loading...

ثقافة و فن

زينات صدقي.. عانس السينما التي باعت أثاث منزلها ودُفنت في مقابر الصدقة

زينات صدقي

زينات صدقي



ملخص

زينات صدقي إسكندرانية هربت من عائلتها إلى لبنان حبا في الفن، واكتشفها الريحاني، تزوجت سرًا من أحد الضباط الأحرار، وباعت كل ما تملك بنهاية حياتها، وسكنت منزلا متهالكا، إلى أن أنقذها السادات.

زينات صدقي.. حولها نجيب الريحاني إلى «عانس» السينما المصرية رغم أن جمالها كان مُفرطا في شبابها، فهي الفتاة ذات العيون الخضراء ووقف أمام أبوابها «العرسان طوابير»، مما تسبب في أزمة كبيرة لها انتهت بعدم إكمالها التعليم، وهي واحدة من أفضل فنانات السينما اللاتي قدّمن الكوميديا في القرن الماضي، وتميزت بأدوار بنت البلد، وخفيفة الظل، وكانت رقة كوميديا رابحة، إلى أن تعرضت في أواخر أيامها إلى معاناة شديدة، جعلت تقول عن نفسها: «أنا الطبيب الذي يداوي الناس وهو عليل، أمنح الجميع الضحك ولكنني أفتقد من يضحكني».

هي زينب محمد سعد، المولودة في حي الجمرك بالإسكندرية في 4 مايو عام 1913، تنتمي إلى أسرة متواضعة، حصلت على الشهادة الابتدائية، ولاحظ والدها ووالدتها أن جسد ابنتهما أصبح أكبر من سنها، فخافا عليها ومنعاها من أن تُكمل تعليمها، وجلست في منزلها في انتظار الزوج الذي جاء سريعا، إذ تزوجت طبيبًا لأول مرة عندما كانت في الـ15 من عمرها من أقاربها، ولكن لم تتم الزيجة وانفصلت عنه بعد 11 شهرًا من الزواج. 

بدأت زينب تشارك صديقتها خيرية صدقي الغناء في الأفراح الشعبية بالإسكندرية، ولكن عائلتها عارضت عملها بالفن، وأمام هذا الحصار قررت الهروب إلى لبنان برفقة والدتها وصديقتها، وهناك ذاقت طعم الغناء لأول مرة حتى أصبح لها أغانيها الخاصة، واشتهرت بأداء «المونولوج»، ووضعت لنفسها مونولوجا تتغنى فيه باسمها وبمصريتها كان مطلعه: «أنا زينات المصرية.. أرتيست ولكن فنية.. أغنى واتسلطن يا عينية.. تعالى شوف المصرية»، وشاركت مع صديقتها في فرقة أمين عطا الله، وقدّمت مسرحيات له، وذات ليلة ارتجلت حوارًا كوميديًا فوق المسرح خلال مشهد مأساوي، ففصلها أمين من فرقته.

استمرت زينب في الغناء بلبنان، حتى حدثت واقعة أجبرتها على اعتزال الغناء للأبد، فذات ليلة دُعيت المطربة فتحية أحمد، إلى الغناء فى نفس المحل الذي تغنى فيه «زينات»، ولحظها السيئ أنها قدّمت أغاني لم تكن تدري أن صاحبتها تجلس في الكواليس انتظارًا لتقديم فقرتها التي تضم نفس الأغنيات، فشدت الأولى شعر الثانية ولم يوقف «فتحية» إلا دورية الشرطة، وبعد هذه الواقعة قررت «زينات» أن تغادر لبنان.

تعرفت زينب على الراقصة الشهيرة بديعة مصابني، في لبنان، وطلبت منها العودة إلى مصر للعمل في الكازينو الذي تملكه وتديره، وعندما عادت إلى القاهرة عملت مضيفة في الكازينو، وكانت تريد مواصلة مشوارها الفني إلا أن بديعة اختارت لها الرقص إلى جانب تحية كاريوكا وسامية جمال، فلم تجد أمامها سوى الموافقة.

