loading...

مقالات

لماذا تهدد روسيا بالنووي؟ وماذا يجري بالضبط؟!

لماذا تهدد روسيا بالنووي؟ وماذا يجري بالضبط؟!


جاءت رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السنوية إلى الجمعية الفيدرالية قوية ومليئة بالتحذيرات والإنذارات والتهديدات بقبضة نووية وصاروخية غير مسبوقة.

الرئيس الروسي حَمَّل الولايات المتحدة وحلفاءها المسؤولية عن أي خطوات نووية تتخذها روسيا للدفاع عن نفسها وعن حلفائها، الذين هم طهران ونظام بشار الأسد وبعض المنظمات الدينية والتنظيمات السياسية المتفرقة هنا أو هناك. وقد استعرض بوتين قدرات بلاده النووية والصاروخية بشكل غير مسبوق، بل لم يحدث عندما كان الاتحاد السوفيتي متورطا تماما في أفغانستان.

لقد كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن بعض ما تملكه روسيا من الأسلحة الاستراتيجية الحديثة للرد على التهديدات الخارجية. وأعلن أن روسيا تقوم بتطوير أنظمة أسلحة استراتيجية ردًا على انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من معاهدة الدفاع الصاروخي المضاد ونشرها عناصر منظومة الدرع الصاروخية على الأراضي الأمريكية وفي أوروبا وفي المياه بالقرب من السواحل الروسية، إضافة إلى خططها لنشر صواريخ في اليابان وكوريا الجنوبية. 

وذهب بوتين إلى أن بلاده بدأت باختبار جيل جديد من الصواريخ، خاصة صواريخ "سارمات" الثقيلة العابرة للقارات، التي تتمتع بمدى تحليق غير محدود. وقامت بتصميم كتلة طاقة نووية فائقة القوة لتزويد صواريخ مجنحة بها، ما سيجعل هذه الصواريخ قادرة على تجاوز كل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، سواء الموجودة أو الواعدة. كما بدأت روسيا بتصميم أسلحة استراتيجية لا تتبع مسارًا بالستيًا، ما يجعلها قادرة على اختراق جميع أنظمة الدفاع الصاروخي. وأوضح بشكل مستفيض أنه عند تنفيذ خطط إنشاء منظومة درع صاروخي عالمية، فإن جميع الاتفاقات في إطار معاهدة (ستارت) تصبح لاغية، لأن خفض عدد الوسائل الحاملة والشاحنة في وقت واحد وبصورة لا يمكن السيطرة عليها من قبل أحد الأطراف يزيد من عدد المنظومات المضادة للصواريخ، ويحسن من جودتها وخصائصها. وعاد مرة أخرى لاتهام الولايات المتحدة و"أعدائه" الغربيين بخلق مناطق تموضع جديدة لنظامها الصاروخي، وإذا لم تفعل روسيا شيئا، سيؤدي ذلك إلى خفض في الإمكانيات النووية الروسية التي سيسهل اعتراضها.

بوتين شدد أيضا على أن روسيا تمتلك سلاحا فرط صوتي، مشيرا إلى أن مثل هذه السلاح يعطي صاحبه ميزات كثيرة، لأنه يمثل قوة ضاربة شديدة التدمير، بسرعته التي تجعله في مأمن من الدفاعات الصاروخية والجوية المعاصرة. ولدى روسيا أيضا جيش حديث يعتمد على التكنولوجيات العالية، والعملية في سوريا أظهرت المستوى العالي المتطور للقوات الروسية. وذلك في إشارة إلى أن روسيا جرَّبت حوالي مئتي نوع من الأسلحة في حملتها العسكرية في سوريا. 

كما تطرق الرئيس الروسي إلى أن كل المحاولات لردع روسيا، بما في ذلك في المجال العسكري، وفرض عقوبات وقيود عليها فشلت، ملوِّحا بأن روسيا تطور ترسانتها النووية لحث الشركاء الغربيين على التفاوض والإصغاء إلى التحذيرات الروسية بشأن عدم جواز الإخلال بميزان القوى الاستراتيجي في العالم، ومحذرا في الوقت نفسه بأن روسيا سترد فورا على استخدام السلاح النووي ضدها أو ضد حلفائها. وقال "أعتقد بأنه من واجبي أن أؤكد أن أي استخدام للسلاح النووي ضد روسيا أو حلفائها، سواء كان بقوة صغيرة أو متوسطة أو أخرى، سنعتبره هجوما نوويا على بلادنا. والرد سيكون فوريا مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب".

