loading...

مقالات

الأحزاب في العالم الرقمي (2/3)

الأحزاب في العالم الرقمي (2/3)


ظهرت الأزمات المختلفة للأحزاب السياسية الكبرى فى أوروبا والولايات المتحدة خلال عديد من المراحل، وذلك فى ظل ظهور أزمة المحكومية Crisis of Governability، التى تمثلت فى تراجع قدرة هذه الأحزاب فى كسب قطاعات جماهيرية وطبقية، ودفعها للانخراط فى الحياة الحزبية، فضلاً عن قدراتها على الحكم الفعال والمؤثر فى حل عديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، عندما تصل إلى الحكم. 

من ناحية ثانية: تشكل أوليجاريات حزبية، تحتكر التعبير عن هذه الأحزاب وتمثيلها. من ناحية ثالثة: انصراف قطاعات جيلية واسعة عن الانخراط فى الأحزاب السياسية. من ناحية رابعة: المتغيرات الجديدة والنوعية فى التحول من السرديات الكبرى، والدخول فى زمن الإيديولوجيا الناعمة Soft Ideolgy، حيث تحركت إيديولوجيا وبرامج الأحزاب السياسية الكبرى نحو بعض قضايا أجيال حقوق الإنسان، والجندر Gender، والبيئة، لا سيما فى ظل ظهور أحزاب الخضر فى فرنسا وألمانيا، ومن ثم تآكلت التمايزات الإيديولوجية بين أحزاب اليمين واليسار، والميل إلى بعض التشكيلات البرنامجية، التى تجمع بين بعض هذه القيم والبرامج التى اتسمت بقدر من التشابه وبعض من التداخل فيما بين بعضها بعضا.

تأكدت هذه الظاهرة فى الحالة الحزبية الفرنسية، على نحو ما برز من تآكلات فى جسم التركيبة الاشتراكية فى أعقاب عهد ميتران والتى ظهرت بعض بوادرها فى نهاية حكمه. من ناحية أخرى أثر إضعاف ميتران للحزب الشيوعى الفرنسى، الذى تآكلت بعض قواعده وجاذبيته فى أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتى وتفكك الكتلة الشيوعية، وهو ما ظهر أيضا فى حالة الحزب الشيوعى الإيطالى أيضا، وهو ما تمدد كظاهرة فى عديد الأحزاب الشيوعية الأوروبية.

نستطيع القول إن انعزال الطبقات السياسية الأوروبية عن القوى الاجتماعية الكبرى المختلفة، واتساع الفجوات بينهم، وبين التغيرات داخل هذه القوى، أدى إلى مزيد من إضعاف الظاهرة الحزبية وفاعليتها، وفى تراجع نسبى فى معدلات المشاركة الانتخابية وتزايد ظاهرة التصويت العقابى لبعض الأحزاب فى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فى الجولات الانتخابية الأولى، كأجراس إنذار لبعض المرشحين والأحزاب لتعديل بعض توجهاتهم وخطابهم أثناء المعارك الانتخابية. 

من ناحية أخرى برزت الاتجاهات الشعبوية فى بعض البلدان الأوروبية والولايات المتحدة إزاء ظاهرة انفصال الطبقات السياسية عن المواطنين، ونظرا لبروز مشكلات اجتماعية حول العمل والضمانات الاجتماعية فى ظل ظاهرة الهجرة المتعددة المصادر والجنسيات فى الدول الأوروبية من أوروبا الشرقية وبعض الدول العربية والإفريقية والإسلامية ومنافستهم للعمالة داخل هذه البلدان، واستفادة بعضهم من نظم الضمانات الاجتماعية، على نحو ما أدى إلى خروج بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبى فى الانتخابات الفرنسية. 

شكلت الانتخابات الرئاسية الأخيرة ظهور حركة مانويل ماكرون الذى استطاع الفوز بالمنصب الرئاسى، وتشكيل أغلبية برلمانية حول حركة فرنسا إلى الأمام، وذلك تعبيرا عن أزمة الأحزاب السياسية الكبرى وتراجع تأثيرها وتأييدها الجماهيرى. من ناحية ثانية، رغبة الأجيال الشابة الفرنسية فى وجه سياسى يبدو جديدا وشابا يختلف عن الوجوه السياسية التقليدية للأحزاب الكبرى. من ناحية ثالثة: حاجة الشباب إلى حزب أو حركة سياسية شابة، تسعى إلى حل مشاكل فرنسا الاقتصادية، والاجتماعية. من ناحية رابعة: ظهرت الاتجاهات الشعبوية مع السيدة مارين لوبين كزعيمة سياسية لحزب الجبهة الوطنية والاتجاه اليمينى المتطرف، وأطراف من اليمين.

