loading...

أخبار مصر

جميلة بوحيرد.. 63 عاما من نضال «أم العرب» ضد الاستعمار الفرنسي

جميلة بوحيرد

جميلة بوحيرد



كرمها عبد الناصر.. وخلد يوسف شاهين بطولاتها.. وتوارت عن الأنظار بعد خلافها مع الرئيس «بن بلة»

لم تكن تتخيل جميلة بوحيرد، ابنة الـ83 عاما، أن اسمها سيسطر يومًا ما بحروف من نور فى تاريخ العمل النضالي فى الجزائر، وأن العالم سيقف ليصفق لها تمجيدا واحتراما لما قدمته من بطولات ستظل خالدة لأبناء وطنها حتى أصبحت أيقونة يتحاكى الجميع ببطولاتها التى ستظل محفورة فى الأذهان.


لا يوجد منزل فى الجزائر لا تدون على جدرانه اسم "ابنة الجزائر الحرة أو أم العرب"
-كما يلقبها البعض- كما أصبح اسمها يحفظه الجميع سواء كان طفلا أم شابا أم عجوزا، عن ظهر قلب بعد ما قدمته المناضلة لأبناء وطنها من بطولات وهى فى العشرين من عمرها، وما لاقته من عذاب فى سجون الاحتلال الفرنسي، والتي قضت فيها ما يقرب من الـ5 سنوات ذاقت خلالها عذابا لا يتحمله بشر، حتى صارت رمزا عالميا للكفاح من أجل الحرية.


أصداء ما قدمته "بوحيرد" لأبناء الجزائر، قطع الطريق إلى قلوب المصريين، الذين ارتبطوا ببطولاتها وأصبحت لها مكانة خاصة فى قلوبهم، فلم يكن من الغريب أن تلقى قديما تكريما من الرئيس عبد الناصر عندما زارت القاهرة سنة 1962 بعد نجاح الثورة الجزائرية وخروجها من السجن، كما كانت سببا رئيسيا فى تقديم السينما المصرية فيلما عنها عام 1958 وهى ما زالت تقبع فى سجون الاحتلال.

وكانت مقابلة الفنان محمد عبد الوهاب حلما تحقق لجميلة وهى فى سجن الاحتلال تنتظر تنفيذ حكم الإعدام: وهو ما قالته كما سردت فى حوار صحفي سابق لها: «كنت فى السجن، وفى الصباح كنا نجلس وكل واحدة منا تروى حلما حلمت به، وكنت شاردة، وسألتنى زميلاتى عن سبب شرودى، فقلت لهن إننى وصلت إلى صالون محمد عبد الوهاب وهو يعزف على العود، فردت زميلاتى: تحلمين! فقلت لهن، لكن حلمى سيتحقق»، وتقسم جميلة ثلاث مرات: «والله والله والله حلمت به قبل أن أقابله، وعندما أزور مصر فى فبراير المقبل سأذهب لزيارة قبره».

حفاوة المصريين بـ«أم العرب» لم تتوقف عند هذا الحد، بل لاقت استقبالا كبيرا أثناء وصولها مطار القاهرة الدولي لتكريمها من قبل المجلس القومي للمرأة برئاسة الدكتورة مايا مرسي، ومشاركتها فى مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة كضيفة شرف وتكريمها بالدورة الثانية للمهرجان.

نشأت جميلة فى حى القصبة العثماني بالجزائر العاصمة، لأب جزائري وأم تونسية بين 7 ذكور، ومع ذلك درست وواصلت تعليمها إلى أن التحقت بمعهد للخياطة والتفصيل حيث كانت تهوى تصميم الأزياء، ومارست الرقص الكلاسيكي وكانت بارعة في ركوب الخيل إلى أن اندلعت الثورة الجزائرية عام 1954 وانضمت إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية للنضال ضد الاحتلال الفرنسي وهي في العشرين من عمرها، ثم التحقت بصفوف الفدائيين وكانت أولى المتطوعات لزرع القنابل في طريق الاستعمار الفرنسي.

كان الطلاب الجزائريون يرددون في طابور الصباح فرنسا أمُّنا، لكنها كانت تصرخ وتقول: الجزائر أمُّنا، فأخرجها ناظر المدرسة الفرنسي من طابور الصباح وعاقبها عقابا شديدا لكنها لم تتراجع وفي هذه اللحظات ولدت لديها الميول النضالية، وكان دور جميلة النضالي يتمثل في كونها حلقة الوصل بين قائد الجبل في جبهة التحرير الجزائرية ومندوب القيادة في المدينة (ياسيف السعدي) الذي كانت المنشورات الفرنسية في المدينة تعلن عن دفع مبلغ مئة ألف فرنك فرنسي ثمنا لرأسه.


ونظرا لبطولاتها وشعبيتها وسط المقاومة الجزائرية، أصبحت جميلة بوحيرد المطلوبة رقم 1 للجيش الفرنسي إلى أن تم فعلا القبض عليها عام 1957 عندما سقطت على الأرض تنزف دما بعد إصابتها برصاصة في الكتف.


وبدأت رحلتها القاسية مع التعذيب بالصعق الكهربائي لمدة ثلاثة أيام وكانت تغيب عن الوعي وحين تفيق تقول الجزائر أمُّنا، ومع ذلك تحملت آلام التعذيب ولم تعترف بأسماء أو أماكن وجود رفاقها المجاهدين، قبل أن تقدم إلى محاكمة صورية وصدر ضدها حكم بالإعدام.


أثناء المحاكمة وفور النطق بالحكم رددت جملتها الشهيرة: «أعرف أنكم ستحكمون علي بالإعدام لكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة»، وتأجل تنفيذ الحكم، ثم عُدّل إلى السجن مدى الحياة، وبعد تحرير الجزائر، خرجت جميلة بوحيرد من السجن مع بقية الأسرى المقاومين عام 1962، وتزوجت محاميها الفرنسي الشهير جاك فيرجيس.

بوحيرد أشهر رمز للمقاومة في الجزائر، بل هي الأشهر على الإطلاق عندما يذكر العرب اسما لمناضلة، وقالت إنها ألهمت الشعراء، "حتى إن بعض النقاد أحصى ما يقرب من سبعين قصيدة كتبها عنها أشهر الشعراء في الوطن العربي: نزار قباني، وصلاح عبد الصبور، بدر شاكر السياب، الجواهري… وعشرات آخرين".

تولت جميلة رئاسة اتحاد المرأة الجزائري، لكنها اضطرت إلى النضال في سبيل كل قرار وإجراء تتخذه بسبب خلافها مع الرئيس آنذاك، أحمد بن بلة، وقبل مرور عامين، قررت أنها لم تعد قادرة على احتمال المزيد، فاستقالت وأخلت الساحة السياسية، وهي لا تزال تعيش متوارية عن الأنظار، لكن المرات القليلة التي ظهرت فيها أمام الناس أثبتت أن العالم ما زال يعتبرها رمزا للتحرر الوطني.