رسالة الرئيس الروسي الساخنة والقوية والأكثر حدة وصرامة، هي الأولى من نوعها في تاريخ روسيا الحديثة، وربما تكون ضمن الرسائل الأكثر حدة في تاريخ العلاقات الأمريكية السوفيتية (سابقا). لكن المهم هنا أن هذه الرسالة جاءت على خلفية تناقضات مرعبة في موازين القوى الاستراتيجية في العالم، وفي ظل مخاوف من اندلاع حروب إقليمية تؤدي بشكل أو بآخر إلى مواجهات مباشرة بين القوى الكبرى. ومن الواضح أن روسيا، كدولة رأسمالية تنافس على مواقع النفوذ والتأثير، تسعى هي الأخرى إلى تصريف تراكماتها المالية عبر فرض نفوذها في مناطق مختلفة. 
ومن الواضح أن الأزمة السورية تمثل "الورقة" التي يتاجر بها البعض، ويقامر بها البعض الآخر. وبطبيعة الحال، إن لم تكن هناك سوريا، فأوكرانيا موجودة، وهناك أيضا الأزمات والصراعات الكثيرة في البلقان والبلطيق. وبالتالي، نحن أمام حملة قد تكون إعلامية في ظاهرها، ولكنها في حقيقة الأمر حملة تضليل سياسي ودبلوماسي تقودها تلك الدول المتناحرة لفرض نفوذها على العالم لتحقيق أهداف اقتصادية بحتة، ولتصريف منتجاتها العسكرية، والتحكم في منابع وطرق نقل الطاقة. 

المثير أنه تزامنا مع رسالة بوتين، قامت وسائل الإعلام الروسية بنشر تقرير مهم حول تصريحات السفير التركي السابق في فرنسا وليبيا أولوتش أوزولكير. وحكى السفير تفاصيل اجتماع "سري" عقد في 11 يناير 2018 في واشنطن، شاركت فيه 5 دول. ووفقًا لأقوال السفير التركي، فإن ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمملكة العربية السعودية والأردن ناقشوا خلال الاجتماع تفاصيل إعادة رسم حدود الشرق الأوسط وتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ ضمن إطار الاستراتيجية الشرق أوسطية الجديدة.

وأكد أوزولكير لـ"وسائل الإعلام الروسية" بأن تفاصيل الاجتماع "السري" كشفت للصحفيين بفضل سجلات السفير البريطاني، وتم الاتفاق حينها على عقد اجتماع جديد يوم 23 يناير، ما يشير إلى الرغبة في جعل هذه الاجتماعات السرية لقاءات دورية.

ويتبين من السجلات (لا نعرف هل هذا كلام السجلات البريطانية "السرية" أم كلام السفير التركي، أم كلام وسائل الإعلام الروسية، أم كلام من قرروا نشر هذا الكلام!!) مناقشة فكرة جذب ممثلين عن مصر وألمانيا وتركيا للمشاركة في الاجتماع. ولكن اتضح أن ألمانيا لم ترسل ممثلا عنه، بينما لم يتم إرسال دعوة لمصر. أما ما يتعلق بتركيا، فإن الدول المشاركة في الاجتماع كانت تشك حول الحاجة إلى دعوتها. وترى تلك الدول، حسبما نقل وسائل الإعلام الروسية عن السفير التركي، قال السفير التركي إن الصراع بين الأتراك والأكراد قد ينعكس سلبا على قرارات هذه المجموعة. ووفقا لأقوال السفير التركي السابق فإن المشاركين في الاجتماع اعترفوا بأن الولايات المتحدة تبحث باستمرار عن ذريعة للبقاء في سوريا والشرق الأوسط. 

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة موجودة تاريخيا في الشرق الأوسط، وموجودة عسكريا وأمنيا واستخباراتيا في سوريا منذ اندلاع الأحداث فيها في 2011، إلا أن وسائل الإعلام الروسية تنقل عن السفير التركي كلمات، وكأن الولايات المتحدة لم تكن موجودة أبدا لا في الشرق الأوسط ولا في سوريا أو غيرها. 

وسائل الإعلام الروسية تنقل أيضا على لسان "السفير التركي!" بأن "ممثل الولايات المتحدة أكد ضرورة استمرار وجود القوات الأمريكية في سوريا، مشددا على أن أحد الأهداف الرئيسية لأمريكا هو منع التعزيز الجيوسياسي الإيراني في المنطقة". وقد اعترف المشاركون في الاجتماع بأن مشكلتهم الرئيسية هي الإجراءات الناجحة، التي تتخذها روسيا ضمن إطار محادثات أستانا وسوتشي. وأكدوا نية تخريبها. كما تعترف تلك الدول بأنها تبحث عن سبل لإدراج "قوات سوريا الديمقراطية" في عملية جنيف. وأشاروا إلى أنهم يتفهمون موقف أنقرة بشأن أكراد سوريا، إلا أن "قوات سوريا الديمقراطية" و"وحدات حماية الشعب" تشكل بالنسبة لهم أهمية أكبر.

