loading...

ثقافة و فن

شكري سرحان.. عاشق القرآن الذي تحول إلى أفضل ممثل في القرن الـ20

شكري سرحان

شكري سرحان



ملخص

هو ابن الريف الذي تمسك بأخلاقه طوال عمله بالفن، وبدأ مشواره مع يوسف شاهين بفيلم "ابن النيل"، ثم قدّم رائعة "رد قلبي"، ورفضت فاتن حمامة وسميحة أيوب الزواج منه..

شكري سرحان.. أعظم ممثلي السينما العربية في القرن العشرين، ابن النيل، الحصان الأسود، وعاشق القرآن، أحد نجوم العصر الذهبي، النموذج المرسوم بدقة لمواصفات فتى الشاشة الأول، صاحب القوام الممشوق الدافق بالحيوية الذي لوّع قلوب المراهقات، بوسامته ورجولته وملامحه المصرية الخالصة، وكان الأوفر حظًا بين أشقائه، الذين دخلوا مجال التمثيل، وبرع في تجسيد أدوار العاشق الولهان الدنجوان الذي تنوعت أدواره ومجالاته الفنية ما بين السينما والمسرح والتليفزيون والإذاعة، وحصل على العديد من الجوائز كأفضل ممثل، ومُنح وسام الدولة.

هو محمد شكري الحسيني سرحان، المولود في الإسكندرية في 13 مارس 1925، لكنه لم يكن من سكانها فهو ابن قرية "الغار" بمحافظة الشرقية، لذا كان الريف هو المكون الأساسي لبناء شخصيته، ومنذ نعومة أظافره، عندما كان في السادسة من عمره، وهو يصلي بالمسجد، ويسارع يوم الجمعة ليستمع للشيخ محمد رفعت، وانتقل إلي حي الحلمية بالقاهرة‏، وفي مدرسة الإبراهيمية بدأت ظهور موهبته في التمثيل‏، وعندما وصل لسن الجامعة قرر الالتحاق بأول دفعات المعهد العالي للفنون المسرحية، هو وشقيقه صلاح سرحان، رفض والدهما بشدة، وخيّره إما إخراج الفكرة من رأسه أو ترك المنزل، وبالفعل ترك المنزل لثلاثة أيام، نام فيهم بمسجد السيدة زينب، حتى ثارت والدته، وتوسط جده بينه وبين والده حتى وافق، وتخرج في المعهد عام 1947، وكان له شقيقان عملا معه بالفن، هما الراحلان صلاح سرحان، وسامي سرحان، وابن عمه الفنان الكبير الراحل محسن سرحان، فضلًا عن أنه خال المطربة المعتزلة سوزان عطية.

كان أول فيلم رُشح له هو "هارب من السجن"، ولكن مخرجه استبدله بالفنان فاخر فاخر، وكانت بدايته الحقيقية في السينما مع فيلم "نادية" عام 1949، بعدها قدّمه المخرج حسين فوزي أمام الفنانة الاستعراضية نعيمة عاكف في فيلم "لهاليبو"، وقدّمه يوسف وهبي في فيلم "كرسي الاعتراف"، وشارك في فيلم "اوعى المحفظة"، كل ذلك في نفس عام انطلاقته، وبذلك بدأت رحلته من خلال عدة أدوار، حتى اختاره المخرج الكبير يوسف شاهين لبطولة فيلم "ابن النيل"، عام 1951، والذي يعتبر الانطلاقة الحقيقية له، ومنه إلى مدرسة إخراجية أخرى مع القدير صلاح أبو سيف في "ريا وسكينة"، في العام التالي، ثم إلى مدرسة ثالثة مع توفيق صالح، مقدمًا دور عجلاتي، في "درب المهابيل"، عام 1955.

