loading...

مقالات

عمرو هيبة

عمرو هيبة


تعرفت على الفنان عمرو هيبة في بداية عقد الثمانينيات، عندما كنت طالبا في كيلة العلوم جامعة الإسكندرية. كان زميلي في الكلية، ويصغرني بعامين. كلما دخلت كافيتريا الكلية وجدته جالسا في أحد أركانها وحوله مجموعة من الطالبات الجميلات، بينما هو منهمك في الرسم في "كراسة الإسكتشات" التى لم تفارقه طوال حياته، والتي رسم بها آلاف الإسكتشات التى تحول للوحات فيما بعد، أو ظلت كما هي تؤرخ لتلك اللحظات، لذا تعتبر "كراسة الإسكتشات" أدق مؤرخ لرحلة عمرو هيبة وتحولاته.

(2001) Elsayab_08


بدأ عمرو الرسم، كما يقول، بداية من "ستة ابتدائي" وحتى الآن، لا يطلع نهار ليوم بدون رسم، ما عدا بضعة أيام دخل فيها المستشفى لإجراء عملية جراحية، تلك الأيام من "التواريخ المفقودة" من رحلة حياته مع الفن.


كانت لعمرو هيئة "الفنان"، في هذا الوقت المبكر من العمر، الذي يسير بخطى ارتجالية في حياته، مع قليل من البوهيمية الجميلة التى ليس لها مركز مؤلم داخلي، بل متفتحة وغافلة عن مواجهات الحياة، ومستلقية بكاملها في حضن الفن و"كراسة الإسكتشات". كان له شعر طويل للغاية، ربما لم يكن يقوم بتسريحه أبدا، ولكن له شكل كان يؤكد بوهيميته.
 
                                               ***
في زيارتي لمعرضه المقام حاليا في وكالة بهنا بالإسكندرية،  أول ما ذكر، عندما سألته عن الفنان سيف وانلي، الذي ذهب إليه عمرو في مرسمه عام 1976 ليتعلم على يديه الفن، وهو لا يزال في الرابعة عشرة من عمره؛ أول  ما ذكر هو وصفه لسيف وانلي، بأن شعره طويل جدا. هذه العلامة الجسدية، ربما كانت إحدى علامات الفنان، والتي أورثها سيف وانلي للكثيرين.

(2001) etchings_1_1


عندما سألت عمرو عن سيف وانلي وكيف تعلم منه، قال ما معناه بأن تعلُّم الفن على يد سيف لا يعني سوى أن تجلس في حضرته وهو يرسم. وأضاف أنه لو أراد أن يطلع سيف وانلي على

"كراسة الإسكتشات"، حينها لو لم يقم عمرو بقلب الصفحة، سيظل سيف شاخصا بعينه فيها دون أن ينبس بكلمة إطراء أو غيرها.


يصف مرسم سيف وانلي الواسع، بأن اللوحات كانت من الأرض للسقف، وهي إحدى أماني الفنان أن يعيش مع عالمه ويراه متجسدا بكل شخوصه ورموزه على جدران بيته، كأنها قصة حياته التى يرسمها المصري القديم داخل مقبرته. "كان سيف وانلي يمتلك نوعا غريبا من التجريد" هكذا يصف عمرو بإعجاب تجربة أحد البوهيميين، والمعلمين الكبار في حياته وفي حياة الكثيرين.
 
                                                   ***
من إحدى رسومات " كتاب الإسكتشات"، هذا الذي سيلازمه طوال حياته؛ ستختار الكاتبة الراحلة أروى صالح إحداها لتكون غلافا لكتابها "المبتسرون". تم الاختيار من طرفها للطبيعة الرمزية التى تسم رسوماته، وهو ما جذب أروى ووجدت فيها علاقة بكتابها الذي يتحدث عن جيل السبعينيات وهزائمه وطرائق حبه وسقوطه.
 
                                        ***
ستظل علاقة عمرو بالكتابة والحروف قائمة، ففي معرضه الحالي الذي يضم مجموعة من لوحاته المنفذة بطريقة الحفر على ألواح الزنك "الجرافيك"، أغلبها يعمل على نص سابق. منها لوحات مستوحاة من قصائد للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وبعضها مستوحاة من أغنية للفنان جينيسس بعنوان "صندوق الموسيقى"، وأخرى لشاعر إنجليزى اسمه ويليام أمبسون اسمها

"تواريخ مفقودة".