والتقت زينب بالفنان نجيب الريحاني، وأخبرته بحبها للتمثيل، وبالفعل اكتشفها من خلال شخصية الخادمة أو بنت البلد الشعبية التي فاتها قطار الزواج، وذلك بعدما اعتذرت ماري منيب عن أداء دورها في فرقة الريحاني لمرضها، فلم يجد أمامه سوى الاستعانة بالوجه الجديد زينات صدقي، لكنها فاجأت الجميع بأداء كوميدى مبهر دفعه لأن يطلب من بديع خيري كتابة دور خاص لزينات في المسرحية، ثم فتح أمامها أبواب السينما بعد أن قدّمها في فيلم «بسلامته عايز يتجوز»، عام 1963، وأطلق عليها اسمها الفني.

زينات وقعت في غرام الفن، والتحقت بمعهد أنصار التمثيل والسينما في الإسكندرية والذي كان يُشرف عليه زكي طليمات، وقدّمت طوال حياتها الفنية ما يقرب من 170 فيلمًا سينمائيًا أبرزها «ابن حميدو، حلاق السيدات، شارع الحب، عريس مراتي، السيرك، أشجع رجل في العالم، رجل وامرأتان»، وآخرها فيلم «بنت اسمها محمود»، عام 1975.

زينات كانت قد أخذت قرارًا بألا تكرر تجربة الزواج، ولكنها تراجعت عنه وتزوجت مرة أخرى سرًا من أحد الضباط الأحرار، ولم يُكتب لهذه التجربة أيضًا النجاح بسبب طلبه أن تترك الفن، ولم تُرزق بأولاد من زوجيها، ولكنها أعطت حنان الأم لأبناء وأحفاد شقيقتها.

كانت زينب ثريّة بأخلاقها، فعندما توفى كومبارس بفرقة الريحاني، ولم يجدوا لهُ مدفنا، تكفلت بمصاريف دفنه في مدفنها الخاص، وبعد ذلك بأيام، طلب منها أحد عمال المسرح المدفن لكي يدفن فيه والدته التي لم يجد لها مدفنًا، فوافقت وأعطت تعليمات للتُربي بفتح باب المدفن للصدقة، وكتبت عليه «مدفن عابري السبيل»، وعبارة: «لا تنسوا قراءة الفاتحة على روح زينب محمد سعد».

وفي الستينيات تعرضت زينات صدقي إلى أزمة ماليه اضطرت خلالها إلى بيع أثاث بيتها بالكامل، من أجل تسديد الضرائب وإيجاد ما يكفيها لتعيش وتأكل، وسكنت في شقة بوسط البلد بإيجار بلغ 275 قرشًا، رغم أن الفنان الراحل عبد السلام النابلسي عرض عليها أن تسكن في الزمالك بإيجار عشرين جنيهًا، لكنها رفضت لأن الإيجار غالٍ عليها، وجلست في بيتها سنوات دون عمل، وعندما قرر الرئيس جمال عبد الناصر تكريمها، لم يستطع المعنيون العثور عليها، فطلب من جهة أمنية إيجادها، وعثروا عليها في أطلال منزل متهالك في إحدى القرى، فكرمها ناصر وأمر لها بمسكن ومعاش.

تم تكريم زينات للمرة الثانية بدرع «عيد الفن» من قِبل الرئيس أنور السادات في 1976، ودعاها لحضور حفل تكريمها وسلمها شيك بألف جنيه، ومنحها معاشًا استثنائيا قيمته 100 جنيه إعانة على تحمل أعباء الحياة، كما دعاها السادات إلى زفاف ابنته وأعطاها رقم هاتفه الخاص.

في أواخر حياتها أصيبت زينات بـ«ماء على الرئة»، ورفضت الذهاب إلى المستشفى للعلاج، فتدهورت حالتها وأصيبت بهبوط في القلب، وبعد أسبوع من المرض تُوفيت في 2 مارس 1978، ودُفنت في مدفن الصدقة «عابري السبيل» الذي أقامته.