loading...

مقالات

غني يا أم كلثوم.. (1-3)

غني يا أم كلثوم.. (1-3)


جددت حبك ليه بعد الفؤاد ما ارتاح

حرام عليك خليه غافل عن اللي راح

يتجدد حبك يا سيدتي في دمائنا.. يواصل حبك وصوتك ضخ دماء الحب في شرايينا المتصحرة.

وأبدا يا كوكب كل القلوب العطشى.. كم من نفوس هدأت على أهداب منديلك الشهير.. وكم من قلوب ارتاحت  على شفاه صوتك الرقيق:

وأنام وأصحى على شفايفك

بتقول لي عيش اسمعها غنوة

بتقول لي حبك ما ينتهيش

أبدا يا أمل الحياة المفقودة وسط ثرثرة ينبغي أن يعتذروا عنها.. ما أصاب حبك قدما حتى يتجدد.. وما غفل وجداننا الحقيقي عن روعة وجدانك.

إن  مرْ ع الخاطر ذكراك

تنزل من الوجد دموعي

دائما أنت يا نبع الحب في خواطرنا تتهادين فينا.. وجناح النسر فيك ولفتة العصفور.. تمر علينا ذكراك.. ولو مر قرون وقرون.. فلا نجرؤ أن ننساك.. فأنت البراءة فينا.. وإن طغت الإدانة.. تتوازى فينا أسباب البراءة وأسباب الإدانة.. فتميل الكفة بنا حين يعانقنا صوت الحب الصادق.. تصيح قلوبنا المتحجرة أغصانا تتمايس في صحراء القسوة.. تصيح أرواحنا الجرداء على شواطئ عالمك الساحر.. شجيرات دائمة الخضرة..

والقمر من فرحنا ح ينور أكتر

والنجوم ح تبان لنا أجمل وأكبر

والشجر قبل الربيع ح نشوفه أخضر

واللي فات ننساه ننسى كل أساه

لكن هذا أصبح صعبا يا سيدتي.. إن مآقينا صارت آسنة في بحر الحياة المؤلمة، ومع ذلك تجيئين أنت من وراء ستار الزمن الشرق أوسطي ليحتوي شبكة أعصابنا المخدرة.. فنحلق مع دوائرك الأثيرية.. علنا نتجاوز الألم.. بحفنة أمل..

أنا طير رنان في دنيا الأحلام

أنا روح هيمان في وادي الأشجان

اصدحي يا سيدتي.. وشقي بهمساتك الحلوة جبال صبرنا.. فحملنا ثقيل.. وصبرنا طال وطال.. حتى تطاولت علينا الأقزام.. إنما للصبر حدود.. وقد صبرنا الحب كثيرا.. تعالى يا هدية السماء إلينا.. آنسينا في وحشة السياسة.. والاقتصاد.. وغربة الوهج القومي. غني .. وغني.

هات عينيك تسرح في دنيتهم عينيه

هات إيديك ترتاح للمستهم إيديه

يا حبيبي تعالى وكفاية اللي فاتنا

هو فاتنا.. يا حبيب الروح شوية

اكسري كؤوس الصدأ.. واليأس.. والبؤس.. والتعاسة.. والحزن.. فقد أدمنتنا الأحزان.. وتعاطينا الآلام.. وبعثرتنا الهموم ذات اليمين وذات الشمال.. أسمعينا يا سيدة الحب والأمل:

سمعت صوتا هاتفا في السحر

نادى في الغيب غفاة البشر

هبوا املأوا كأس المنى

قبل أن يملأ كأس العمر كف القدر

واصلي يا سيدتي هذه الفلسفة (الخيامية) واحرقينا بشدوك.. وألهبينا وانثرينا في هواء الممكن حتى نعلو إلى المستحيل:

لا تشغل البال بماضي الزمان

ولا بآتِ العيش قبل الأوان

واغنم من الحاضر لذاته

فليس في طبع الليالي الأمان

آه يا سيدتي.. ضاع منا الأمان. وغشانا الخوف الغاشم.. لملمينا في رداء «كلثوميتك».. ودثرينا بأحبال صوتك.. خبئينا من ألاعيب هذا الزمن العصبي. نتمنى لحظة مطمئنة على راحتيك:

الليل.. ودقة الساعات تصحي الليل..

