loading...

ثقافة و فن

يحيى شاهين.. «سي السيد» بطل ثلاثية نجيب محفوظ الذي صنعته «الست»

يحيى شاهين

يحيى شاهين



ملخص

بدأ حياته بالعمل في مصانع الغزل والنسيج بالمحلة، ثم رفض واقعه ليعمل في مسرح الأوبرا، ويُقدّم عدة أعمال مسرحية، ثم تختاره "أم كلثوم" ليقف بطلًا أمامها مقابل 150 جنيهًا، قبل أن يُقدم أهم أدواره من خلال "الثلاثية".

يحيى شاهين.. يعد من الفنانين الذين تركوا بصمة خالدة في تاريخ السينما المصرية، المنتمي للجيل الذهبي في الفن المصري، وصاحب كاريزما خاصة جعلته يبدع ويتألق في شخصيات كثيرة أبرزها "سي السيد"، التي قدّمها في ثلاثية نجيب محفوظ، وتظل صورة تلك الشخصية المهيبة، ونبرة صوته، وهو ينادي زوجته "أمينة" فترتعد فرائسها، هي الصورة الأقرب للنجم في مخيلة الجمهور، والدور المحفور في ذاكرة السينما كأنها شخصيته الحقيقية، ولكنك عندما تقف أمام حياته الخاصة تجد أنه ليس كذلك.

482256798

هو يحيى يحيى حسن شاهين، المولود في 28 يوليو1917، في ميت عقبة، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة عابدين، وفيها شارك في فريق التمثيل، وظهرت موهبته وترأس فريق التمثيل بالمدرسة، فقد والده وهو في عمر العاشرة، وكانت فترة عصيبة في حياته، فحاول مساعدة والدته وعمل في مطبعة لجمع الحروف ليلا، وصباحا يذهب للمدرسة، ولاحقًا حصل على شهادة دبلوم الفنون التطبيقية قسم النسيج من مدرسة العباسية الصناعية، ثم حصل على بكالوريوس في هندسة النسيج، وعُيّن في شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى.

حب شاهين لوالدته غير مجرى حياته، فبعد تخرجه في الفنون التطبيقية 1935 تم تعيينه في المحلة الكبرى، ولكن كانت والدته مريضة في تلك الفترة، فقرر أن يرفض الوظيفة حتى لا يرهق والدته، وفضل البقاء معها، وعندما ذهب ليعتذر عن الوظيفة، كان أدمون تويما مدير مسرح دار الأوبرا الملكية موجودا بالصدفة، وعندما رأى يحيى عرض عليه العمل في مسرح الأوبرا، فوافق على الفور.

387f82f010e407c31471b654ad2440af

ودفعه ولعه بالتمثيل لعدم الالتحاق بالعمل، لينضم إلى جمعية "هواة التمثيل"، حيث التقى أستاذه بشارة واكيم، الذي كان مديرًا للمسرح في دار الأوبرا الملكية، وقد أُعجب بموهبته، واقترح عليه أن يتقدم للفرقة القومية للتمثيل التي تطلب وجوهًا شابة، غير أن فرص التمثيل على المسرح لم تتحقق لموسم كامل، إلى أن عرف أن الممثلة فاطمة رشدي، تؤسس فرقة جديدة وأنها بحاجة إلى وجه جديد فتقدم بالأداء، وأعجبت جدًا بتمثيله فاختارته لدور الفتى الأول في فرقتها خليفة لفتاها الأول أحمد علام الذي انضم إلى الفرقة القومية التي قد تركها يحيى.

وبدأت هنا رحلة يحيى بالمسرح حيث أدى أدوارًا أولى في مسرحيات "مجنون ليلى" و"روميو وجولييت"، وختم حياته المسرحية بمسرحية "مرتفعات ويزرينج"، ليبدأ مسيرته السينمائية التي كان لها نصيب الأسد في مشواره الفني، وكانت إطلالته الأولى في فيلم "دنانير" عام 1939، مع كوكب الشرق "أم كلثوم"، حيث قدّم دورًا ثانويًا لا يُذكر.

41490-2014-08-19_00033

بعد مشاركته أم كلثوم في الفيلم، وبينما كانت تصور "سومة" فيلم "سلامة"، عام 1945، مع حسين صدقي حدث خلاف بين الأخير والمخرج، فترك حسين صدقي العمل وبحثوا عن بطل آخر، فاقترحت أم كلثوم اسم الوجه الجديد يحيى شاهين، وبالفعل وقع يحيى عقد الفيلم بأجر 150 جنيها، وكان الشاب شاهين في قمة سعادته لأنه سيقف أمام أم كلثوم، فهي فنانة شهيرة إضافة للأجر الذي يعتبر كبيرا مقارنة بأجور المسرح.

