loading...

ثقافة و فن

محمد القصبجي.. مُجدد الموسيقى الذي أحيا «الست» وأماتته

القصبجي والست وعبد الوهاب

القصبجي والست وعبد الوهاب



ملخص

ظل جالسا خلف "الست" لمدة 43 عاما حتى وفاته، وكان هو صاحب انطلاقتها الكبرى، ولكنها قسّت عليه وحولته لمجرد عازف في فرقتها: "أنا هويت وانتهيت يا أستاذ"..

محمد القصبجي.. ملحن وموسيقار صاحب مدرسة خاصة في التلحين والغناء، صنع في ألحانه نسيجا متجانسا بين أصالة الشرق والأساليب الغربية المتطورة، وقد أطلق عليه النقاد وصف "زعيم التجديد في الموسيقى العربية"، حيث قدّم طوال رحلته مئات الألحان والمقطوعات الموسيقية، وأضاف للموسيقى الشرقية ألوانا من الإيقاعات الجديدة، والألحان السريعة، والجمل اللحنية المنضبطة والبعيدة عن الارتجال، كما أضاف بعض الآلات الغربية إلى المنظومة الشرقية التقليدية، وهو ما دفع البعض لوصفه بـ"الموسيقي الأفضل" بين ملحني زمانه.

Qassabji-young-with-ud-398x350

النشأة
ولد محمد أحمد القصبجي يوم 15 أبريل 1892 بحي عابدين بقلب القاهرة، وكان أبوه عازفا وملحنا ومدرسا لآلة العود، فنشأ على حب الموسيقى والطرب، التحق بالكتاب وحفظ القرآن الكريم، ثم انتقل إلى الأزهر الشريف، ودرس اللغة العربية والفقه والمنطق والتوحيد، ثم التحق بمدرسة دار المعلمين، وتخرج فيها معلما للمرحلة الابتدائية.

q15-www

التحول
لفترة عمل "القصبجي" بالتدريس، لكنه لم ينقطع عن الموسيقى، وتمكن من إتقان أصول العزف والتلحين، وساعده محيطه الفني على خوض غمار هذا المجال، ثم ترك مهنة التدريس وتفرغ للموسيقى والتلحين، وكانت أول أغنية له من نظمه وتلحينه مطلعها "ما ليش مليك في القلب غيرك" وتم تسجيلها بصوت المطرب زكي مراد (والد الفنانة ليلى مراد)، وكان أحد مشاهير المطربين في ذلك الوقت.

q16-www

العود

بدأ القصبجي مشواره عام 1921 بثلاث أسطوانات منفردة لشركة "أوديون"، وفي عام 1923 سجل أربع أسطوانات لشركة "بيضافون"، وكوّن فرقته الموسيقية عام 1927، حيث ضمت أبرع العازفين في ذلك الوقت، ولم يتوقف عند الشكل التقليدي للفرقة الموسيقية العربية، بل أضاف آلة التشيلو وآلة الكونترباص، وهما آلتان غربيتان.

 

الست
في عام 1923 استمع القصبجي إلى "أم كلثوم" وهي تنشد قصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم فأعجب بصوتها، وبعدها بعام لحن لها أغنية "حلف ما يكلمنيش"، ومن تلك اللحظة انشغل أكثر في التلحين الغنائي خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققه مع أم كلثوم في منولوج "أن كنت أسامح وأنسي الأسية" عام 1928.

206405_183673595012497_1302025_n

هذا النجاح الفني الهائل واكبه حب كبير من طرف القصبجي تحدث عنه معاصروه، ولكن لم تبادله "سومة" هذا الحب، وظل قصب يلعب دور كبير في حياة أم كلثوم الفنية، على الرغم أن تلك العلاقة الإنسانية والفنية الرائعة لم تخلُ من بعض الخلافات منها تعاون القصبجي مع أسمهان وليلى مراد أثار غيرة سومة الفنية والتي تعودت أن تكون هي الصوت الذي يغني ألحانه، رغم أن أم كلثوم بدأت في منتصف الثلاثينات تتعاون مع الملحن الشاب حينها رياض السنباطي، أحد تلاميذ القصبجي.

