loading...

ثقافة و فن

المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف 3.. ما الثقافة؟

المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف

المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف



حدد فالح عبد الجبار فى كتابه: "فى الأحوال والأهوال- المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف أحوال العنف"، الإطار الزمنى لبحثه: "نحو قرن من الزمان.. القرن العشرين"، وموضوعه هو العنف وتجلياته المتعددة: "الثورات، والحروب، التمردات، والحروب الأهلية، العنف الدينى، واحتراب الطوائف، الإرهاب السياسى، الاغتيال، القتل الإثنى والشنق الكيفى (للزنوج)، وعدا عن ذلك ما صار يعرف بـ"جرائم الكراهية"، وهي ذبح أبناء طائفة أو جالية غريبة، وهلم جرا.

ويعيد التذكير بما يبدو بديهيا: "نعرف أن العنف قديم قدم الخليقة، وأن اللا عنف، أو الأسلوب المدنى، أحدث عهدا، ونعرف أن كل الحضارات ابتكرت أقانيم تسوغ العنف وتسمو به إلى مرتبة الفضيلة، لكن الحضارات ابتدعت أيضًا أقانيم تحرم العنف وتقيده بشرائط ومدونات قانونية، بل بمؤسسات حامية أيضًا، ونعرف أن هذه التحريمات تنتهك باستمرار، حتى من جانب حماة الوضع المدنى".

ثم يحدد بصورة حصرية تموضوعات الأحوال والأهوال التى يبحثها: "لعل بالوسع الحديث هنا عن وضع ثلاثى: علاقة الفرد بالجماعة، علاقة الجماعة بالدولة، علاقة الدولة بالدولة.. ومنابع الاختلاف (وهى منابع عنف) تخترق كل هذه المستويات الثلاثة، اختلاف اللغة، أو الدين، أو المذهب، أو الجنس، أو الثروة، أو نظام القيم، أو طرز العيش، أو اللون (العرق)، أو المهنة، أو الجنس".

وسؤاله المركزى: "ما الذى يحصل إذن حتى تكتسى الفوارق فى العرق، أو الدين، أو المذهب، أو اللغة أو القيم؟ كل هذه القوة التدميرية فى الإقصاء، وكل هذه القدرة على توليد الغضب، بل الإبادة، القتل على الهوية، ليست المشكلة فى (الاختلاف)، بل فى طريقة النظر إليه، وفى تأويله، وفى حامله الاجتماعى بقيمه وعقله".

يقع الكتاب فى ثلاثة مباحث، وأربعة ملاحق؛ تتضمن ترجمة لأربعة نصوص، هى: "رسالة في التسامح" لجون لوك (1632- 1704) الفيلسوف التجريبي والمفكر السياسي الإنجليزي، وهي مدبجة باللاتينية عام 1667، في أوج عصر الحروب الدينية، ويدافع فيها لوك عن حرية الإيمان والمعتقد، و"نحو السلام الدائم"، للفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط (1724 - 1804)، كتبه في العام 1797، ويعد من أهم الوثائق الفلسفية الرامية إلى إرساء اتحاد بين الشعوب؛ يلجم الدول عن اللجوء البربري إلى الحرب وسيلة لحل النزاعات، وفيه يستشرف كانط إنشاء هيئة عالمية للسلام يسميها "الشعوب المتحدة"؛ ليس على قاعدة تمنيات طوباوية، بل على قاعدة أقانيم دستورية، و"اللاعنف أو العنف السلبي"، الذى يرتبط باسم المهاتما غاندي (1869- 1948)، الأب الروحي لاستقلال الهند، وباني فلسفة اللاعنف، وقصيدة "نواح المدن القتيلة" للشاعر السويسرى المعاصر آلان روشا.

فى المبحث، الأول: "تأمل الذات، أو توترات البنية الاجتماعية- الثقافية العربية"، يتناول عبد الجبار انتقالات المجتمع العربي من عالم "الملل والنحل"، من إمبراطوريات الماضي المؤسسة على الهوية الدينية العابرة للقبائل والأقوام إلى الدولة المركزية الحديثة، وانتقالات الثقافة العربية من النظم الثقافية الميثولوجية- الشفاهية والمقدسة- الأبجدية، إلى النظام المعرفي الحديث القائم على المعرفة الوضعية والكلمة المطبوعة، ويلاحظ أن هذه الانتقالات التى استغرقت قرونا فى أوروبا انضغطت في أقل من قرن، بالنسبة للمجتمع العربى، وباتت النظم المعروفة المتعاقبة في الزمان متجاوزة في المكان مولدة توترات وانشطارات وتشظيات متشعبة داخل البنية الاجتماعية - الثقافية تركتنا في حال من النزاع مع النفس.