الليل وحرقة الآهات في عز الليل..

والقسوة والتنهيد.. والوحدة والتسهيد

لسه ما همش بعيد

وهات لي قلب لا داب ولا حب

ولا اتجرح ولا شاف حرمان

إن مصيبتنا يا سيدتي أننا نرجع الزمان.. ونحرك ساعاته إلى الوراء.. وبسرعة.. نعيد عقارب الساعات لتلدغنا مرة ومرتين.. وثلاث رغم أن «المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين».. ونحن نلدغ مرات ومرات ومن جحر واحد.. ولا يتغير لكن نحن الذين نتغير!

عفوًا يا سيدتي.. فكل شيء في حياتنا سياسة.. وبعيد عن السياسة تعتبر حياتنا عذابا..

بعيد عنك حياتي عذاب

ما تبعدنيش بعيد عنك

ماليش غير الدموع أحباب

معاها بأعيش

والأمل.. أنت الأمل.. لا تحرمينا منك.. آه وألف آه يا سيدتي.. على الأمل الذي فقدناه منذ زمن بعيد.. في الحب.. في الأدب.. في الفن.. في الاستقرار.. في القرار.. وما أبعد القرار الحق حتى عن أمانينا!

أكاد أشك في نفسي لأني

أكاد أشك فيك وأنت مني

يقول الناس إنك خنت عهدي

ولم تحفظ هواي ولم تصني

من حقك يا سيدة الغناء المحترم.. أن تشكي فينا.. وفي وجداننا الذي يتزيف وإن كان بعض هذا الوجدان لم يتلوث.. لكن قد تلتمسين العذر بعض العذر.. لبعضنا.. فالأثير حولنا تلوث بأنكر الأصوات وما أكثرها.. تنعق فينا ليل نهار.. في آذاننا في عيوننا.. في نفوسنا.. إنها تحاصرنا أينما نولي وجوهنا.. أصوات تبعث فينا الرغبة.

في الصم.. ووجوه ـرغم الموضة والأقنعةـ تطاردنا في كل مكان.. تلمع فجأة لتسقط فجأة.. تخطف بصرا لتمقتها أبصار.. تلفح وجداننا بالزيف.. وتمضي ناهشة في أذواقنا أو بقايا الأذواق العذبة.. تسعى جاهدة كي تلوث أثير حديث الروح المرطب لحرارة ما حولنا ومن حولنا.. هذا الذي يحاول أن يخمد هذا «الحريق.. والصقيع» لكن موجات أثيرك أقوى وأشد.. فأنت الروح وحديثه..

حديث الروح للأرواح يسري .. وتدركه القلوب بلا عناء

هتفت به فطار بلا جناح .. وشق أنينه صدر الفضاء

لقد فاضت دموع العشق مني .. حديثا كان علوي النداء

فحلق في ربا الأفلاك حتى .. أهاج العالم الأعلى بكائي

لقد أهاج بكاؤك العالم الأعلى.. وأهاج النعيق عالمنا الأرضي ولم يزل.. أصوات ثكلى.. وألحان يتيمة.. وكلمات تمثل جريمة.. في حقنا وحق المجتمع والأجيال يا سيدة كل الأجيال الفنية فقط..

وابتدا قلبي يدوبني بآهاته

وابتدا اليل يبقى أطول من ساعاته

نعم يا سيدتي أم كلثوم.. الليل أصبح «أطول من ساعاته» والساعات ثقيلة الخطى.. نتيجة هذه المسماة بالأغاني الحديثة والتي هي على حد توصيف الموسيقار محمد عبد الوهاب (قزقزة لب) ونحن نجلس فوق الأطلال.. حتى الأطلال ذابت من أغانينا البريئة:  

اسقني واشرب على أطلاله

وارو عني طالما الدمع روى

كيف ذاك الحب أمسى خبرا

وحديثا من أحاديث الجوى