loading...

مقالات

«زهرة الصبار» جمال الشكل ومرارة المحتوى

«زهرة الصبار» جمال الشكل ومرارة المحتوى


أثار فيلم «زهرة الصبار» جدلا واسعًا صاحب عرضه العربي الأول ضمن أفلام مسابقة المهر الطويل بـ «مهرجان دبي السينمائي الدولي» في دورته الرابعة عشرة، حيث حصلت بطلته منحة البطراوي على جائزة أحسن ممثلة. كما ينطلق الفيلم في مطلع مارس القادم إلى مدينتي مالمو وهلسينبورج في السويد ليشارك ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في «مهرجان سينما المرأة العربية».

يمثل «زهرة الصبار» الأنثى المصرية بكل أزماتها الوجودية والاجتماعية اليوم، فنجد عايدة (سلمى سامي) وأزمة جيل الشباب التراجيدية بين محبة الحياة وضغوط المجتمع؛ وهناك أيضًا أزمة جيل الأمهات تتجلى في نماذج مثل سميحة (منحة البطراوي) والأم (عارفة عبد الرسول) اللتين كانتا زهرتي صبار، تشعان جمالا وطاقة، لكن تحملان مرارة وألما نتيجة هزائم حياتية عصفت بكثير من شغفهما نحو المتعة.

ارتكازا إلى تلك الفكرة، تتجلى إبداعية عدد من مشاهد الفيلم، منها: قوة الحوار في مشهد محاولة الأم وسميحة إقناع عايدة بالذهاب إلى حبيبها من أجل إعادة الحياة إلى فكرة ارتباطهما. وأيضًا، جمالية رسم لقطة حديث ثلاثتهن (عايدة والأم وسميحة) وهن مستلقيات على النجيل الأخضر يشكلن بأجسادهن زهرة كبيرة يمثل جسد كل واحدة منهن ورقة فيها. تلك اللقطة التي يمكن اعتبارها بمثابة تحية لفن السينما، وللأعمال التي ظهر فيها ذلك التكوين، بدرجة تدفع نحو إعادة مشاهدتها والمقارنة بين رمزية ذلك التكوين في كل عمل على حدة.

تلعب الخلفية التشكيلية للمخرجة هالة القوصي دورًا أساسيًا في الفيلم، وذلك الدور مثل سلاحًا ذا حدين؛ حيث خرج الفيلم بديعا على المستوى البصري من خلال اعتماده على شكلانية محببة، ملأت مشاهده بلوحات بديعة، أكدت روعتها إضاءة مدير التصوير عبد السلام موسى، الذي يمثل بحق امتدادًا رائعًا لأعلام الرسم بالنور من مديري التصوير المصريين الكبار الأساتذة عبد العزيز فهمي ورمسيس مرزوق. لكن، تلك الشكلانية ذهبت بعيدًا لتقدم كثيرا من المشاهد دسمة الرمزية ومعقدة التكوين، بدرجة تجعل من «زهرة الصبار» فيلمًا ذاتيًا بامتياز، يرتفع على مستوى المشاهد العادي. مما يؤكد أن صناع الفيلم يخوضون رهانًا خطيرًا على المستوى التجاري بالاعتماد على مُشاهد لا يمثل الشريحة العريضة من جمهور السينما المصري. يتضح ذلك في عدد من المشاهد، منها: مشهد النائحات الذي يفترض في المتلقي وجود خلفية معرفية بالأصل القديم للنوح في الفلكلور المصري القديم، ومشهد التطهر في نهاية الفيلم بما يفترض معرفة المتلقي بطقوس العبادة الصابئية المندائية!

تفرض المخرجة هالة القوصي في عملها الأول حقيقة كونها صانعة أفلام صاحبة رؤية فكرية وسينمائية متبلورة، تعي جيدًا ما الذي تريده ومن يستطيع تحقيق ما تريده. فلم يقتصر ذكاء اختيار فريق العمل على مدير التصوير فحسب، لكنه امتد إلى عناصر هندسة الصوت وتصميم الملابس، وبالطبع اختيار الممثلين وتوجيههم، خاصة أن شخصيتين رئيستين في الفيلم من الوجوه الجديدة. بيد أن عنصر المونتاج كان من أبرز العناصر الجمالية في الفيلم التي ساعدت هالة القوصي في تأكيد شهادتها على ثنائيات المدينة المتناقضة، فنشاهد رشاقة انتقال المشاهد بين شوارع القاهرة الكبرى بما تقدمه من بانورامية يمتزج فيها الجمال بالقبح، ثم القطعات القوية على الأزقة الضيقة بما فيها من محدودية الحيز الذي يمتزج فيه الصراع بالحميمية، وهنا تجدر الإشارة إلى ذكاء اختيار هالة القوصي للمونتير المتميز ميشيل يوسف القادم من خلفية السينما التسجيلية ليكون «زهرة الصبار» تجربته الروائية الطويلة الأولى.

يعزز «زهرة الصبار» السينما المصرية من جديد بعمل ينتمي لنوعية سينما المؤلف الذي ندر وجودها لسنوات، فبرغم كثرة الأعمال التي من تأليف وإخراج نفس الشخص، فلا يمكن تصنيفها ضمن سينما المؤلف، سواء بسبب فرط تهافت تلك الأعمال أو سطحيتها. حيث يحمل فيلم «زهرة الصبار» غاضبًا ضد ما آلت إليه كثير من أوضاع الشارع المصري على نحو كبير، سواء من حيث الأزمات المجتمعية وعلى رأسها التحرش، أو الأزمات الاقتصادية والسياسية، لكنه يتماس مع تلك المشكلات دون إقحامها على دراما العمل بصورة فجة شاهدناها مسبقا في أعمال أصبحت علامة للثرثرة السينمائية، حاولت الالتحاف بمصطلحات مثل السينما الجديدة أو البديلة أو الجدية، لكنها فشلت في ذلك وذهبت طي النسيان.

تعبر سيرة «زهرة الصبار» عن القهر بتنويعاته، سواء قهر علاقات العمل، أو قهر المجتمع لأفراده المختلفين، أو قهر بعض أفراد السلطة الذي يصل أحيانا لدرجة عبثية الفعل من أجل تكريس عاديته. ومع ذلك، يحاول فيلم «زهرة الصبار» التأكيد على ديمومة الحرية، التي يحميها التحاف الأخيار بمن يشبهونهم، وبلا شك فإن تجربة البحث عمن يشبهوننا تصيب أحيانا وتخطئ أحيانًا أخرى، لكنها في كل الأحوال تجربة مفيدة إنسانيًا، سواء بدروسها أو بكنوزها.