ووظفت قضايا الهجرة والعمالة الأجنبية، والهجرة القسرية كفزاعة فى حملتها الانتخابية، إلا أن الاتجاهات الجيلية الشابة وقطاعات اجتماعية كبيرة ساعدت على انتصار مانويل ماكرون وهزيمة مارين لوبين. فى الولايات المتحدة الأمريكية استطاع رجل الأعمال ترامب أن ينجح عن الحزب الجمهورى من خلال خطاب سياسى شعبوى، ذهب إلى التركيز على جذب قطاعات جماهيرية لتأييده، وقبول خطابه حول قوة أمريكا، والاهتمام بمصالحها القومية، والسياسة الحمائية، ونقده اللاذع لسياسة الحزب الديمقراطى، وللطبقة السياسية فى واشنطن واستطاع الانتصار على السيدة كلينتون. 

القيادات السياسية الشعبوية باتت تعتمد على التواصل مع الجمهور من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، والتغريدات على تويتر على نحو ما يفعل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.

السؤال الذى نطرحه ما موقع ومستقبل الأحزاب السياسية فى ظل الثورة الرقمية، والتحولات الكبرى التى تتم من خلال الانتقال إلى الإنسان الرقمى، وفق توصيف بعض الفلاسفة فى هذا الصدد؟

لا بد أولاً: من تحديد بعض تحولات الانتقال إلى الرقمى وتأثيراتها على ظاهرة الأحزاب السياسية؟ ثم تحديد أثر الثورة الرقمية على الظاهرة الحزبية، وذلك على النحو التالى:

أولاً: التحول إلى الرقميات وأثره على السياسة والسياسيين.

الثورة الرقمية الهائلة والمتسارعة والمتحولة تساهم في أحداث كبرى في الحياة الإنسانية، وفي الأنساق التعليمية والقيمية والأخلاقية، ومن ثم على السلوك الاجتماعي، وفي بناء عادات وتقاليد وتوجهات جديدة لا سيما وسط الأجيال الشابة، وصغيرة السن في عالمنا المتغير. أصبحت الأجهزة الرقمية – الألواح الرقمية، وأجهزة الموبايل فون وأجيالها الذكية المتطورة في تسارع بين جهاز وآخر- تلعب دورًا محوريًا في حياة الفرد والمجتمعات، وتساهم في إنتاج النزعة الفردية والفرد في المجتمعات التي لا تزال في طور النمو وتعانى من مشكلات التخلف الاقتصادي التاريخي.

لم تعد وسائل الاتصال الجماهيري – الصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون – لها ذات الفعالية الواسعة التي كانت لها، في أعقاب ظهور جهاز الترانزستور الذي أدى إلى انبثاق مرحلة القرية العالمية من خلال هذا الجهاز. العالم الكوني أصبح الآن عند أطراف لمسات الفرد على الأجهزة الرقمية، وانهمار تيارات متلاحقة وكثيفة من الأخبار والمعلومات والصور والأفلام والفيديوهات، على نحو غير مسبوق. من ثم لم تعد الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام الجماهيري التقليدية هي مصدر المعلومات الوحيد والصحيح في ظل عالم تحت لمسات الأصابع، ويستطيع الفرد معرفة الأخبار من مصادرها غير الرسمية فور حدوثها، في ظل تزامن الحدث وزمن الصورة والمعرفة به من مواقع حدوثه فورًا عبر عديد المصادر ومن بينها فيديوهات، أو بث مباشر عبر العابرين في مواقع الأحداث. 

من ناحية أخرى لم يعد الأفراد في انتظار تحليلات رجال السياسة أو الخبراء أو آرائهم، ولكن دخل الأفراد العاديون إلى ساحة إبداء الآراء واتخاذ مواقفهم إزاء الأحداث فور وقوعها، وتحولوا إلى طرف رئيس. ثمة أيضًا الحملات الإلكترونية/ الرقمية على مواقع التفاعل الاجتماعي – إنستجرام، وتويتر، والفيسبوك – إزاء وحول قضايا ومواقف ووقائع سياسية واجتماعية، وسياسية، وتجاه رجال الأحزاب والسياسة، والبيروقراطية، والحكومات وحول البيئة، والهجرة والبطالة، والأمن، والاقتصاد والفنون.. إلخ وتفاصيل الحياة الكونية والإقليمية والوطنية والمحلية، وباتت جزءًا من الحياة الفعلية والرقمية.

