loading...

ثقافة و فن

نزار قباني شاعر المرأة.. انتحرت شقيقته وفُجرت زوجته ومات وحيدا في لندن

نزار قباني

نزار قباني



ملخص

دبلوماسي سوري أثر بداخله انتحار شقيقته بسبب عدم زواجها ممن تحب، فتحول إلى أبرز شعراء المرأة والحب، أُطلق عليه لقب "شاعر النهود"، وتوفيت زوجته في حادث تفجير، ومات وحيدًا في بريطانيا.

نزار قباني.. شاعر المرأة والحب، الذي استطاع عبر مسيرة حياته الطويلة الغنية، وشعره، ومواقفه، وتحولاته الدراماتيكية أن يُشغل الناس، ويُحدث خلال النصف الثاني من القرن العشرين ثورةً على مستوى بناء القصيدة وموضوعاتها، وربما كتبَ معاصروه الكثير من القصائد التي لقيت استحسانًا على مستوى النقاد ومتذوقي الشعر، وربما تفوقوا عليه في خلق آفاقٍ جديدة للقصيدة العربية، غير أن واحدًا منهم لم يحظَ بالحضور الشعبي الذي حظي به "نزار"، حتى أصبحت معظم قصائده مُغنَاة، يغنيها مشاهير المطربين العرب، ويتلقفون كلماتها السلسة بإيقاعها المميز لكي يحققوا أقصى حضورٍ ممكن لدى الجمهور.

وُلد في 21 مارس 1923، في مدينة دمشق عاصمة سوريا، لعائلة أدبية تجارية، وتحدث عن المصادفة في كون تاريخ ولادته هو تاريخ بداية فصل الربيع ذاته كقدرٍ لا يمكن تجاهل دلالاته، ويرى أنه كانقلاب الفصول، وأن ولادته كانت كربيعٍ هطل على الأرض بعد جفاف، ودرس بين عامي 1930-1941 في مدرسة الكلية العلمية الوطنية التي كانت مملوكة في وقتها لصديق والده أحمد منيف العايدي، تحت الإدارة الفرنسية، مما أتاح له الاطلاع على أشعار الفرنسيين وحفظها، إلى جانب الاطلاع على التراث الشعري العربي، وتابع دراسته في جامعة دمشق في كلية الحقوق.

والده توفيق قباني كان مالكًا لمصنع "شوكولاته" وشارك في مقاومة الانتداب الفرنسي، أما أمه فقد كانت امرأة متدينة مشغولةً بالعبادات والأولياء؛ وشبِّه "نزار" الطبيعة النفسية لأمه وأبيه بـ"الماء والنار"، وعلى الرغم من تعلقه بأمه التي ميّزته عن سائر إخوته بحنانٍ خاص، فإن نار أبيه جذبته أكثر من ماء أمه، بينما الكاتب والمسرحي أبو خليل القباني هو أحد أقاربه، كان له أختان: "وصال، وهيفاء"، وثلاثة أخوة: "معتز، صباح، ورشيد".

وعلى الرغم من الفترة التاريخية الحرجة من عمر سوريا التي وُلد خلالها "نزار"، وأن ساحة بيته كانت مكانًا لاجتماع الثوار ضد الانتداب الفرنسي، فإن نزعته الجمالية احتفظت بذكرياتٍ أخرى عن طفولته، كان جمال البيت الدمشقي يسيطر على مخيلته، وحين حاول وصفه لم يجد شيئًا يشبهه به سوى "قارورة العطر"، وأكثر "نزار" من الحديث عن طفولته في مذكراته ومقابلاته، وكانت مأسته فيها هي انتحار أخته الشابة "وصال"، بسبب عدم زواجها ممن تحب، وظلّت "صورة أخته وهي تموت من أجل الحُبّ محفورة في لحمه" كما يقول في مذكراته، وكان مشهد الانتحار القاسي من أسباب تعلقه بالمرأة والحب في شعره طوال رحلته مع الكتابة.

