loading...

ثقافة و فن

جمال عبد الناصر «في سبيل الحرية».. الزعيم يفوز دائما!

جمال عبد الناصر

جمال عبد الناصر



ملخص

حين وصلت "فى سبيل الحرية" إلى المذياع لم يكن أي من الفائزين الثلاثة هو صاحب الكلمات، فقد قام الشاعر طاهر أبو فاشا بإعداد المسلسل الإذاعى، دون أية إشارة إلى أي من الفائزين المتصارعين.

يلملم قارئ العدد (653) -يناير 2018- من السلسلة الشهرية "كتاب اليوم"، الصادرة عن "دار أخبار اليوم" الذى يحمل عنوان: "فى سبيل الحرية.. رواية بقلم جمال عبد الناصر"، أوراقه، ويلقي نظرة أخيرة على "اتهام" عبد الرحمن فهمى، للطالب جمال عبد الناصر حسين بأنه "نقل الصفحات العشر من رواية للبارونة أوركيزى"، الاتهام جاء فى سياق حوار مع فهمى أجراه الشاعـر، حزين عمر، وهو يستشهد بالراحلين الكبيرين: يوسف إدريس، وعبد القادر القط الذى جاء "بخبر يستنكره وفحواه أن المنافقـين أعلنوا عن مسابقة لاستكمال عدة صفحات كتبها تلميذ في المدرسة، ويريدون من الكتَّاب أن يحولوها لرواية، وأخذت الأمر بجدية وتحد ليوسف إدريس الذي قال من المستحيل إكمالها كرواية، أمَّا أنا فرأيت فيها بذرة رواية يمكن أن تكون ناضجة فعـلا".

يفهم من سياق الكلام أن "إدريس والقط وفهمى كانوا يعرفون ما جاء فى ورقات الطالب "جمال"، فهل نشرت فى مطبوعة ما فى ذلك الوقت، لام القارئ نفسه، كيف لم يفكر فى هذه التفصيلة من قبل؟، ويواصل فهمى حكايته: أكملتها في شهر، واختارت اللجنة عشرة للفوز، كنت أولهم، ونفاقا للضباط اقتسمت الجائزة مع واحد منهم -المقدم أركان حرب عبد الرحيم عجاج- واستمر النفاق في التفاوض معى على النشر، حتى حسم عبد الناصر الأمر عندما قرأ العمل -تكملة رفيق السلاح؛ المقدم عجاج- وقال عنها "كلام فاضي"، وطلب تقديم روايتى فتحولت إليها وسائل الإعلام، وشركات السينما تفاوضنى على تحويلها لفيلم، وقدمت بالفعل كمسلسل -إذاعى- لكنها لم تنتج سينمائيا. 

ثم يسرد مسألة اكتشافه أن الصفحات العشر تقريبا، ليست له -جمال-، بل نقلها بخطّه وهو تلميذ بالثانوية من رواية (ذو القناع الجلدي) للبارونة أوركيزي، ولم يكن هذا أسلوبا معيبا أو غريبا فكلنا أيام الدراسة فعلنا مثلما فعل عبد الناصر، لكن المنافقين بعـد الثورة اكتشفوا هذه الصفحات في كراسة عبد الناصر وبخطه فأعلنـوا أنه كاتب روائي، وأنه بـدأ برواية ولم يكملها.

ويدلل فهمى على ذلك بنقله ما ذكره الدكتور مهدى علام، مقرر لجنة النثر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، فى الاحتفال بتوزيع جوائز المسابقة وبانتصار رشيد حين قال: إن عبد الناصر أراد أن يحرر الوطن بالقلم فبدأ بكتابة هذه الرواية، ثم رأى أن التحرير لا يكون إلا بالسيف فقـاد ثورة يوليو"، وينهى حكمه فى المسألة برمتها: "لم يعلن عبد الناصر أنه روائي ولا أديب لكن المنافقين هم الذين ورَّطـوه في هذه المسألة". ووعـد بأنه إذا طُبعت الرواية طبعة جديدة فسوف ينسب هذه الصفحات العشر لرواية أوكيزي "ذو القنـاع الجلـدي".