فى معاينة أولية لـ"تحولات الذات وتوتراتها" يحصر عبد الجبار بحثه فى خمسة حقول، هى محل الدراسة والتأمل فى خلفيات وآفاق هذه التوترات، باعتبارها منابع للعنف الجوانى، والعنف البرانى، ويرى أنها: مترابطة، متداخلة، تولد بتفاعلها ظاهرة اللا تسامح الثقافى، وغلبة الطابع المثيولوجى والإيديولوجى على التجريبى والعقلى فى الثقافة، وتزايد دور ومكانة الثقافة مقابل تردى دور المثقفة فى مفارقة بينة، ثم أخيرًا اشتداد نزعات الخصوصية أو الانغلاق الثقافى.

يقوم حقل التوتر الأول على بنية الثقافة بعامة، من حيث وجود أنماط ثقافية، متعددة، متصادمة، متراكبة، تسعى إلى إلغاء بعضا بعضا فى احتراب دائم، مولدة أشكالا من القسر الثقافى- الاجتماعى، أو ما نسميه: غياب الحرية الثقافية أو ضعفها، وفرض انغلاق النظام المعرفى فى أطر ميثولوجية أو إيديولوجية.

ويدور الثانى حول إنتاج الثقافة الحديثة، من ناحية تشعبها المتصل، وحلول "المؤسسة" المنتجة للخطاب الثقافى، بدل الفرد المثقف، المتشظى والمتجزئ أبدا، أى حلول استبداد المؤسسة قبل بروز الفرد المنتج.

ويتعلق الثالث بصعود الثقافات الدنيا بفضل وسائل الاتصال التكنولوجية على حساب الثقافة العليا، مدعمة بتغييرات مجتمعية هائلة (الهجرة إلى الحواضر، اتساع نظام التعليم)، ومولدة تمايزا مذهلا فى المواقع الاجتماعية لمنتجى القيم الثقافية.

وفى الرابع، تتأرجح مؤسسات الثقافة بين شكلين من أشكال التعلق: السوق، أى تسليع الثقافة، أو احتكار الدولة كحامل مركزى لإنتاج الثقافة الحديثة الممأسسة.

الخامس، استمرار التوتر القديم فى تحديد موقع الجماعة الثقافية العربية فى العالم، أى كما اصطلح عليه بفكرو الهوية: من نحن؟ من الآخر، واشتداد ميول الانغلاق (الخصوصية، الأصالة)، القائمة على نظرة ميثولوجية أو نظرة إيديولوجية إلى الذات وإلى الآخر.

ويصارح عبد الجبار القارئ فى ذلك العرض الأولى لبحثه أنه "ما من مفهوم يكتنفه التعدد فى المضمون مثل مفهوم الثقافة، أو (بالتبعية) مفهوم المثقف، ويضرب مثالا على المقاربة السوسيولوجية لهذا المفهوم: "أحصى باحثان سوسيولوجيان أكثر من 160 مفهوما متباينا للثقافة"، ثم يقرر: "يبدو، بوجه عام، أن ثمة إمكانية لتعيين مفهومين للثقافة، الأول عام، واسع، فكرى- مادى أى يشمل المنتجات الفكرية والوسائط التكنولوجية، والثانى خاص، أضيق، يختص بمنتجات الفكر وحده"، وفى الهامش، يسجل: "هذان التعريفان، العام، والخاص، هما الأكثر شيوعا، رغم أن الكتاب العرب يقصرونه على نظرة ضيقة ثالثة: الأدب المكتوب"، ثم يقدم تعريفه (الإجرائى): "تعد الثقافة نظاما معرفيا يشتمل على إنتاج المعانى، أو منتجات العقل، يتجسد فى نظام رموز وإشارات (كلام، لغة، إشارات، رموز)، لتخزين المعلومات، ونقلها، وهو نظام معرفى يتوخى تحديد موقع الجماعة (مجتمع، أمة) فى الزمان والمكان.

ويشير، عبد الجبار، إلى أن هناك عدة محاولات لتقسيم الثقافة إلى عصور، أو أنماط. ويستخدم اقتراح جاك دريدا (1930- 2004)، الفيلسوف الفرنسي المواليد فى الجزائر، القاضى بـ" وجود تباينات جذرية بين: الثقافات الأسطورية (المثيولوجية- الشفهية)، الثقافات الأبجدية، الحضارة الإلكترونية ما بعد الأبجدية"، ليقرر: "يمكن النظر إلى هذه الأنماط الثلاثة (القابلة للتوسيع بالطبع) باعتبارها أنماطا مستقلة متعاقبة فى الزمان. كما يمكن النظر إليها باعتبارها أنماطا متجاورة فى المكان لحقول ثقافية- اجتماعية، تتمحور حول الانقسام بين البوادى والأرياف من جهة، والمدن، من جهة أخرى، أو الانقسام داخل المدن بين طبقات عليا وأخرى دنيا. وإن تصادم هذه الثقافات حقيقة بينة.

ويلفت إلى أن كل نمط من أنماط الثقافة المذكورة أعلاه، على عالم معرفى، وبنية خاصة.