loading...

مقالات

المصباح النسائي «1»

المصباح النسائي «1»


​هل صحيح.. أن النساء هن جيوش احتياطية يستدعيها الرجال عند الطلب ووقتما يشاؤون.. وأنهم يتعمدون عزل النساء، وإلغاء أدوارهن في الحياة؟‬

وهل صحيح.. أن الصور المهزوزة والخرافية للمرأة هي مسؤولية الفلسفات القديمة والنظريات الحديثة، وأن أفكار (أرسطو) وغيره من الفلاسفة والمفكرين ما هي إلا رجومات شخصية في المرأة؟‬

وهل صحيح.. أن كثيرا من أصحاب الفهم المغلوط ظلموا المرأة، مع أن السماء أوصلتها إلى قمة إنسانيتها.. لكن الفهم المريض هو الذي هبط بها إلى الأوضاع المتدنية التي تعاني منها؟

وهل صحيح.. أن المرأة في منظور الرجل المعاصر ما هي إلا سلعة رأسمالية، وأنه استعمر حتى اللغة والقراءة والكتابة، وأصبح كل شيء ذكوريا فقط.. وأن المرأة مجرد كتلة عاطفية، وأنها فقط متاع والمتاع هو الشيء الذي ينتفع به بعض الوقت ثم يلقى به؟

أرجو أن تتسع صدور الرجال والنساء، لهذه الأطروحة في قلب العلاقة بين الرجل والمرأة، وليس حولها، ليس فقط لأنها مدار العلاقات الإنسانية، من قبيل التفاؤل، ولكن أيضا لأنها تنحو منحى يحتاج إلى مراجعة شاملة، ويحتاج أيضا إلى قراءة جديدة، والتفاعل الحديث معها باعتبارنا نعيش مطالع القرن الحادي والعشرين، مستندين إلى منظومة من القيم، وعلى ضوء المتغيرات التي هي أكثر من الثوابت في هذه الآونة من العصر، وعلى ضوء المؤثرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والأخيرة أشد وأقوى، خاصة تحت زحف العولمة، والعولمة تتقنع بالمد الاقتصادي، الذي يخفي كثيرا من الدعوات غير المرئية وغير البريئة.

وفي هذا المهاد.. ربما تتجلى أصداء آراء ورؤى طرحتُ بعضًا منها في ثنايا أطروحات أخرى، في هذا المهاد لا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن المرأة.. يبدو منقوصا إذا ما جرى بعيدا عن المرجعيات العرفية والمعرفية والأخلاقية والجمالية.. الحديث عن المرأة.. يظل مبتورا إذا ما لم يأخذ في حسبانه وحساباته وتحسباته، شرائح المرأة العُـمرية، وإلا فعن أية امرأة نتحدث؟

الحديث عن المرأة.. طويل وعريض ومعقد.. ومشحون بالمتفجرات.. ومسكون بالألغام.. التي وضعها الرجل بنفسه، عن عمد وسبق إصرار وترصد وقد ساعدته المرأة ذاتها على ذلك -إلا قليلا- فاستغل الرجل (إلا قليلا) وحولها (إلا كثيرا)!! ومن ثم كان التفسير النسائي لتاريخ الرجال، فأتتهم العذابات الأنثوية من حيث لم يحتسبوا ولم يشعروا.. الحديث عن المرأة بالصورة المألوفة والسائدة في الأدبيات ذات الأقنعة المخيفة هو حديث مرعب، وأقل مفردات هذا الرعب أنها مخلوق متوحش لا بد من ترويضه.. والأفضل التخلص منه.. أو تكسير أنيابه على أحسن الفروض(!!) كأن المرأة شيء مجرد.. تم خلقه لزرع الشرور.. وبث الآثام.. وإثارة الفتنة.. ووراء كل جريمة امرأة.. وفتش عن المرأة..

حتى اللغة ترمي المرأة بجمرات أشد من رمي جمرات إبليس في مناسك الحج!! فالرجل حين يكون نائبا في البرلمان فهو (نائب) أما المرأة فهي (نائبة) والنائبة هي المصيبة! وحين يصنع الرجل الجبن فهو (جبان)، أما المرأة فهي (جبانة) أي مقبرة!.. وحين ينزل الرجل على السلم فهو (نازل)، أما المرأة فهي (نازلة) أي كارثة!.. وحين يسقط الرجل من مكان عال فهو (هاوي)، أما المرأة فهي (هاوية) أي ساقطة!... إلا في حالة واحدة تختفي منها تاء التأنيث، حين يطلّق الرجل زوجته، فهي في هذه الحالة: (طالق)!!

مفارقات مؤلمة.. تتغشى العلاقة بين الرجل والمرأة، وتتخذ ألوف الأقنعة بكل ما فيها من تعقيدات، وخيوط متشابكة، بعضها حريري، وبعضها حديدي.. صراع رقيق.. وعنف لين.. وقسوة حانية، وفض اشتباكات، وتعصب ضد ومع (تاء التأنيث) وهجوم شرس على نون النسوة، وهجوم مضاد منهن أكثر شراسة، أظافر حادة طويلة مسنونة، وشوارب تتلاعب لذوات الأظافر الطويلة.. تكشيرات تحسبها المرأة ابتسامات على طريقة (إذا رأيت نيوب الليث بارزة، فلا تظنن أن الليث يبتسم) وفي التصدي لهذه التكشيرات الليثية تجد النعومة والملمس الناعم ورداءات الأفاعي وسمومها في العسل الذي يرتشفه آدم من حواء عن طيب خاطر أحيانا وبالعين الحمراء أحيانا أخرى، إنها مجموعة من المفارقات تنتظم أو تبعثر العلاقة بين الرجل والمرأة، وتمنحها حريقا في العلاقات إلى حد جعل كثيرا من الكتاب يرون أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي مدار العلاقات الإنسانية.

