loading...

ثقافة و فن

سيد درويش.. فنان الشعب الذي رحل في سن الـ30 بسبب مخدر المورفين

سيد درويش

سيد درويش



ملخص

حياة قصيرة عاشها إلا أنه ابتعث خلالها نهضة موسيقية عربية، رغم أنه كان معروفًا عنه شغفه بالغواني وفتيات الليل ومنهم "جليلة أم الركب"، وكذلك شم الكوكايين، ووفاته ما زالت لغزًا كبيرًا.

سيد درويش.. فنان الشعب، وباعث النهضة الموسيقية العربية، أحد أهم الموسيقيين العرب على مدى التاريخ، كان يُخفي تحت عمامته ثورة غاضبة قلبت كل الموازين في الأسلوب التقليدي للغناء في عصره، كان هدف الموسيقى المصرية قبله الطرب فقط، ولكنه جعل منها مهنة أكبر وأهم، فقد استخدمها في الجهاد الوطني والإصلاح الاجتماعي، وشارك في حث الجماهير على الثورة ضد الإنجليز عام 1919، وقدّم للموسيقى والفن المصريين الكثير رغم قصر عمره ووفاته التي لا تزال لغزًا كبيرًا.

ولد السيد بن درويش البحر يوم 17 مارس 1892 بمدينة الإسكندرية، لأسرة متوسطة الحال، التحق وهو في الخامسة من عمره بأحد الكتاتيب ليتلقى العلم ويحفظ القرآن، وبعد وفاة والده وهو في السابعة من عمره، قامت والدته بإلحاقه بالمعهد الديني بالإسكندرية عام 1905، أحب الموسيقى منذ صغره، وكان يردد مع أصدقائه ألحان الشيخ سلامة حجازي، والشيخ حسن الأزهري، رواد المسرح الغنائي في مصر، التي كانت منتشرة في تلك الفترة.

بدأ يجرب حظه في الغناء والإنشاد في المقاهي، وعمل مع إحدى الفرق الموسيقية لكنه لم يستمر، فاضطر للشغل عامل بناء ليعول أسرته، بعد أن تزوج وهو في السادسة عشرة، لعبت الصدفة دورها فى حياته عندما سمعه الأخوان أمين وسليم عطا الله وهما من أشهر المشتغلين بالفن في ذلك الوقت، وقررا أن يصحباه برفقتهما في رحلتهما الفنية إلى الشام عام 1908، وهناك تعرف على الشاعر الملا عثمان الموصلي، الذي أعجب بموهبته وقرر أن يرعاه فنيًا، فحفظه التواشيح وعلّمه الكثير، بعدها عاد "درويش" إلى القاهرة وظل فترة من الزمن يتنقل بين عمل وآخر حتى تعاقد معه الأخوان عطا الله، وأصبح فردًا من فرقتهما الموسيقية وبعدها بأربع سنوات عاد "السيد" إلى الشام مرة أخرى، وبقى فيها لمدة عامين حتى أتقن فن العزف على العود، وتعلم كيفية كتابة النوتة الموسيقية، فبدأت موهبته في الظهور، وكانت هذه هي نقطة الانطلاق الحقيقية في مسيرته.

مع عودته لمصر؛ بدأت أغاني وألحان "درويش" في الانتشار عام 1914، وكان أول ألحانه التي قام بتأليفها "يا فؤادي ليه بتعشق"، ودعاه الشيخ سلامة حجازي، للانتقال إلى القاهرة والعمل مع فرقته المسرحية، واتفق معه على الغناء بين الفصول، لكنه لم يلق ترحيبًا من الجمهور، فقرر العودة إلى الإسكندرية، وفي عام 1917 عاد مرة أخرى إلى القاهرة، بعد أن صقل موهبته أكثر، حيث أعجب به هذه المرة الجمهور، ولمع نجمه أكثر وزادت شهرته بعد أن قام بتلحين كل روايات الفرق المسرحية في شارع عماد الدين أمثال فرقة "نجيب الريحاني، جورج أبيض، علي الكسار"، وبات في سنوات قليلة الملحن الأكثر شهرة في مصر.

