loading...

ثقافة و فن

عبد الحليم حافظ.. العندليب الذي قاد أمة بصوته

عبد الحليم حافظ

عبد الحليم حافظ



ملخص

ابن الريف الذي توفيت أمه فور ولادته، وتوفي والده في عامه الأول، ليبدأ حياته مغردًا في دار أيتام، ومنها ينطلق إلى مجد لم ينته بعد، رغم أن جمهوره قذفه بـ"البيض" في حفله الأول.

عبد الحليم حافظ.. ابن ريفنا الذي لم يستسلم لتآمر المرض العضال، ليُصيغ من آلامه مجدًا، ومن آهات يُتم الصغر ترانيم موسيقية باقية بقاء الوطن، صانعًا من معاناته زادًا لإبداعه، ومن أوجاعه وعُزلة قلبه وضربات القدر حالة فنية غير قابلة للتكرار، فيعيش رغم المآسى مُتعافيًا شامخًا بدفء جمهور منحه عشقًا لا حدود له، تخطى به كل ربوع العروبة، ليدق أبواب التاريخ دون استئذان، وليكتب اسمه بحبر ذهبي رغم لونه الأسمر، مُدونًا: "عندليب قاد أمةً بصوته"..

النشأة

هو عبد الحليم إسماعيل علي شبانة، ولد يوم 21 يونيو 1929 بمحافظة الشرقية، وهو الابن الأصغر لوالده، توفيت أمه بعد ولادته بأيام قليلة، وتوفي والده ولم يكمل عامه الأول، فعاش مع خاله، ثم ليبدأ حياته مغردًا في دار أيتام بالزقازيق، والتحق بـكُتاب الشيخ أحمد في القرية، ثم بالمدرسة الابتدائية.

في عام 1943 التحق بـمعهد الموسيقى العربية، وانتظم في قسم التلحين، وتخرج فيه عام 1948 عازفا على آلة "الأبوا"، وهي من آلات النفخ، وعقب تخرجه عمل مدرسا للموسيقى والأناشيد في مدينة طنطا، وانتقل إلى الزقازيق ومنها إلى القاهرة، ثم قدّم استقالته من التدريس، والتحق بفرقة الإذاعة الموسيقية، عازفا على آلته عام 1950.

بداية المشوار

"حليم" تقدّم لامتحان لجنة اعتماد المطربين بالإذاعة عام 1951، واكتشفه الإذاعي حافظ عبد الوهاب، الذي اختار عبد الحليم أن يرتبط اسمه الفني به للأبد، فأصبح "عبد الحليم حافظ"، واعتمدته اللجنة عام 1952 بعد أن غنى "صافيني مرة"، التي لحنها محمد الموجي.

ولم يكن الظهور الأول للمطرب المغمور، آنذاك، على خشبة المسرح القومي بالإسكندرية صيف 1951، ورديًا كما كان يحلم، فقد رفض الجمهور أغنيته الجديدة السابقة لعصرها "صافيني مرة" وقذفه بـ"البيض والطماطم" طالبًا منه أداء أغان أخرى للمطرب الذائع الصيت محمد عبد الوهاب، لكنه رفض الاستجابة لهذا الطلب وأصرّ على أداء أغنيته مما دفع متعهد الحفلات إلى طرده من المسرح.

بعد نجاح ثورة 23 يوليو 1952، غناها مرة أخرى بالقاهرة في 18 يونيو 1953، بحفل أضواء المدينة يوم إعلان الجمهورية ولاقت ترحيبا كبيرا، وكانت بداية شهرته الفنية كمطرب، ثم أعقبها بأغان من اللون الجديد نفسه مثل "فوق الشوك، وعلى قد الشوق" وغيرها.

انقلاب جذري

أحدث ظهور "حليم" انقلابًا جذريًا في شكل الأغنية العربية كلمات ولحنًا وأداءً، وهو ما أدى إلى بروز اتجاهين: الأول رافض له ويقوده الملحن رياض السنباطي الذي لم يلحن له سوى أوبريت "لحن الوفاء" مطلع الخمسينيات، وكان يفضل عليه شقيق "حليم" الأكبر المطرب إسماعيل شبانة، ويقول إن صوته أكثر رصانة وقوة، وآخر داعم له ويقوده الموسيقار محمد عبد الوهاب، حيث رأى أن "حليم" هو صوت المستقبل، فتبناه وأسس معه شركة "صوت الفن".

ولعل من حسن حظ الشاب "حليم" القادم من عمق الريف المصري، والمصاب بـالبلهارسيا منذ طفولته، أن يتزامن ظهوره مع بداية ثورة 23 يوليو، مما جعله يحظى بغناء عدد كبير من الألحان التي كرسته مطربًا للثورة، وغنى العديد من الأغاني الوطنية في تلك الفترة، مثل "السد العالي، حكاية شعب، ثورتنا المصرية، عدى النهار، فدائي".

