يا بلدي» لـ«حليم»، و«بلدي أحببتك يا بلدي» للراحل القدير محمد فوزي.

الزواج والتكريم

تزوج الشاعر الراحل في عام 1946 وأنجب ابنًا واحدًا هو اللواء «مجدي»، وثلاث بنات هن «وجدان» المحامية، الدكتورة «ماجدة» أستاذ الفلسفة، والدكتورة «نهاد» طبيبة الأطفال، وكرمته الدولة بوسام الجمهورية للآداب والفنون عام 1965، كما أطلقت محافظة الشرقية اسمه على الشارع الذي كان يسكن فيه بمدينة الزقازيق.

مرسي جميل

أغنية الوداع

«جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين ولا عايزين إيه، مشاوير مرسومة لخطاوينا، نمشيها في غربة ليالينا، يوم تفرحنا ويوم تجرحنا، وإحنا ولا إحنا عارفين ليـه، وزي ما جينا جينا، ومش بإدينا جينا»..في عام 1974 اتفق العندليب وموسيقار الأجيال مع مرسي، على كتابة أغنية «من غير ليه»، ليُغنيها حليم، وبالفعل انتهى الشاعر من كتابتها وأرسلها إلى عبد الوهاب في تعاونه الأول معه، ليبدأ تلحينها.

ومع بدء البروفات اعترض حليم وعبد الوهاب على جملة بالأغنية «بقت الدنيا غرام وأنا جنبك»، وطالبا مرسي تغييرها، وعلى غير العادة استجاب، واستبدلها بجملة: «ولقيت روحي في أحضان قلبك بحلم وأصحى وأعيش على حبك، حتى في عز عذابي بحبك»، وكان الشاعر وضع جملة «من غير ليه»، نهاية لكل كوبليه، لكن الثنائي اقترحا أن ينتهي كل كوبليه بجملة «من غير ليه يا حبيي بحبك»، وأخبرا مرسى برغبتهما، ثم أراد عبد الوهاب استبدال كلمة «مواني»، بـ«زماني»، فغضب الشاعر وانصرف من الاجتماع التحضيري للأغنية، وعندما نادى عليه العندليب، رد قائلًا: «يلعن أبوك وأبوه».

واستمر الخلاف بين الشاعر والعندليب وموسيقار الأجيال أيضا في عام 1975، إلى أن استقروا على الشكل النهائي للأغنية، واستغرق عبد الوهاب في تلحينها طوال عام 1976، ثم أجرى بروفات عليها مع حليم، وأثناء تلك الفترة اشتد مرض العندليب، وعزم الرحيل إلى لندن لتلقي العلاج، ورحل في 30 مارس 1977، فتعطل مشروع الأغنية الأخير للثلاثي، حتى رحل مرسي هو الآخر في 9 فبراير عام 1980، إثر إصابته بمرض خطير سافر بسببه إلى أمريكا لتلقي العلاج، وعاد ليموت فوق تراب الوطن، وبعدها تلقى عبد الوهاب عروضا من مطربين لغناء «من غير ليه»، إلا أنه رفض وقام هو بغنائها بعد انقطاع 25 عامًا، وكانت الأغنية الأخيرة له قبل وفاته.