كان عبد الرحمن فهمى أشهر الفائزين الثلاثة وأكثرهم اتصالا بعالم الأدب، قبل المسابقة وبعدها، لذلك تبدو مرارته المتواصلة لأكثر من أربعة عقود مبررة نوعا ما، فهو إذ يصفى هذه القضية قبل نحو شهرين من وفاته -أكتوبر 2002- يحاول طبعا أن يبعد نفسه عن مسائل: التزلف، والنفاق، والطرق الأخرى، ويتمسك بأن دافعه كان أدبيا أولا وأخيرا، وأنه اقتنع بمسألة أهمية التكملة، ولأكثر من عقد كامل كان هناك نزاع فعلى حاد بين المقدم عجاج وعبد الرحمن فهمى، ويبدو أنه تكتل خلف كل واحد منهم "مراكز قوى"، القارئ بإمكانه أن يستشف ذلك من كون وزارة التربية والتعليم فى الجمهورية العربية المتحدة- على القارئ التذكير دائما أنها كانت تضم مصر وسوريا فى الفترة من 22 فبراير 1958 حتى 28 سبتمبر 1961، وظلت تطلق على مصر فقط حتى إقرار دستور جمهورية مصر العربية فى 11 سبتمبر 1971- قد قررت تدرس تكملة عبد الرحمن فهمى لقصة السيد الرئيس جمال عبد الناصر على طلاب الصف الأول الثانوى، ثم قررت تدريس تكملة المقدم عجاج، صورة غلاف الكتاب المدرسى وعليه اسم فهمى تحمل تاريخ 1961، إلى العام الدراسى الثانى بعد المسابقة، غلاف تكملة المقدم عجاج لا يحمل تاريخا لكن يمكن تصور أنه جاء بعد ذلك.

التنازع أسبابه مفهومه، وإن كان يصعب تقبلها الآن كثيرا، فأى مكانة و"مجد" يناله كاتب أعظم من أن يقرن اسمه باسم "الزعيم" على غلاف كتاب يدرسه، لا يقرؤه فقط، بضعة ملايين من الطلاب!

عبد الرحمن فهمي كان معروفا كقاص حين اشترك فى المسابقة؛ فمجموعته القصصية "تاريخ حياة صنم"، التي تضم ثماني قصص، تخبرنا بعض أحداث ثلاث من قصصها أنها كتبت بين عامى 1949 و1951، وله عدة مجموعات قصصية وروايات، منها: رحيل شيخ طريقة، دموع رجل تافه، وقد التبس هذا العنوان على القارئ، وبحث عنه، لكنه أخطأ فى بحثه فوقع على قصيدة عنوانها: "مرثية رجل تافه"، وأخطأ مرة ثانية ولم ينتبه إلى اسم الشاعر، وظن القصيدة لفهمى، وراح يقرؤها مرات دون أن يتدارك خطأه، وعجب كيف يكتب فهمى مثل هذه القصيدة، وحتى بعد أن صحح الخطأ وسجلها على أنها للشاعر صلاح عبد الصبور رأى أنها قد تكون لها دلالة فى هذا السياق.

ولعبد الرحمن فهمى عدد كبير من الأعمال الإذاعية: تمثيليات ومسلسلات، بالإضافة إلى أعمال تليفزيونية، لكن القارئ وجد صعوبة كبيرة فى توثيقها، أو حتى بعضها، لأنه كثيرا ما يقع الالتباس لمن يوثقون هذه الأعمال الفنية فى الصحف والمجلات والمواقع المتخصصة، فينسب لفهمى عدد من الأعمال فى حين أن مؤلفها هو عبد الرحمن شوقى، كما يقع الالتباس بينه وبين سميِّه، الصحفى عبد الرحمن فهمى الذى كتب فى عدد كبير من الصحف، وما زال يكتب مقالا فى المصرى اليوم.

ومن العجائب أن التنازع على من سيوضع اسمه بجوار اسم الزعيم تواصل خارج أروقة السلطة، وقاعات الدرس، ودور النشر، وحين وصلت "فى سبيل الحرية" إلى المذياع لم يكن أي من الفائزين الثلاثة هو صاحب الكلمات، فقد قام الشاعر طاهر أبو فاشا بإعداد المسلسل الإذاعى، دون أية إشارة إلى أي من الفائزين المتصارعين، لكن اسم الزعيم كان فى المقدمة: "كتبها الرئيس جمال عبد الناصر"، وكأنه لا بد للزعيم أن يفوز دائما؛ وبمفرده، بينما المتصارعون على مساحة صغيرة فى ظله يتساقطون واحدا تلو الآخر.