يعد "درويش" من أوائل الفنانين الذين ربطوا الفن بالسياسة والحياة الاجتماعية، وتفاعل "السيد" مع ثورة الشعب المصري ضد الإنجليز عام 1919، حتى ردد البعض بأن الثورة كان لها زعيمان "سعد زغلول، وسيد درويش"، وقام بتلحين أغنيته الوطنية الشهيرة "قوم يا مصري"، والنشيد الوطني المصري "بلادي بلادي" الذي اقتبس فيه بعضًا من كلمات الزعيم الراحل مصطفى كامل، وأيضًا أغنية "أنا المصري كريم العنصرين"، واستطاع أن يقدم ألحانًا تعالج هموم المجتمع وقتها، ومنها مشكلات الطبقة العاملة، وطبقة الحرفيين والبسطاء، حيث نجح في إلهاب المشاعر الوطنية، وأغاني الإصلاح الاجتماعي، ومنها أغنية "الحلوة دي" التي غناها تضامنًا مع الحرفيين والفئات العاملة بالمجتمع.

تنوعت ألحان "درويش" واختلفت مقاماتها وقوالبها وقد كان هذا سبب تميزه وتفرده، وقدّم رغم حياته القصيرة عشرة أدوار واثني عشر موشحًا، كما لحّن عشرة أوبرات، وقدّم أهازيج وأناشيد وأغاني وطنية نجحت نجاحًا كبيرًا، ووصفه عباس محمود العقاد في مقال له بصحيفة "البلاغ"، سبتمبر 1925، بـ"إمام الملحنين ونابغة الموسيقى المفرد في هذا الزمان"، وقال عنه سعد زغلول إنه كان زعيمًا وطنيًا لأنه عبّر عن آمال الناس وطموحاتها، وقال عنه محمد عبد الوهاب إنه "الأستاذ الأكبر"، وعلى مدى عمره الفني القصير، قدّم "درويش" 250 لحنًا وأكثر من 25 مسرحية غنائية، ومن أشهر ألحانه: "أنا عشقت، عشقت حسنك، يوم تركت الحب، يا شادي الألحان وأهو ده اللي صار".

ويروى عن سيد درويش أنه كان بوهيميًا، حيث يعيش فوضى ليس لها مثيل، فكان يأكل أي شيء، وفي أي مكان، وكان يصوم أيامًا فلا يأكل ولا يشرب، ويختفي فلا يعرف له أحد مستقرًا، وكان مختليًا بنفسه في قهوة على ضفة النيل ليتم تأليف لحن من ألحانه بينما كان بيته غاصًا بأصدقائه ومعارفه، وكان ينام وينام ثم يسهر ويسهر، فلا ضابط لنومه أو سهره.

عشق أفاد الفن

وحسب عبد النور خليل، في كتابه "المعمون في الطرب"، الصادر عن دار الهلال، أنه "كان معروفًا عنه شغفه بالغواني وبنات الليل ومطربات الصالات، وكان يختار حبيباته وعشيقاته ضخام الجثة عريضات الصدور راسخات الأعناق، كذلك النوع الذي كان يفضله السلطان عبد الحميد في إسطنبول، ويسميه على سبيل المداعبة «بقرات أرمينيا»، ومن هذا النوع عشق جليلة أم الركب، إحدى غواني الإسكندرية، وبث في هواها أروع الألحان مثل: «أنا هويت وانتهيت وليه بقى لوم العزول»، و«ضيعت مستقبل حياتي في هواك» و«زروني كل سنة مرة».

وفي القاهرة انصرف إلى أكثر من مطربة ممن عملن معه بطلات لأوبريتاته الغنائية مثل حياة صبري، وأجرى الكاتب الراحل يوسف الشريف لقاء نادرًا معها، بعد أن هجرت الأضواء، أشار إليه في كتابه "مما جرى في بر مصر"، الصادر عن دار الشروق، وكشفت خلاله أنها تزوجت سيد درويش بعقد عرفي في أواخر أيامه، ووصفته قائلةً: "كان عقله سارح دايما، وكريم جدًا، يأخذ عربون الأوبريت 100 جنيه، ويسهر أصحابه معاه ويصرف عليهم كل المبلغ في ليلة واحدة، كان وجيه زي القمر وشهم ويكره الوحدة زي العمى"، وبحسبها أيضًا فإن "سيد كان ساعات بيشم كوكايين.. لكن لكى يستطيع السهر لما يكون عنده شغل مش عشان المسخرة، ولما قرف من الكوكايين طلقه بالثلاثة وكان دايما يغنى مونولوج «شم الكوكايين خلاني مسكين».