من هنا تزايدت واتسعت وتكثفت الرقابة الشعبية على الأحزاب والسياسيين والحكومات، وانكشفت بعض المستورات داخل عالم السياسيين وأسرارهم ومعهم دوائرهم السياسية المغلقة نسبيًا عند قمة الأحزاب والحكومات. من ناحية أخرى لم يعد المجال العالم السياسي الفعلي داخل كل دولة، هو السوق السياسي الوحيد للمشاركة والفعالية، وتبادل الآراء والأفكار والرموز، والاختلاف السياسي، وإنما أصبح المجال العام الافتراضي كونيًا وإقليميًا ومحليًا، ويتمتع بأقصى درجات الحرية، وذلك على الرغم من رقابة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لما يدور داخله، وتدخل بعضها لحجب بعض المواقع أو رقابتها، أو حتى التدخل في الخصوصيات الفردية للمشاركين في عوالم الواقع الافتراضي.

لا شك أن هذه التغيرات أدت إلى تعقد السياسة في عصر تضخم المعلومات وتدفقها المستمر إلى الفرد، ولم تعد الأجيال الأكبر سنًا من السياسيين قادرين على التعامل الفعال مع هذه الظواهر المتسارعة، ومع الأجيال الشابة أبناء الحياة الرقمية وصناعها ومبتكري أفكارها ولغتها ومفاهيمها ولغتها الرقمية.

السؤال كيف أثرت هذه الظواهر التقنية والرقمية على الأحزاب السياسية؟

ثانيًا: الأحزاب السياسية والثورة الرقمية.

لا شك أن الأحزاب السياسية الكبرى وقادتها، تعاملت مع الظواهر الرقمية، وذلك بدمجها في الاتصال الحزبي الداخلي والتنظيمي، وساهمت في سرعة العملية الاتصالية، وفي التعبير عن مواقفها السياسية على مواقعها، ولم تعد تنتظر الظهور في البرامج الحوارية على التلفاز، أو في الصحف والمجلات والإذاعة، ومن ثم أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أداة أساسية في لعب بعض أدوار التعبئة الحزبية، أو في الحملات الانتخابية. السؤال الذي نطرحه هل هذا التأثير يماثل ما كانت تمثله أدوات الاتصال التقليدية؟

هذا التأثير خضع لضغوط الواقع والحياة الرقمية والمشاركين بكثافة على الواقع الافتراضي الرقمي، الذي يؤثر بفعالية على مسارات المجال العام السياسي الفعلي، في ظل تزايد الفجوات بين الأجيال الشابة الرقمية، وبين الأحزاب السياسية التقليدية كما ظهر في الانتخابات الفرنسية الأخيرة ونجاح ماكرون وحركة فرنسا إلى الأمام. 

من ناحية أخرى أدى ظهور مشكلات اقتصادية واجتماعية جديدة إلى تعقد دور السياسيين والأحزاب والحكومات، كما في مشكلات الـ Big Datta والهجرة – الطوعية والقسرية - في ظل ظاهرة أسماها بعضهم تصدع العالم، وآخرين بالاضطراب الاقليمي والعالمي. 

من ناحية أخرى مشكلات خاصة بالعمل من ناحية البطالة كنتاج للثورة التكنولوجية الرابعة، ورقمنة الأعمال ومن ثم لجوء الشركات الكبرى إلى الاستغناء عن أعداد كبرى من الوظائف التي لم تعد في حاجة إليها في ظل الرقمنة، وضغوط هذه الأعداد على نظم الضمانات الاجتماعية وميزانياتها، بكل آثار البطالة الاجتماعية والنفسية.

لم تعد عديد من الأحزاب السياسية الكبرى تمتلك رؤى وبرامج فعالة لمواجهة هذه المشكلات الجديدة. من ناحية أخرى لم تعد بعض هذه الأحزاب قادرة على تجميع المصالح والفئات الاجتماعية، ومن ثم التعبير عنها في إطار اللعبة الحزبية والسياسية. 

من هنا يبدو من آثار الانتقال من الواقعي إلى الافتراضي، أن الصيغ الحزبية القائمة والموروثة، ستفقد وظائفها التقليدية لصالح أحزاب رقمية ربما تحل محل هذه الأحزاب، وربما صيغ سياسية أخرى ستتوالد في إطار الثورة التكنولوجية الرابعة. هذا لا يعني أن هذه الصيغ الحزبية الموروثة في أوروبا وأمريكا ستتلاشى قريبًا لكن سيحدث بها بعض من التطور النسبى والتكيف مع الحياة الرقمية وأثرها على الحياة السياسية الفعلية، إلا أن بعضها سيواجه بعض من التعثر، وربما التآكل لصالح تجمعات سياسية جديدة أكثر تعبيرا عن التحولات الرقمية والفعلية وعن الأجيال الجديدة الشابة والأصغر سنا.

السؤال ما أثر هذه الظواهر على الحياة السياسية الميتة فى بعض بلدان جنوب العالم وفى العالم العربي ومصر؟