loading...

مقالات

«غداء العيد».. عبثية الصراع داخل العائلة العربية

«غداء العيد».. عبثية الصراع داخل العائلة العربية


حصل الفيلم اللبناني «غداء العيد» إخراج لوسيان بورجيلي على جائزة لجنة التحكيم بـ«مهرجان دبي السينمائي الدولي»، ولم تكن جائزة الفيلم مفاجئة للجمهور، إذ يعد الفيلم واحدة من التحف السينمائية الثمينة التي قدمتها الدورة الرابعة عشرة للمهرجان، خلال منافسة قوية داخل فعاليات مسابقة المهر الطويل ضمت مجموعة متميزة من الأفلام، بعضها يحمل توقيع عدد من أهم صناع الأفلام في المنطقة العربية.

بعد عامين من المحاولات، تنجح الأم جوزفين (سميرة سركيس) في لم شمل أبنائها على مائدة غداء أحد الشعانين؛ يتخذ التجمع طابعًا احتفاليًا يعبر عن الأجواء الحميمة التي تميز حياة العائلة العربية الأصيلة، لكن سرعان ما يتضح الاختلاف بين أفرادها مع انتقال الموضوعات التي تُناقَش على المائدة من العموميات إلى تلك التي تحمل وجهات نظر خلافية. ذلك الاختلاف الذي يُظهر كيف أسست سمات شخصية الشقيقتين ريتا (فرح شاعر) وكريستين (نانسي كرم) -بعد زواج كلتيهما- إلى قناعات تحملها أسرتين كاملتين. ريتا ذات شخصية قوية تعامل زوجها ربيع (غسان شمالي) بندية، تدار حياتهما بدرجة كبيرة من التخطيط المُؤسس والحسم؛ في مقابل شقيقتها كريستين التي انسحقت أمام زوجها حاد الطباع إلياس (جان بول حاج) لكي تضمن الحد الأدنى من المناخ الهادئ لتربية طفلتيها، بما سينتهى إليه ذلك من سعادة ريتا رغم مغامرة الشتات، وبؤس كريستين رغم الاستقرار.

تتنوع الموضوعات المطروحة على مائدة الغداء، فتتغير الأدوار بين الحديث والطعام، ويصبح الطعام مجرد فاصل هروب بديلا عن صدام الآراء. مع كل موضوع جديد، يظن المُشاهد أن الفيلم حول جدلية الصراع حول قضية بعينها، لكن مع الفصل الثاني للفيلم يتضح أن كل موضوع عام تم طرحه قد فجر أزمة خاصة لدى فرد أو ثنائي من الجالسين. يتضرر الأب أنطوان (وسام بطرس) من نقد الأبناء لسوء الخدمات في الدولة وفساد السياسيين، وتعضد الأم وجهة نظره المحافظة، حيث يرتبط الأب بمصالح مباشرة مع البلدية. كما تتضرر من الموضوعات الطائفية ليلى (ليتسيا سمعان) صديقة الابن سيرج (نديم أبو سمرة) التي تدخل البيت لأول مرة بغرض التعارف. على نفس المنوال، يظهر من تشعب الموضوعات حول السياسة والطائفة وحرية الإرادة الإنسانية والتغيير فجوة تفاهم كبيرة بين الجميع، سواء بسبب اختلاف الأجيال أو بسبب اختلاف المنطلقات بين الجيل الواحد.

أول ما يلفت الانتباه من عناصر إبداعية في «غداء العيد» هو روعة أداء الممثلين، فبرغم كون عدد منهم يقف أمام الكاميرا لأول مرة لكن الجميع منذ الدقائق الأولى جعلوا المشاهد يصدق أنهم عائلة واحدة تجتمع بعد افتراق طويل. يتألق من بين الممثلين جان بول حاج وفرح شاعر، إذ جمعتهم كاميرا لوسيان بورجيلي في مشهد طويل يتبادلان فيه الاتهامات على خلفية موضوع السرقة المزعوم الذي ظهر فجأة، فكانت تلقائيتهما وطاقتهما أكبر داعم لتحويل ذلك المشهد إلى مشهد رئيس في الفيلم يمثل نقطة ذروته، ويتضح منه حِرَفية بورجيلي في توجيه ممثليه، فلم يكن من السهل أبدا أن يحفظ الممثلون كل هذه المحاورات الطويلة، أو أن تتم مقاطعتهم لحديث بعضهم البعض بتلك السلاسة لولا اعتماد آلية المرونة وفهم النص جيدا، ومن ثمّ يُمكن ارتجال الحديث بما يعبر عن مفردات النص وروحه. كما برز جهد مدير التصوير أحمد الطرابلسي إلى الحد الذي يظن فيه المشاهد أنه يجلس مع عائلة أنطوان على مائدة الطعام، خاصة مع ضيق الحيز، وأهمية الاستعانة بفريق مساعد قليل لكي لا يخرج الممثلون عن تركيزهم.

منزل أنطوان أو المكان الواحد الذي تدور فيه الأحداث لا يكاد المشاهد يشعر فيه بأي درجة من التملل، فحركة الكاميرا الرشيقة، والقطعات السريعة المتتالية، والبناء الدرامي الذكي والمحكم تحبس أنفاس المتلقي طول دقائق عرض الفيلم التسعين. بما يتضح منه أن الخلفية المسرحية للمخرج لوسيان بورجيلي لعبت دورًا إيجابيا بما يتسق مع طبيعة هذا الفيلم، وربما مشهد المسرحية المرتجلة بين ريتا وجابي (حسين حجازي) جاء تحية لفن المسرح، إلى جانب كونه مشهدا تنتقل من بعده الأحداث إلى فصلها الثاني.

إيثار الجميع ابتلاع اختلافاتهم إلى جوفهم مع ما يتناولون من الطعام، لم يمنع الصدام العنيف عندما طرحت الأم موضوع سرقة مبلغ من المال. حيث أخذ موضوع السرقة الصراع إلى فصل جديد، امتد لبيان آراء كل نقيض في الآخر، بأسلوب عربي أثير يقوم على التخوين وتراشق الاتهامات وشخصنة المواقف بما يتخذ طابعا فضائحيًا، حاولت الأم (الجيل القديم) كبحه/ تأجيله مرارا، لكن الأبناء اليوم يرفضون التهدئة ويرونها بمثابة تواطؤ سيجلب مزيدًا من المشاكلات مستقبلا، لنجد أن طريقة الاختلاف بين أسرة أنطوان تعكس كثيرًا من آفات الثقافة العربية اليوم، وليس ثقافة الطائفة أو ثقافة المجتمع اللبناني فحسب.

مع احتدام الصراع حول معرفة السارق توارى موضوع السرقة إلى الخلفية، فقد كانت قضية السرقة منصة انطلاق لكثير من الصراع المستتر بين الشخصيات، وفرصة لفتح كثير من الموضوعات المسكوت عنها؛ بالضبط مثل أغلب الخلافات العربية، في كافة أبعادها الإنسانية والاجتماعية والسياسية ليست شيئًا سوى مجرد مسكوت عنه ينتظر دائما الانفجار في وجه الجميع.