(2004) The Musical Box_16


فكرة الكتابة والنصوص الشعرية جزء لا يتجزأ من لوحات عمرو هيبة الجرافيك. تأثر عمرو بأحد الأساتذة الذي درس على يديه فى ألمانيا بعد خروجه من مصر وسفره لألمانيا عام 86 لدراسة اللغة، فقد كان أستاذه يقوم بعمل رسومات توضيحية للكتاب المقدس.
                                        ***
بعد تخرجه فى كلية العلوم عام 84 يعمل عمرو لمدة ستة أشهر في شركة البتروكيماويات، ثم يتركها. وخلال هذه الفترة، وبعد وفاة سيف وانلي عام 79، وذهابه للدراسة في القسم الحر بكلية الفنون الجميلة؛ سيلتحق بمرسم معهد جوته في الإسكندرية الذي أسسه الفنان ثروت البحر. ومن هنا بدأت اللغة والمسار واللمسة الألمانية تتشعب في لوحاته. أشعر دائما بأن عمرو دائما ما يحب هذا الجو الجماعي ويدين له. هذه الصحبة الإنسانية ربما يضعها في مرتبة أعلى من الصحبة الفنية التى تستدعي التنافس والمقارنات. يقدر عمرو صداقات الفن بدون أى رغبة في التقييم.
 
                                        ***
أثناء وجود عمرو في معهد جوته لتعلم الفن، بدأ أيضا في تعلم اللغة الألمانية، والتي جاءت صدفة أيضا، وقادته لصدفة أخرى وهى السفر لألمانيا لدراسة اللغة، واستمر هناك أربع سنوات

(86 - 90). كانت تقام في معهد جوته معارض لفنانين ألمان ومصريين. في أحدها، وكان لفنان ألماني ذكر لي اسمه، أعجب عمرو بشكل الحروف والكلمات الألمانية في لوحاته، فقرر أن يتعلم هذه اللغة. ومن بعدها قلما يتخلى عن الحروف والكلمات في لوحاته الجرافيك أو الزيتية.

(1999) Elsayab_09


كل شيء يحدث له بالصدفة وبدون تخطيط، يقول عمرو هذا ويؤكده، وربما يحاول دائما أن يقنعني بهذا، ولكن ربما هذه الصدفة التى تقف بجواره دائما وتقود خطوات حياته هي أيضا رغبة كامنة في مستوى لا يلحظه عقله ولا ترصده شاشته، بل ترصده شاشة حدسه.
 
                                          ***
خلال تاريخ صداقتنا، دائما ما يحدث بيننا صدامات مكتومة، بسبب أني أقوم بتعقيد وفلسفة الأشياء فوق ما تحتمل، كما يرى هو، بينما هو يأخذ جانب "الصدفة"، صاحبها ونصيرها والمروج لها في حياتنا، ولا يقيم وزنا للفلسفة لأنها تعقد الأشياء، والأشياء أصلا بسيطة. وهو يرى، أيضا، أن أعماله الفنية بسيطة جدا لا تحتاج لكل هذا التعقيد من الشرح أو التفسير مني أو من غيري.
حدث هذا كثيرا فى أغلب معارضه العشرين التى حضرت معظمها، وحدث أخيرا، منذ يومين، وأنا أتحاور معه حول معرضه الحالي. كل شوية يؤكد أن "الموضوع بسيط"، لو حاولت أن أفسر شيئا في لوحاته.

(2005) etchings_23


"ولكن يا عمرو كل لوحاتك مليئة بالرموز والكتابات، والرموز تعني أن هناك عالما آخر ترمز إليه لم تسعه اللوحة، خافيا وراءها، وأن هناك نصا آخر أردت أن تضمنه لوحاتك، وهذا يعنى أنك تريد أن تحضر هذا العالم، وتحضر أكثر الرموز دلالة عليه. مثلا يا عمرو  لعب الأطفال التى تنتشر في لوحاتك الزيتية، كلها بالنسبة لى ترمز لطفولتك النفسية التي تم حصرها في هذه اللعب. أرى يا عمرو في عرائس طفولتك وألعابها تسريبا لحس نفسي، ربما يميل للفرويدية، يريد أن يقول من ورائه شيئا، اعترافا ما، شبقا ما"، قلت له.
 