في التاريخ الإغريقي أسطورة تقول: إن الرجال عندما احتاجوا إلى حبال لجر السفن الحربية قصرت النساء شعورهن وجعلنها حبالا، وليس هذا إلا مساهمة متواضعة من المرأة، فالذي تستطيعه المرأة أقوى من ذلك فأثرها على عقل الرجل، وقلبه وحواسه أخطر من ذلك، فهي تعكس الشقاء والهناء، وهي تستطيع أن تضلله بالفشل أو تكلله بالنجاح.
ومن المفارقات العربية والغربية المعاصرة... أن رجلا مر بمجموعة من النساء في طريق عام، ويبدو أنه كان مقهورا من المرأة، فأنشد فيهن:
إن النساء شياطين خلقن لنا   نعوذ بالله من شر الشياطين

فإذا بواحدة منهن، وبكل تلقائية، تفاجئه بالرد الفوري:
إن النساء رياحين خلقن لكم     وكلكم يشتهي شم الرياحين

يقول الكاتب الفرنسي (بلزاك) في رؤيته للمرأة: إن المرأة كالصحف لا تتألق إلا إذا كذبت، ولا تهدأ إلا إذا جعلتك تصدق أكاذيبها، والمجتمع كالرجل لأنه سوف يستسلم في النهاية، وتحرر المرأة إفساد لها، وإذا أردت أن تعرف مدى قسوة المرأة مع هذا الكائن الجميل الذي نحبه، فانظر إليها وقد جلست مع بنات جنسها! لا أتمنى أن أكون امرأة، ولا أتمنى أن أكون رجلا، أجدني مضطرا لأن أتعامل مع امرأة ولا أعرف طريقا للخلاص منها!

وترد عليه الكاتبة الفرنسية (فرانسواز جيرو) رئيسة تحرير مجلة (ال) ومجلة (الإكسبريس): مثل هذه الأفكار هي التي عوقت تقدم المرأة، فبلزاك وهو عبقرية أدبية وفلسفية لا يفكر في طريقة للتعايش مع المرأة، ولا أن يكون زوجا أو أبا، إنما هو مشغول بإزالة هذه المصيبة التي اسمها المرأة، ثم مطلوب منا نحن النساء أن نحترم مثل هذا التفكير الذي يجعلنا ننظر إلى أنفسنا على أننا مرض أو داء، أو بقعة سوداء، أو لعنة السماء على الأرض.

وفي حين يقول قاسم أمين إنه متى تهذب ورق الشعور، أدرك الرجل أن المرأة إنسان من نوعه، لها ما له وعليه ما عليها، نجد توفيق الحكيم يقول: إن المرأة لا تصلح أكثر من صانعة لألوان الطعام، ويرتبط قدرها بتفوقها في إتقان صينية البطاطس، لكنه يقول أيضا: إن حواء فيلسوفة لأنها أخرجت آدم من الجنة!

وبينما نجد المفكر الفرنسي يقول إن ما كتبه الرجل عن المرأة يجب أن يؤخذ بشيء من الحذر، فقد كان الرجل هو الخصم وهو الحكم: فإذا بنا نجد رأيا لشاعر المأساة اليونانية يقول: الرجل الذي يكف عن ذم المرأة.. هو رجل مجنون!

وتحمل ذاكرة التاريخ لقطة ذائعة الصيت في إطار العلاقة بين الرجل والمرأة، يقال إن (يوليوس قيصر) كان يتحدث إلى طفله الصغير ويحسده على ما هو فيه من نعمة، فيقول له: أنا أحكم العالم.. وأمك تحكمني.. وأنت تحكم أمك.. فأنت إذن تحكم العالم كله!

ويقولون إنه لهذا السبب تشتغل المرأة بالسحر، وكان من تعاستها أن حكم عليها الرجل بالإعدام غرقا أو حرقا أو شنقا، وكان هذا الموقف أكبر دليل على المشكلة التي تعانيها المرأة، وعلى العنف الذي يتخذه الرجل في مواجهة المرأة.. فالمرأة تريد أن تتمرد على (الدور) الذي حدده لها الرجل، أن تثور على الإطار الذي بناه الرجل من الأسمنت المسلح من مئات السنين حتى لا تخرج المرأة منه أو تخرج عليه بالسحر، هو محاولة من المرأة لكي تستعين بقوى أخرى ضد الرجل.. هكذا تقول الكاتبة الأسترالية جرمين جرير في كتابها (الأنوثة العاجزة).

لكن.. أكثر الرجال لا يعلمون، وإن كانوا يعلمون.. فإن أكثرهم لا يعقلون، وإن كانوا يعقلون.. فإن أكثرهم يعاندون، على طريقة (أبي جهل) الذي لا يزال حيا يرتع ويمرغ وجهه في العقول، ومثل الحجاج الذي لا يزال يسفك الدماء ويقطف الرؤوس التي أينعت والتي لم تينع، والتي حان قطافها والتي لم يحن، ومثل فرعون الذي لا يزال يستحيي النساء ويذبح الأطفال، ويصلّب النساء في جذوع النخل والتكنولوجيا والعولمة، ويقطع الأرجل من خلاف ومن كل ناحية.

وهنا يتجلى السؤال: ترى عن أية امرأة تتحدثون...؟