وطلبت كوكب الشرق من منتج الفليم أن يأخذ نفس الأجر الذي كان سيتقاضاه النجم حسين صدقي، فكان رد المنتج أن الأخير نجم فكان أجره 600 جنيه لكن شاهين ما زال شابا صاعدا، فجاء رد "سومة" حاسما أن شاهين يجب أن يأخذ نفس أجر حسين صدقي فهو يلعب نفس دور البطولة، وإلا لن تكمل أم كلثوم الفيلم، وأمام إصرار الست لم يجد المخرج حلا إلا أن يرفع أجر شاهين إلى 600 جنيه.

انطلق شاهين في مشواره الفني، وترك علامات بارزة، من بينها تجسيده دور مؤذن الرسول بلال بن رباح في فيلم "بلال مؤذن الرسول"،، وأحمد عبد الجواد تلك الشخصية التي جسدها في الثلاثية "بين القصرين"، و"قصر الشوق"، و"السكرية"، ولمعت أدواره في أفلام "جعلوني مجرما"، "لا أنام"، "أين عمري"، "رجل بلا قلب"، "شيء من الخوف"، "الإخوة الأعداء"، "سيدة القطار"، و"ابن النيل".

1280x960

كان "شاهين" جارًا لنجيب محفوظ وكان الأخير يُلقي عليه التحية في الصباح الباكر كل يوم باعتباره "سي السيد"، وكان الفنان محمود مرسي قد جسّد الشخصية في مسلسل تليفزيوني، وحينما سُئل من أدى الدور أقوى فقال: "بالطبع يحيى شاهين، فأنا كنت أبحث عن مفردات وملامح الدور قبل تجسيده، أما يحيى فكأنما الشخصية هي التي ذهبت إليه وكأنها مكتوبة خصيصًا له"، حسب الناقد طارق الشناوي.

امتدت مسيرته الفنية من 1940 حتى 1993، قدّم خلالها ما يزيد على 100 فيلم للسينما المصرية، وقام بإنتاج بعض الأفلام في شركته، وجسد دور المسلم المثالي في أفلام دينية وعصرية عديدة، وحصل على العديد من الجوائز منها عن دوره في فيلم "ارحم دموعي"، والثانية عن فيلم "جعلوني مجرما"، ثم عن "نساء في حياتي" من مؤتمر فينيسيا الدولي، وجائزة من جمعية كتاب ونقاد السينما المصرية، وشهادة تقدير من مهرجان القاهرة الدولي سنة 1987، ووسام الجمهورية من الرئيس عبد الناصر.

شخصية السيد أحمد عبد الجواد في "ثلاثية" الأديب نجيب محفوظ كانت بعيدة كل البُعد عن طبيعة الفنان يحيى شاهين الواقعية؛ فلم يكن عنيدًا أو متسلطًا أو يسعى لفرض سيطرته على المرأة التي يرتبط بها، ولذلك لم يتردد كثيرًا في الزواج من امرأة أجنبية تكبُره بسنوات كثيرة عقب علاقة عاطفية قوية ربطتهما.

604

الفنان الراحل تزوج عام 1959، من سيدة مجرية مُطلقة، وكان لديها طفلان، وبعد أن أنجب منها ابنتين، قررا الانفصال وأنهيا ست سنوات من الزواج لاختلاف طباعهما، ولكن طليقته أخذت ابنتيه وسافرت بهما إلى المجر، فأُصيب بإحباط شديد وعاش في عزلة كبيرة لمدة عامين.

شاهين طلب من أقاربه أن يجدوا له عروسًا أخرى تناسبه وتتفهم طبيعة عمله كفنان، وبالفعل وقع الاختيار على السيدة مشيرة عبد المنعم، وبعد فترة خطبة قصيرة تزوجا وتم عقد القران، وأهدى العروس "خاتم سوليتير" كشبكة الزواج، وأنجبا ابنة وحيدة تُدعى "داليا".

79cf1aa1159acfd06283eae911f75fcf 

وفى حديث نادر معها، أكدت السيدة مشيرة أن يحيى لم يكن أبدًا "سي السيد" الذي ظهر في "الثلاثية"، ولكنه كان زوجًا عطوفًا وأبًا حنونًا، لا يتناول طعامه إلا إذا تأكد أنهما تناولا طعامهما، وكان صديقًا لابنته، وعلّمها كثيرا من معانى الحرية والأمل والحياة.

قبل رحيل شاهين شاهده الدكتور إبراهيم بسيونى في رؤيا، وعلى الرغم من عدم معرفتهما ببعضهما؛ فإنه اتصل بالفنان كي يبلغه بها، حيث رأى أناسا يتجمعون حول شخص هو النبي سليمان، وعندما اقترب وجده هو "يحيى"، واستغرب "شاهين" الرؤية، وتحدث للشيخ متولي الشعراوى ليُخبره بفحواها، فأكد له أنها خير، طالما بها أحد أنبياء الله، وبعدها بفترة وجيزة توفى يحيى شاهين في 18 مارس عام 1994.