loading...

مقالات

المصباح النسائي.. «4»

المصباح النسائي.. «4»


رحيق امرأة تحترق..!

لا يمكن أن يمر الحديث عن أشواق المرأة وعذاباتها تحت المصباح النسائي بدون ومضة من الدكتورة سعاد الصباح.. التي تحمل هموم المرأة العربية منذ زمن بعيد..

والومضة لها بريق شعري.. ولها حريق نثري..

فأما البريق الشعري فيشتعل من رؤيتها حول قضية المرأة مع الكتابة التي تصفها بأنها تشبه قضية التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، فالرجل الأبيض هناك هو صاحب الامتيازات الإقطاعية والسياسية والثقافية، والأسود ممنوع من ممارسة أي شيء حتى التفكير، ومجتمعنا لا يستهجن المرأة التي تكتب قط، ولكنه يخاف منها، لأن الكتابة هي نوع من السيادة، والرجل مثل الاستعمار القديم لا يعترف بحرية إلا حريته.

في منظورها.. أن المرأة الكاتبة، المثقفة الشجاعة، المناضلة بالكلمة والرأي هي عنصر هام في بناء الوطن.. ولكن ماذا نفعل إذا كان ذكور القبيلة يفضلونها خرساء؟

وأن هموم المرأة العربية ليست مختلفة عن هموم الرجل العربي ولا يوجد فارق واحد بين ما يعانيه الرجال وما تعانيه النساء في وطننا العربي الكبير، فالقلق واحد، والعذابات واحدة، والوجع واحد، والقهر واحد، الوطن ليس ملك الرجال وحدهم، ولكنه ملكية مشتركة بين الرجال والنساء، وعندما ينزف الوطن لا يوجد فارق بين صراخ رجل وصراخ امرأة.

وأن المرأة العربية مغلوبة على أمرها والعروبة مغلوبة على أمرها، وهذا التشابه في الحزن والقهر، والاستلاب بين معاناة المرأة ومعاناة الوطن هو الذي جعلني أضع القضيتين في ملف واحد أثناء مرافعاتي الشعرية، وأنها بحاجة إلى من يرفعها إلى الأعلى، ويؤكد لها أنها كائن شعري رقيق، لا مجرد ماكينة لتفريخ الأطفال، وطهو الطعام وغسيل الصحون.

لو تنفخ في داخل أذني

لتطايرت دخانا في الهواء

إنني ضائعة كالسمك الضائع في عرض البحار

فمتى تنهي حصاري

يا الذي خبأ في معطفه مفتاح داري

يا الذي يدخل في كل تفاصيل نهاري

كن صديقي.. كن صديقي

كم جميل لو بقينا أصدقاء

إن كل امرأة تحتاج أحيانا

إلى كف صديق

وكلام طيب تسمعه

وإلى خيمة دفء صنعت من كلمات

لا إلى عاصفة من قبلات

فلماذا يا صديقي..

لست تهتم بأشيائي الصغيرة..

ولماذا.. لست تهتم بما يرضي النساء

الومضة الأخرى هي بمثابة القفاز، تطلقه الدكتورة سعاد الصباح في وجه المجلات النسائية العربية تقول:

كل يوم تصدر في أوروبا مجلة نسائية عربية جديدة، حتى صار عدد المجلات المخصصة للنساء أكثر من النساء... وكل مجلة من هذه المجلات تدعى في افتتاحية عددها الأول، أنها ستكون (شكل ثاني) عن بقية المجلات النسائية المعروفة، وأنها ستكون الفاتحة، والرائدة، والمجلة الثورية التي ستحرر المرأة من جاهليتها وتطلقها من قمقمها، وتخرج (الزير من البير) كما يقول المثل.. وتقول أيضا:

ولكثرة ما تقع عينك على صفحات الأزياء، والجواهر والساعات، والعطور وأحجار الياقوت والزمرد، والماكياج والقبعات، والأحذية، وفساتين السهرة ومعاطف الفراء تشعر كأنك في سوق من أسواق ألف ليلة، حيث الجواري لا عمل لهن سوى أن يتجملن، ويتكحلن، ويتعطرن، ويلبسن الحرير والديباج.. كل هذه المجلات العربية المهجرية لا تخاطب بكل أسف المرأة ولا تحاور إلا قشرتها الخارجية.. أما عقلها فليس له مكان على صفحات المجلة الثورية والرائدة.. باعتبار أن مخاطبة عقل المرأة لا يجلب لشركات الإعلان.. ولا يساعد على تسويق المجلة.

وبحسها الفكري المحمل بهموم المرأة العربية تقول: لا أدري لماذا أشعر وأنا أتصفح هذه المجلات النسائية، بحكم الفضول، بأنها تستفزني، وتصفعني وتستهين بعقلي وثقافتي وتتعامل معي كشيء من الأشياء، لا كقيمة إنسانية.

ثم لا أدري لماذا أشعر شعورا قويا أن هذه المجلات تصدر خارج التاريخ وخارج المشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية التي تسحقنا في المنطقة العربية.

هذه المجلات التي يسيل اللعاب أمام ورقها المصقول، وطباعتها الجميلة، وإخراجها الخرافي، هل هي حقا وسيلة لإطلاق المرأة من زنزانتها.. أم أنها فخ لاصطيادها؟

وصدقوني إذا اعترفت لكم.. طالما تمنيت أن يباح مثل هذا الورق الثمين والإخراج الراقي لعشرات الشعراء والروائيين والكتاب العرب، ليطبعوا عليه أعمالهم الفكرية التي تصدر بمنتهى الرداءة.. وعلى الورق الذي يستعمله البقالون وبائعو اللب والترمس.

وتتساءل في دهشة وحسرة: لماذا يخصص هذا الورق الجميل للحديث عن (فالنتينو) و(كوكو شانيل) و(كريستيان ديور) و(ايف سان لوران ) و(برونبى مايلي) و(بياجة) و(بوشورون) و(كارتييه) وبقية اللاعبين بعقول النساء، ولا يخصص لمجلة فكرية ثقافية لطبع أنطولوجيا راقية للشعر العربي، أو لأعمال التشكيليين العرب، أو لطبع موسوعات للأطفال على مستوى موسوعات الأطفال في أمريكا؟! لماذا نرمي ملايين الدولارات لنقنع نساء العالم الثالث أن يغيرن ألوان عيونهن من اللون الأسود إلى اللون البنفسجي، وأن يغيرن بشرتهن المعتقة بشمس آسيا إلى بشرة لم تر الشمس من عشرة آلاف سنة؟!

إن ناشري الصحف النسائية لدينا مطالبون بأن يدرسوا الأرض التي يقفون عليها، والمجتمع الذي يوجهون إليه، فليست كل النساء العربية كالأميرة فلانة.. وليست كل العاملات والموظفات العربيات مثل كارولين ابنة أمير موناكو.. وليست كل الفلاحات العربيات قادرات على الاستحمام كل ليلة بالعسل مثل صوفيا لورين، وكلوديا كاردينالي.

أخيرا أتساءل: لماذا تتحمس رؤوس الأموال العربية لتمويل هذه المطبوعات الخنفشاوية، في حين يحتاج الأطفال في العالم العربي إلى مدرسة يدخلون إليها وكتاب يقرؤونه؟!