بعد تخرجه عمل في السفارة السورية بمصر عام 1945، وكان عمره آنذاك 22 عامًا فقط، وقد أتاح له عمله الدبلوماسي فيما بعد فرصة للسفر إلى بلادٍ كثيرة، كانت تزداد فيها تجاربه ومغامراته، ونتاجه الشعري بالطبع، وأتقّن اللغة الإنجليزية على أصولها عندما عمل سفيرًا لسوريا في لندن بين عامي 1952 - 1955، وظل في عمله الدبلوماسي حتى استقال منه عام 1966، وتنقل في سفارات وزارة خارجية بلاده بين القاهرة ولندن وبيروت ومدريد، وبعد إتمام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1959 عُيّن سكرتيرًا للجمهورية المتحدة في سفارتها بالصين.

بدأ كتابة الشعر وعمره 16 عامًا، وأصدر ديوانه الأول "قالت لي السمراء" عام 1944، وكان وقتها ما زال طالبًا وطبعه على نفقته الخاصة، ثم في عام 1948 صدر له ديوان "طفولة نهد" الذي يوصف بأنه أحدث شيئًا من الارتجاج في الحياة العربية، ولقد كانت المرأة، وجسدها، ومغامراته العاطفية والجنسية معها هي الهاجس الجمالي الرئيس، الذي ملأ دواوين "نزار" منذ ديوانه الأول منتصف الأربعينيات وحتى "أبجدية الياسمين" 1988، حتى إن الناقد فؤاد دوارة خصص فصلًا في كتابه "شعر وشعراء" بعنوان: "نزار قباني.. شاعر النهود"، درس فيه التكرار اللافت لكلمة النهد في قصائده، ودلالاتها، وإيحاءاتها النفسية، كما أن الصحافة العربية لقبته بـ"شاعر المرأة".

ولقد كان مذهب "نزار" في الحب هو مذهب المتعة، إذ لا يكون الحب مصدرًا للألم والعذاب، بل مصدرًا للجمال والسعادة والنشوة، والمرأة التي يحبها في شعره جاءت متحررة تلبي رغباته، وهي نمطية وبسيطة في ذات الوقت، وبدا من شعره أنه أحب نساءً كثيرات، لكنه في الواقع يعترف بأن النساء اللواتي أثّرن فيه بالفعل لا يتجاوزن عدد أصابع اليد الواحدة مع كثرة مغامراته الجنسية والعاطفية، وتزوج مرتين، الأولى من سورية تدعى "زهرة" وأنجب منها "هدباء، توفيق، وزهراء"، وقد توفي "توفيق" بمرض القلب وعمره 17 سنة، وكان طالبًا بكلية الطب جامعة القاهرة، ورثاه بقصيدته الشهيرة "الأمير الخرافي توفيق قباني"، وأوصى بأن يُدفن بجواره بعد موته، وزوجته الثانية هي العراقية بلقيس الراوي، التي قُتلت في انفجار السفارة العراقية ببيروت عام 1982، وترك رحيلها أثرًا نفسيًا سيئًا عنده ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسم "بلقيس" وحمّل الوطن العربي كله مسؤولية قتلها، وله منها ابنان هما "عمر وزينب".

كما حمَّل "نزار" القومية العربية أكثر مما تحتمل في نظر البعض، وانتقد واقع الأمة العربية انتقادًا لاذعًا، بلغ ذروته في قصيدة "خبز وحشيش وقمر"، والتي أثارت النخب السياسية ضده، ومن ثم قصيدة "هوامش على دفتر النكسة" التي منعت من النشر في مصر في بداية الأمر، ثم سمح جمال عبد الناصر بنشرها بعد أن أرسل له "قباني" رسالة يوضح فيها ما جاء في قصيدته، وربما تكون قصيدة "متى يعلنون وفاة العرب" هي أكثر قصائده تعبيرًا عن أزمته مع هويته العربية، التي انتقد فيها العرب كعرق وتاريخ، لا كواقع فقط.

