loading...

مقالات

التعاطف هو ما نحتاج إليه أصدقائي

التعاطف هو ما نحتاج إليه أصدقائي


عادة كنت أصادف تلك المجموعات المرحة من أصحاب المعاشات، في جلساتها اليومية المعتادة في "بوفيه فيليب" الذي يقع على محطة ترام سان ستيفانو، كلما اخترت الجلوس هناك، أو هفت نفسي لجو العزلة والمعاشات الذي يتسم به البوفيه، أو أثناء مروري بالترام، أنظر كعادتى لمدخله الزجاجي، لأرى نفسي جالسا هناك على تلك المنضدة المجاورة للنافذة الزجاجية العريضة.

ربما الأماكن التى أحببناها تحتفظ منا بنسخة داخلها، بوجود شبحي، وميزة هذا الوجود أنه يحتفظ بالماضي في شكل شبحي أيضا، خفيف بلا تفاصيل، كحالة شعورية تمس الروح سريعا ثم تختفي.. أنا أيضا كنت محالا على المعاش مبكرا جدا بداية من الثلاثينيات، بعد تقديم استقالتي من عملي، وتفرغي للكتابة ودخولي في مسارات حياة أخرى هادئة في ظاهرها، ولكن متقلبة في باطنها.

نادرا ما كان يستقبل "البوفيه" روادا جددا. لا يختفي الزبون المقيم، إلا بالمرض أو بالموت ليترك مكانه لصاحب معاش جديد. نادرا أيضا ما يجلس فيه الشباب، ولو حدث فسرعان ما سينجذب بروحه وعاداته لمغناطيس "السن الكبيرة" وعاداتها وإيقاعها البطيء، ومربعات كلماتها المتقاطعة. 

لو صادف ومررت في أحد شهور الصيف، فنادرا ما سأجد منضدة فارغة، داخل البوفيه، أو على رصيفه المواجه لشريط الترام، فجميعها مشغولة بهذه الثرثرات القديمة والضحكات الرصينة، والشتائم القديمة الحيية. أو بحلقات من الصمت، والتي من الصعب أن تزحزح أعضاءها وتخرجهم منها، وأخرى مشغولة بمربعات الكلمات المتقاطعة في جرائد الأهرام والأخبار والجمهورية، أو بالمناقشات السياسية التى تنحاز عادة للحكومة والرؤساء منذ السادات وحتى الآن. يصاحب هذه الحلقات أزيز خافت لمروحتي حائط قديمتين، أسلاكهما وريشهما موبرة بالتراب المتراكم.

يمتلك المقهى عم عثمان الذي أتى من النوبة، ويساعده أخوه. عاصرت شبابهما، في تلك السنوات عندما كنت أمر على محطة سان ستيفانو لانتظار فتيات المدارس الثانوية المحيطة بالمحطة في طريقى لمدرستي العسكرية أو عودة منها. كانت محطة ترانزيت تسمح بلقاءات ومعاكسات وتأملات. ومن الناحية الأخرى يقع الفندق القديم بحجمه الأليف، وبسوره المنخفض وحديقته الطويلة ولم يبن بعد هذا العملاق الجديد، الذي يطل من سماواته كديناصور على أقزام الحياة من أمثالنا.

لم أدر في حينها أني في المستقبل سأكون أحد الزبائن العابرين بنادي المعاشات هذا، وأني بهذه النظرات أحجز مكاني في جنة المستقبل! هذه النظرات البريئة كانت البذرة التى ألقيت في وقتها، وبدأت تنمو كنوع لا مرئي من نبات اللبلاب، على هذا المدخل الزجاجي للمقهى.

أغلب هذه المجموعات ينتمون لمهنة التدريس بكل درجاتها من مدرس لمفتش لمدير، لذا جميعهم وقد تجاوزوا السبعين، أو أقل قليلا؛ يدخنون بشراهة لا تعمل حسابا للعمر المتبقي، كجزء من ميراث حرق الأعصاب في المدارس الحكومية وليالي الدروس الخصوصية. 

كانت لا تزال بالبوفيه رائحة زمن الأجانب الذين كانوا يملكونه في السابق ورحلوا عنه: مساحته الصغيرة والأليفة، نظافته، تنوع مشروباته ومأكله، ومناضده القليلة التى تمنح المكان خصوصية. هناك قائمة طويلة من السندويتشات المصنوعة بيتيا، المخ والطحال واللسان، واللحم البارد، والجبنة الرومي، مع بعض أصناف الجاتوهات الجافة، والشوكولاتة والبسكويت، والحجازية والهريسة.