مشاركة "أم كلثوم" في فيلم "عايدة"، عام 1942، كانت بدايةً لإقصاء مطور صوتها "القصبجي"، حيث حملته مسئولية فشل الفيلم، وأقنعته بأن ألحانه لم تعد كالسابق، لينتهى به الحال خلف "الست" يعزف على عوده ألحان غيره، وفي حوار نادر له لمجلة "الشبكة" اللبنانية، قال: "أنا هويت وانتھیت يا أستاذ، خلاص، لم يبق مني إلا أنامل جرداء، قل عني إني بقايا ملحن، بل بقايا شخص، أنا عملت ما بوسعي وخرجت بأم كلثوم في أكثر من 10 ألحان قدّمتھا لھا، ولكنها أھانتني، وعندما تُھینني فھذا يعني أحد أمرين، إما أني فاشل، وھذا رأيھا، أو أنھا رجعیة، وھذا رأيي".

31011_446270092086178_584988647_n

ورغم أنه مجدد موسيقي عظيم، وبعد رفض أم كلثوم لألحانه لأكثر من 20 عام، لم يرفض محمد القصبجي أو يستنكر يوما أن يكون عازف فقط على آلة العود يعزف لحن أحد تلاميذه كالموسيقار محمد عبدالوهاب، أو الملحن بليغ حمدي وغيرهم، فهو العاشق المتيم بحب الموسيقى، وبصوت كوكب الشرق.

طوال رحلته معها كان القصبجي يحب أم كلثوم بالفعل، ويغار عليها، فضحته خطاباته لها، فعندما سافرت للعلاج خارج مصر كان يكتب لها متلهفا عاشقا مشتاقا لسماع أخبار جيدة عن صحتها، وقائلا لها إنه يشعر بفراغ كبير في غيابها، ومعبرا عن مكنون صدره بكلمات لا تصدر إلا من محب وعاشق ولهان.

207581_183674475012409_4830830_n

الأعمال
قدم ألحانا عديدة للسينما المصرية، وكان من أغزر الملحنين إنتاجا طوال خمسين عاما، وقدم للمسرح الغنائي الكثير، منه عدد من المسرحيات لمنيرة المهدية بينها: "المظلومة"، و"كيد النسا"، و"حياة النفوس"، كما قدم للريحاني ثلاثة ألحان في أوبريت "نجمة الصباح"، ولحن أيضا الفصل الأول من "أوبرا عايدة"، الذي غنته "أم كلثوم" في فيلمها عايدة أوائل الأربعينيات، وتتلمذ على أيدي "القصبجي" في فن العزف على آلة العود كل من رياض السنباطي، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش.

الرحيل
لحّن "القصبجي" لنجوم الطرب في عصره، بدءا من منيرة المهدية وصالح عبد الحي ونجاة علي، ومرورا بليلى مراد وأسمهان، وانتهاء بأم كلثوم، حيث عشق "قصب" كما كانت تناديه، العزف على آلة العود في فرقتها ليظل بجوارها، إلى أن توفي الموسيقار الكبير في 25 مارس 1966 عن عمر يناهز 74 عاما، ودفن بالقاهرة، وعندما مات ظلت "الست" محتفظة بمقعده خاليا خلفها على المسرح، ورحل فجأة وترك هذا العالم في هدوء، بعد أن هجر التلحين لأكثر من عشرين عاما، وارتضى أن يكون فقط عازفا للعود وراء "الست" التي ظل حبيس عشقها الفني والإنساني لسنوات طويلة امتنع فيها عن الزواج بأي امرأة أخرى. 

200191_183673941679129_5106244_n