                                   ***
عمرو هيبة، أيضا، في مظهره وكلامه وارتجاليته، يريد أن يكون بسيطا، أو يصطنع هذه البساطة، كما يصف لوحاته تماما، ويسخر من أى تعقيد لأي شيء، ولكني دائما أرى سطحا آخر في شخصيته لا يريد أن يكشفه، كما هناك سطح آخر وعالم آخر وراء رموز لوحاته. أرى بساطته معقدة.
 
                                          ***
 
عندما سألته عن عدم وجود الفراغ في لوحاته قال إن لوحاته ليس بها زمان أو مكان. يعنى أنها ذات سطح واحد، وليس هناك منظور لها. ربما هذا السطح الذي يحشر فيه الأبعاد كلها يتحول إلى سطح رمزي يقترب من شخصية عمرو نفسها، سطح بسيط ذو بعد واحد، يحشد فيها تفاصيل عوالمه الداخلية الخبيئة وأبعادها ومنظوراتها، فيتوتر هذا السطح باستمرار من قوة التجاذب بين عناصره العديدة المستدعاة.
                                           ***
بعد عودته من ألمانيا عام 1990، وبعد قضاء أربع سنوات هناك، عاد ليعمل فى الأرض الزراعية التى تملكها عائلته في كفر الدوار. ونقل مرسمه هناك. كنت أرى شجاعة في هذه النقلة، وأرى فيه اتساقا مهما، وأن زمن الفنان المتفرغ شيئا أصبح غير مجد، لا لشيء، ولكن لأن مفردات الحياة الخاصة أصبحت لا تثير الهمة والإلهام وهناك أهمية لوضع ذات الفنان في تحد جديد قد يهلكه أو يحييه. واجه عمرو هذا التحدي بقوة، بين عالمين: عالم الفن برموزه المجردة، وعالم الأرض والزراعة وبكل ما يحتويه من مادية وتفاصيل.
عندما فتحت معه موضوع الأرض والريف وعلاقتهما بأعماله الفنية. وتبعا لسوء الفهم الدائم منه تجاهي وفي تفسير كلامي، بوصفي كاتبا وأتعامل بالرموز الأدبية الرومانسية، رد بسرعة

"يا علاء.. الريف دلوقتى مش زى مانت فاكر، ده كله عشوائيات وبلطجية". كان هذا هو قصدى بالضبط، أن اختياره للعيش في الريف به تحد، فهو ليس الريف الرومانسي للاتساق مع الذات. عندها اطمأن لنظرتي وبدأ يسرد خصوصية الريف والأرض والزراعة، في حياته.
 
                                            ***
أثناء تجولنا في المعرض توقف عند إحدى اللوحات، وقال شارحا إنها  تجسد روح قصيدة كئيبة لشاعر إنجليزي اسمه وليام أمبسون اسمها "تواريخ مفقودة"، وعندما سألته لماذا اخترتها وهي كما تقول كئيبة؟ قال إنه بدأ يشعر بتقدم العمر الذى تجسده القصيدة، ونطق بيتا في القصيدة بالإنجليزية:
The waste remains, the waste remains and kills
"ستعيش النفايات، ستعيش النفايات وتقتلنا"
ثم بحثت بعدها، عند كتابتي للمقال، عن فكرة تقدم العمر الموجودة في القصيدة، فلم أجد أقوى من هذا البيت:
Slowly the poison the whole blood stream fills.
"ببطء يملأ السم مجرى الدم".
 
التقدم في العمر، بالنسبة لعمرو هيبة، مثل السم الذي يملأ مجرى الدم، كشكل قديم من أشكال الإعدام التى انتهت. ربما لم يقصد هذا، ولكن هذه الصورة قفزت إلى رأسي.
 
                                           ***
 
هذا المقال تحية تأخرت كثيرا لفنان وصديق لم يفقد مثابرته ولم يفقد كثيرا من روحه البوهيمية التى أعجبت بها، ولا أزال، عندما رأيته للمرة الأولى في كافيتريا كلية العلوم، ومن حوله ربات الجمال في الكلية يتحلقن حول هذا الفنان البوهيمي.
......................................................
اللوحات المصاحبة للمقال من معرض "مختارات الفنان عمرو هيبة" المقام حاليا بوكالة بهنا بالإسكندرية.