ميلاده الفني كان على يد ثلاث مدارس فنية لثلاثة من كبار قامات الإخراج في مصر والوطن العربي، لينطلق شكري سرحان محصنًا بقدرات خاصة وفكر وإبداع اكتسبه، وشارك في بطولة العديد من الأفلام، ومنها: "كدبة أبريل، الناس مقامات، قلوب الناس، عزيزة، عرايس في المزاد، المجرم، عرايس في المزاد، أهل الهوى، وهبتك حياتي"، وحقق دوره في فيلم "رُد قلبي" نجاحًا ساحقًا، وكرمه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بوسام الدولة، بعدما حرص وأعضاء مجلس قيادة الثورة على حضور ليلة الافتتاح بسينما كايرو عام 1957، ونال عنه جائزة الدولة الأولى في التمـثيل عام 1959.

بالإضافة إلى الأفلام قدّم "شكري" أعمالًا إذاعية ومسرحية وتليفزيونية، ومن أهم أعماله الإذاعية مسلسل "المعدية" مع الفنانة كريمة مختار، وفي التليفزيون قدّم عدة مسلسلات منها: "الشهد والدموع، بيار الملح، ملك اليانصيب، المشربية، ينابيع النهر"، والأخير شهد أول ظهور للفنان عمرو دياب كـ"ممثل" وكمُغني للتتر، والمسلسلين الدينيين "على هامش السيرة، محمد رسول الله"، وكان للمسرح نصيب من مسيرته، حيث قام ببطولة 7 مسرحيات منها: "سيرك يا دنيا، رجال الله، آه يا ليل يا قمر".

امتدت مسيرته الفنية من عام 1949 وحتى 1994، وتنوعت أدواره بين الأدوار الكوميدية والتراجيدية، وقد وصلت أفلامه إلى مائة وخمسين فيلمًا، ما بين أفلام البطولة المطلقة والبطولة الجماعية، حتى قام بأدوار هامشية في ختام حياته الفنية، وهو ما جعله يتوقف عن التمثيل في نهاية حياته.

علاقات فاشلة ببداية المشوار

في أثناء دراسته بمعهد الفنون، عشق زميلته فاتن حمامة، في صمت أثناء الدراسة، لكنه لم يملك الجرأة لمصارحتها بهذه المشاعر، إلا أنه لم يستطع أن يقف صامتًا عندما سمحت للممثل الشاب حينها عمر الشريف، بتقبيلها في فيلم "صراع في الوادي"، عام 1954، وعاتبها، وذكرت مجلة "أهل الفن"، في عددها الثالث عام 1954، أن "شكري" قال إن "فاتن اعتادت كلما ظهرت في موقف من المواقف الغرامية على الشاشة، أن تفرض قيودًا بينها وبين الممثل الذي يؤدي أمامها هذا النوع من الأدوار، ما يؤدي لمنع الممثل من الانطلاق في أداء دوره على الوجه الأكمل، وبالأخص في المواقف العاطفية التي تحتاج إلى تمثيل مشهد قُبلة، كنا نلتمس لها العذر في ذلك، ونقول إن لها مبدأ يجب أن نحترمه، حتى خرجت علينا أخيرًا بقبلتها التاريخية الأولى، في الوقت الذي مثّلت فيه أمامها دورًا عاطفيًا في فيلم من إنتاجها (موعد مع الحياة)، وكانت فيه مواقف كثيرة تتطلب إظهار مشاهد القُبل، ولكنها كانت تمانع بشدة"، لتنتهي القصة بزواجها من "الشريف".

فشل "شكري" مجددًا في الزواج من الممثلة سميحة أيوب، بسبب رفض عائلتها، وكشفت سيدة المسرح العربي عن علاقاتها بـ"سرحان" والتي لم تتوج بالزواج، خلال أحد حواراتها الصحفية القديمة، قائلةً: "في يوم جاءني الفنان الراحل شكري سرحان وقال لي: أنا عايز أخطبك، فقلت له: اذهب إلى عائلتي، وبالفعل ذهب للقائهم، وكان معروفًا بأنه شاب جرىء، وقابلته والدتي وخالي اللذان أبلغاه بأن الرد هو الرفض، وبررا ذلك بأنه في مرحلة تكوين الذات، وخرج شكري غاضبًا، وذهب إلى صديقتي الفنانة ماجدة الصباحي، لكي تتوسط له عندي، وكانت في بداية عملها كفنانة، ولكنها لم تكن معنا في المعهد، وجاءتني ماجدة وشرحت لي كيف أن شكري مستاء للغاية من رفض عائلتي وبادرتني بقولها: لماذا لا تدافعين عن موقفه؟ فرددت عليها بأن المسألة مجرد وقت"، وبعد فترة قررت "أيوب" الزواج من الفنان محسن سرحان.