أعماله

قدّم "عبد الحليم" في رحلته الفنية أكثر من 230 أغنية، جمعها صديقه مجدي العمروسي في كتاب "كراسة الحب والوطنية"، فمن ألحان محمد الموجي غنى: "رسالة من تحت الماء، حبيبها، قارئة الفنجان، النجمة مالت ع القمر، أنا من تراب، وأدعوك يا سامع"، ولحن له كمال الطويل: "في يوم في شهر في سنة، في يوم من الأيام، على قد الشوق، إحنا الشعب، ابنك يقولك يا بطل، حكاية شعب، صورة، وعدى النهار"، ولحن له بليغ حمدي "موعود، جانا الهوى، حبيبتي من تكون، عاش اللي قال، وأي دمعة حزن لا"، ولحن له محمد عبد الوهاب "توبة، يا خلي القلب، الله يا بلدنا، نشيد الوطن الأكبر، أهواك، نبتدي منين الحكاية، فاتت جنبنا، والمركبة عدت".

السينما

استغل المخرجون شهرته وأسندوا إليه بطولة العديد من الأفلام، فشارك في 16 فيلما منها، "لحن الوفاء، أيامنا الحلوة، أيام وليالي، دليلة، بنات اليوم، الوسادة الخالية، فتى أحلامي، والخطايا"، وآخر أفلامه "أبي فوق الشجرة"، وغنى بصوته فقط في أفلام عديدة منها، "بعد الوداع، بائعة الخبز، وأدهم الشرقاوي"، كما قام ببطولة مسلسل إذاعي وحيد "أرجوك لا تفهمني بسرعة". 

الزواج

بأمر الطبيب كان "حليم" ممنوعًا من الزواج لظروفه الصحية، إلا أنه أُشيع لفترة زواجه من الفنانة الراحلة سعاد حسني، إلى أن أكده الإعلامي مفيد فوزي، سبتمبر 2016، في مداخلة هاتفية ببرنامج "العاشرة مساءً"، وصرح بأنه كان حاضرًا أثناء كتابة عقد الزواج السري بين السندريلا والعندليب، عام 1960، وسنها وقت الزواج كان 17 عامًا، وأصر "حليم" على إتمام الزواج منها لحبه الشديد لها رغم تحذيرات طبيبه الخاص، وهو ما أكدته شقيقتها "جنجاه"، في كتابها "سعاد - أسرار الجريمة الخفية" والصادر عن مؤسسة روائع للنشر، ونشرت وثيقة الزواج. 

"نعم أحببت سعاد حسني، والذي جمع بيننا هو الحنان، لأنها عاشت مثلي طفولة قاسية، وعلّمتها كيف تختار حياتها، وعندما تمرّدت على صداقتي أحسست أنها نضجت، وسعاد كانت تتصرف بتلقائية مع الناس وتلقائيتها تسيء إليها، لكن فيها ميزة رائعة وهي الوفاء لأسرتها"، هكذا وصف "حليم" علاقته بـ"سعاد".

نهاية العندليب

مسيرة حافلة قدّمها "حليم" إلا أن خاتمة حزينة لمشواره كتبها له القدر، عندما اشتبك مع جمهوره في أبريل 1976 في حفل عيد الربيع الذي تعوّد أن يحييه سنويًا، وغنى قصيدة "قارئة الفنجان" للشاعر نزار قباني لأول مرة، لكنه فوجئ بمجرد أن بدأ الغناء بمجموعة من الأشخاص يحاولون التشويش عليه في أثناء غنائه، وهنا توقف عن الغناء وقال بعصبية شديدة: "بس بقى، أنا أعرف أصفر وأزعق زيّكم"، وراح يصفر لهم، ثم أخذ منديلًا من جيبه ليمسح العرق الذي كان يتصبب من جبينه وهو في حالة انفعال شديد، وتعرض لحملة إعلامية قاسية نتيجة لذلك، اضطرته لاحقا لتقديم الاعتذار عما بدر منه.

 ولم يكد يخرج من هذه الواقعة حتى شهد وضعه الصحي بعد عدة أشهر تدهورا خطيرا في أثناء مراجعته الدورية لمستشفى كنغز كوليج في لندن مطلع عام 1977 لإجراء عملية حقن الشعيرات الدموية، إذ كان يعاني من تليف بالكبد نتيجة إصابته بالبلهارسيا منذ الصغر ولم يكن له علاج، واكتشف الطبيب أن "حليم" يعاني من نزيف في المريء يتطلب عملية زراعة كبد، لكنه رفض إجراء العملية وأصرّ على أن يتم التركيز فقط على إيقاف النزيف، واضطر الطبيب للرضوخ لطلبه بعد أن فشل في إقناعه؛ قبل أن يتوقف قلبه في أثناء محاولات وقف النزيف، ليلفظ أنفاسه الأخيرة مساء يوم 30 مارس عن عمر ناهز 48 عاما، لـيرحل تاركًا إرثًا جعله أهم مطربي مصر والعالم العربي في القرن الماضي، هذا الإرث الذي يجعله كيانًا فنيًا شامخًا متفردًا حتى عصرنا الحالي.