يقع البوفيه في الوسط ما بين خطى ترام النصر وباكوس. تقطع الترامويات، الذاهبة والآيبة، بصوتها وبسرعتها وبنظرات راكبيها، هذه النقطة الزجاجية، التى يجلسون فيها، لتجسد عبور الزمن الذى يطلع وينزل كالمنشار، يأكل بتؤدة من حواف صمتهم وأحاديثهم على السواء.

كل حين وآخر أعود لمكاني الفردوسي القديم، بين تقاطعات الحركة ومرور الزمن، أمرح في مسارات معاشي الشخصي، أبدد أوقاته بطرق أخرى في حل الكلمات المتقاطعة لمربع الحياة.

عدت منذ يومين فوجدت إحدى "حلقات المعاشات" تستمع بشغف لإحدى أغنيات الستينيات الشهيرة "غرباء في الليل" لفرانك سيناترا، من موبايل أحدهم. تقول الأغنية في أحد أبياتها "غرباء فى الليل نتبادل النظرات". وبعدها بدأت تُكر سلسلة من أغاني الستينيات والسبعينيات، وبدأت معها هواية قديمة فى تهجي كلمات الأغاني، سواء الإنجليزية أو الفرنسية. ينظر أحدهم للآخر، يختار كلمة من الأغنية ويطرحها على زميله ويقول له "إسبيلنج. ومع التهجي يشرح كلمات الأغنية ومعانيها ومرادفاتها. تسمع أثناء التهجي تعبيرات مدارس حكومية من قبيل حرف بى P تقيلة، وحرف بي B خفيفة، وهما إحدى عقد اللسان للتلاميذ حتى الآن".

تخرج من سماعة الموبايل الصغيرة أغنية شهيرة فى الستينيات والسبعينيات، تقلب عليهم سطح المواجع، وكانت تضمنها كل الفرق الموسيقية بالإسكندرية في السبعينيات في قائمة أغانيها في الحفلات لتضمن تصفيقا وصفيرا مستمرين. يقول مطلعها "التعاطف هو ما نحتاج إليه أصدقائي/ التعاطف هو ما نحتاجه/ والسبب أنه ليس هناك ما يكفي من الحب ليحوطنا".
يتساءل أحدهم، الذى يجلس وراء المنضدة، وليس بجوارها، مثلما كان يجلس كمدرس في الفصل: "هو صادق قلينى مات؟". صادق قليني هو إحدى أيقونات الستينيات والسبعينيات في الغناء الغربي. يرد عليه الآخر: لا مامتش، عايش. فيطمئن من سأل، ويضيف "ده جسمه كان كده"، عندها ينفخ جسمه وعضلاته ليكشف صورة وجسد صادق قلينى المختبئ في جسده كشبح. ثم يتذكرون عربته التى كان يركبها!

ثم تتوالى الأسئلة عن بقية العائلة الستينية ومصيرها وأين ذهبت. تقفز أغاني ديميس روسوس وعلى ذكره يتم ذكر اليونانين والجريج في إسكندرية والسدق والبسطرمة وتلك المهن التى برعوا فيها والتي تختزن بداخلها وبداخل مذاقها، مذاق شخصيتهم وهويتهم المستمرة.

ينفجر أحدهم بحرقة، الذي سأل عن صحة صادق قليني؛ فى نهاية سلسلة الأغاني التي أدخلتهم في حالة نشوة عالية "إيه الزمن ده، ده ممكن يرجع؟". يقصد الزمن الذهبى. يرد آخر "قول الزمان يرجع يا زمان" ثم يضيف ليصم زمننا الحالي ساخرا: "كوز المحبة اتخرم". من هذا "الخرم" تسرب سائل الزمن الذهبي.

قاربت الساعة على العاشرة، بدأوا في الانصراف، ثم ختم أحدهم اليوم "ربنا يديم المحبة والمعروف".

هذه المحبة الدائمة تولدت عبر هذه الأغاني، إنها محبة جديدة مغموسة في أصوات البيتلز والبتي شاه وفرانك سيناترا، بها مسحة أوربية تمنعها من أن تتحول، فقط، إلى حنين شرقي أسيان. مهما بدت هذه المرحلة المتقدمة في العمر هشة أو جافة، فهى قادرة على أن تخضر من خارجها ومن داخلها أيضا. الإحساس بالنهايات يفرز سوائل وجودية خالصة تصلح لاستعادة كل أنواع الأدوار والمشاعر، تلك التى تعيد حلقات الحياة ومرحها وأحلامها ونزقها ولوعتها.