الزواج

تزوج "شكري" مرتين، الأولى من الراقصة الأرمينية هيرمين واستمرا لعامين إلا أن اختلاف الطباع بين الاثنين كان يؤكد حتمية الفشل، فطلبت منه الطلاق وهي تبكي، وطلّقها وهو يبكي أيضًا، بل وأرسل لها الورد وكلمات الحب مع قسيمة الطلاق، والزيجة الثانية كانت من خارج الوسط الفني وتُدعى السيدة نيرمين عوف، وأنجب منها ابنين هما "صلاح"، الذي عمل بالفن لفترة ثم هجره بإرادته الحرة قبل وفاته في ديسمبر عام 2014، و"يحيى"، الكاتب الذي عيُن سفيرًا للنوايا الحسنة.

في عام 2017، فوجئ الجميع بإعلان حفيدته "نشوى"، 54 عامًا، أول سيدة تجلس على مقعد العمودية في محافظة المنيا بصعيد مصر، بعد صدور قرار وزير الداخلية بتعيينها عمدة قرية حميدة الجندي، التابعة لمركز مغاغة في المنيا.

أخلاق ابن الريف

حرص طوال حياته على التمسك بالقيم والمبادئ التي رسخت بداخلها منذ الصغر، وقالت عنه الفنانة الراحلة هند رستم، في حوار نادر لها، "شكري سرحان كانت تربطني به زمالة مهنة، وأذكر له أنه بأخلاقياته وطباعه وتصرفاته، كان يشعرني بأنه الأخ الأكبر بتاع زمان وليس المودرن، كان متمسكًا بالأصول والتقاليد والقيم لأبعد الحدود، ولا أنسى له موقفًا شخصيًا معي كان فيه نعم الزميل الشهم، فحينما كنت أمثل معه في (رد قلبي) وكنا نجري بروفة لأحد المشاهد، وكنت مرتدية بدلة رقص، لأني كنت أقوم بدور راقصة، وجلست اتكلم مع الراحل عز الدين ذو الفقار عن كيفية ضبط الإضاءة، فوجئت بشكري ينادي على اللبيسة الخاصة بي ويقول لها اطلعي هاتيلها روب، وعندما أحضرت البنت الروب قلت لها مين قالك إن أنا عايزة روب؟ فقالت لي: الأستاذ شكري هو اللي قال لي، ساعتها شعرت أن شكري ليس زميلًا بل هو أخ كبير وأنني أخته، هو ده شكري برجولته وشهامته وأخلاقياته العالية، أخلاقيات ولاد البلد".

التكريم

حصل على العديد من الجوائز، أهمها جائزة أفضل ممثل عن أفلام "شباب امرأة، اللص والكلاب، النداهة، ليلة القبض على فاطمة، قيس وليلى، الزوجة الثانية"، واُختير كأفضل ممثل في القرن العشرين باعتباره صاحب أعلى رصيد من قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما العربية بعدد "15 فيلمًا" بين بطولة مطلقة وجماعية، وهي: "أنا حرة، الله معنا، ريا وسكينة، رد قلبي، اللص والكلاب، بورسعيد، قنديل أم هاشم، السفيرة عزيزة، درب المهابيل، الطريق المسدود، وراء الشمس، جسر الخالدين، النداهة، الزوجة الثانية، ليلة القبض على فاطمة، إحنا التلامذة، عودة الابن الضال، لا تطفئ الشمس، شباب امرأة، وابن النيل".

الاعتزال والوفاة

وقد قرر الاعتزال بعد سقوط آخر أفلامه «الجبلاوي» عام 1991 والذي كان ينتمي لنوعية أفلام المقاولات، وابتعد عن الأضواء واعتكف في آخر أيامه على قراءة القرآن الكريم، وفي يوم 19 مارس من عام 1997 توفى تاركًا وراءه أعمالًا خالدة.