لغز الوفاة

وفي ظروف غامضة ومفاجئة؛ رحل سيد درويش، عن عالمنا، في 15 سبتمبر 1923، وهو في ريعان شبابه وذروة عطائه الفني عن 30 عامًا فقط، وبعدما ظلّت الرواية الأشهر لوفاته أنه رحل إثر تعاطيه المخدرات وإدمان الخمور؛ نشرت جريدة "الأهرام" في ديسمبر الماضي، تحقيقًا تُشير فيه لمقتل المطرب بالسم ومخدر المورفين، وذكرت أن "جريدة السياسة المصرية نشرت خبر الوفاة في يوم 17 سبتمبر عام 1923، أي بعد يومين على الوفاة، وحُمل جثمانه بسرعة إلى مثواه الأخير قبل أن يشعر أحد بموته، حيث دُفن في مقابر المنارة بالإسكندرية، وكُتب على قبره: يا زائري لا تنسني من دعوة صالحة.. وارفع يدك إلى السما واقرأ لروحي الفاتحة".

الشهادة الأولى حول الوفاة، ذكرتها حياة صبري، حيث قالت للصحفي يوسف الشريف، إنه "كانت هناك إحدى العائلات الثرية في الإسكندرية، وقدّم أحد أبناء العائلة للشيخ مطربة كان يحبها لتدريبها على الغناء، ولم يعجب درويش بصوتها فقالت الفتاة لحبيبها إن الشيخ سيد يغازلها، وعلى الفور قام الشاب بدعوته على العشاء ووضع له مخدر المورفين في الشراب ليموت بعدها".

لكن محمد حسن درويش، حفيد سيد درويش، نفى رواية "حياة"، قائلًا إنها "كاذبة"، مؤكدًا أن جده لم يتزوجها، ولم يُدفن سرًا، ولكن تم التعتيم على وفاته من الحكومة والاستعمار حتى لا تلتهب مشاعر الجماهير وتزداد ثورة الشعب، ولم يسر في جنازته إلا أقاربه وجيرانه، مؤكدًا أن "من قتله هو الاحتلال الإنجليزي عن طريق إحدى الأسر الصديقة لسيد درويش والخائنة للوطن ولسيد درويش، والتي تم إغراؤها بالمال، حيث أعدوا له عشاء بمناسبة الانتهاء من لحن استقبال سعد زغلول، وتم دسّ السم له في الطعام، وبمجرد عودته إلى المنزل وافته المنية ولم تتمكن الأسرة من إسعافه"، موضحًا أنه "نظرًا لشكوك الأسرة والمحيطين طالبوا بإخراج الجثمان وإعادة تشريحه لمعرفة سبب الوفاة، فامتنعت السلطات ورفضت تنفيذ هذا الطلب، لتأكدهم من دس السم له وخافوا من افتضاح الأمر".

ووفقًا لكتاب "سيد درويش" لمحمد محمود دوارة، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، أنه "بينما كان سيد درويش في زيارة إلى الإسكندرية، وخطر له أن يزور إحدى صديقاته في منزلها، وعندها شرب حتى الثمالة، وكان قد زار طبيبه قبل ذلك وحقنه بحقنة قوية التأثير على القلب يحتاج متعاطيها إلى الراحة فشعر ببعض التعب وخرج مستئذنًا، حيث عاد إلى منزل شقيقته في محرم بك، وعند الفجر صعدت روحه إلى بارئها".

تلك الروايات وغيرها، ولا تزال حقيقة وفاته غامضةً، وفي كل الأحوال، رحل "درويش" منذ ما يقرب من قرن، لكنه ترك وراءه كنزا وتراثا فنيا عريقا، ما زالت تفخر به اﻷجيال حتى الآن.