وتصل وسائل الإعلام الروسية إلى ذروة "الرواية" لتؤكد على لسان "السفير التركي السابق!" بأن الدول الخمس التي شاركت في الاجتماع تطرقت للحديث عن 4 قضايا عالمية: 
أولا، أكد ممثل الولايات المتحدة أن إنتاج الأسلحة النووية الصغيرة قد يفتح الطريق أمام استخدامها في الصراعات الإقليمية. 
ثانيا، تمت مناقشة "خارطة الطريق"، التي تنص على اتخاذ إجراءات ضد روسيا والدول الأخرى، التي تشكل خطرا على الناتو. 
ثالثا، احتمال زيادة عدد الهجمات الإسرائيلية على إيران مستقبلا. 
رابعا، تمت مناقشة المسألة الكردية ودورها في تفاقم التوتر في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، وأن هذه العمليات تؤثر بشكل مباشر على الوضع في منطقة الشرق الأوسط.
خامسا، الهدف الرئيس للدول التي شاركت في الاجتماع هو إفشال محادثات أستانا وسوتشي حول التسوية السورية.
سادسا، احتمال بدء حروب إيرانية إسرائيلية وتركية كردية ووضعوا خططا لتقسيم سوريا.

وانتقل السفير التركي السابق ليخبر وسائل الإعلام الروسية بأن مغزى كل النقاط السابقة يكمن في تجهيز بنية لصراعات جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا. وستضطر حينها تركيا للاختيار، ويرجع ذلك إلى علاقاتها الوثيقة مع روسيا ودورها في محادثات أستانا! ووفقا لما نقلته عنه وسائل الإعلام تلك، فإن تصريحات الذين شاركوا في الاجتماع "السري!" تشير إلى إمكانية توسيع جغرافية الاشتباكات في الشرق الأوسط، لتطال تركيا، من خلال إشعال الاشتباكات بين تركيا والأكراد. وهذا يشير إلى أن الحالة في المنطقة ستصبح أكثر تعقيدا مستقبلا، وأن الأحداث الجارية، أي المواجهة بين روسيا والولايات المتحدة، لا تقتصر على سوريا، بل ستنتشر في الشرق الأوسط.

بصرف النظر عن عدم صحة أو دقة ما نقلته وسائل الإعلام الروسية، أو حتى صحته، على الرغم من أنه كان اجتماعا "سريا" ثم أدلى المشاركون فيه بتصريحات لم نرها ولم نسمع عنها ولم تنشرها أي وسائل إعلام، ثم تسربت معلومات لصحفيين فلم ينشروها، إنما أبلغوها للسفير التركي "السابق!".. بصرف النظر عن كل ذلك، فإن كل ما جاء على لسان السفير التركي "السابق" هو نفس التقارير "الصحفية" التي يتم تداولها في وسائل الإعلام الروسية، وأيضا وسائل الإعلام التركية بعد أن تقاربت موسكو وأنقرة. أي أن كل النقاط الست السابقة والتفاصيل المحيطة بها لا علاقة لها بسيناريوهات أو خطط استراتيجية جبارة. 

لكن الخطير هنا أن القيادة الروسية، وعلى أساس مثل هذه "التقارير" تبدأ بالإعلان عن تهديدات نووية من جانب الولايات المتحدة وأوروبا، وتشرع في استعراض عضلاها النووية والصاروخية لنجد أنفسنا أمام محنة "إعلامية" جديدة تتسم بالتدجيل والتضليل وقلب الحقائق والمراهقات السياسية والعسكرية والإعلامية. 

فهل روسيا فعلا قادرة على استخدام أسلحة في سوريا لم يستخدمها الاتحاد السوفيتي في أفغانستان؟ هل موسكو مقتنعة أصلا بالتصريحات وحملات استعراض العضلات التي تطلقها؟ يبدو أننا أمام "عركة" لا على مصالح المنطقة أو دولها أو شعوبها، بل أمام "مزاحمة نووية صاروخية" لقوى رأسمالية تريد تصريف الفوائض المالية، وتجارة السلاح، والتحكم في منابع وطرق نقل الطاقة. وكل ذلك بطبيعة الحال من أجل "رفاهية شعوب المنطقة وأمنها" و"أمن تلك الدول الكبرى التي جاءت لتحافظ عليه من الشرق الأوسط" و"من أجل حماية أمن إسرائيل الذي لا تختلف عليه لا روسيا ولا الولايات المتحدة".