وتبقى أعماله الشعرية ضمن البصمات الأهم في تاريخ الأدب العربي والعالمي، ويكاد يكون لم يظفر شاعرٌ في تاريخ البشرية كله، بما حازه "نزار" من جماهيريّة مهولة، فحجيج الناس إلى أمسيته في القيروان، عام 1995، لم يسبقه ولم يتبعه مثيل، وله العديد من الدواوين الشعرية التي يبلغ عددها 35 ديوانًا، ومنها: "كتاب الحب، قصائد متوحشة، أشعار خارجة عن القانون، إلى بيروت الأنثى، مع حبي، أشهد أن لا امرأة إلا أنت، كل عام وأنت حبيبتي"، كما أن له عددا كبيرا من الكتب النثرية أهمها (قصتي مع الشعر، ما هو الشعر، 100 رسالة حب)، كما أسس دار نشر لأعماله في بيروت تحمل اسم "منشورات نزار قباني".

وتغنى عدد كبير من المطربين والمطربات من أشعار نزار قباني، ومن أشهرهم، السيدة أم كلثوم، والتي غنّت له قصيدتين "أصبح عندي الآن بندقية"، وذلك عقب أحداث نكسة 67، ولحنّها الفنان الكبير محمد عبد الوهاب، كما غناها أيضًا، والقصيدة الثانية كانت "عندي خطاب عاجل إليك"، والتي رثى فيها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ولحنّها الموسيقار رياض السنباطي، كما غنى له العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، قصيدتين، ولحنّهما الموسيقار محمد الموجي، وهما "رسالة من تحت الماء، وقارئة الفنجان"، والتي كانت آخر قصيدة غناها العندليب الأسمر على المسرح، والست "فيروز" غنّت له 3 أغانٍ، وهي "وشاية، موال دمشقي، لا تسألوني من اسمه حبيبي"، وكذلك نجاة الصغيرة غنّت من كلمات الشاعر الكبير 4 قصائد، وهي "أيظن، أسألك الرحيل، متى ستعرف كم أهواك، ماذا أقول له"، وجميع القصائد لحنّها الموسيقار محمد عبد الوهاب، كما ارتبط اسم الفنان العراقي كاظم الساهر، باسم "نزار"، حيث أبدع في نقل مشاعر الكلمة التي ألّفها "نزار"، وغنى عددا كبيرا من القصائد التي كتبها، وأشهرها " التلميذة، زيديني عشقا، قولي أحبك، مدرسة الحب"، كما غنّت له فايزة أحمد، قصيدة واحدة وهي "رسالة من امرأة"، والتي لحنّها لها زوجها الموسيقار الكبير محمد سلطان، وكذلك غنّت له ماجدة الرومي عدة قصائد، ومنها "بيروت ست الدنيا، كلمات، الجريدة، أحبك جدا، طوق الياسمين"، وغنّت غادة رجب قصيدة واحدة له وهي "لماذا"، وطلال مداح غنى له أكثر من قصيدة، ومنها "إني خيرتك، متى ستعرف كم أهواك، جاءت تمشي باستحياء".

نزار قباني و كاظم الساهر

آخر حوار صحفي له، أجراه معه الشاعر نوري الجراح، عام 1997، ذكر فيه أنه يشعر بأن قصائده تسافر من الماء إلى الماء، وأن له ركنًا في كل بيت عربي من المحيط إلى الخليج، ويُضيف: "ألقيت القبض على الشعب العربي من المحيط إلى الخليج، بعد نصف قرنٍ من الكتابة الشعرية، أشعر أن جمهوريتي لا تزال رافعةً أعلامها، وأن جمهوريتي تمتد على مدى ثلاثة أجيال منذ الأربعينيات حتى التسعينيات".

عاش "نزار" سنوات حياته الأخيرة في شقة بالعاصمة الإنجليزية "لندن" وحيدًا، وتوفى شاعر المرأة والحب والجمال الأشهر في الأدب العربي، هناك في 30 أبريل عام 1998، ودُفن في دمشق.