loading...

ثقافة و فن

عبد الرحمن الأبنودي «الخال».. اعتقله ناصر واعتبر قاتل السادات بطلًا

عبد الرحمن الأبنودي

عبد الرحمن الأبنودي



ملخص

أشهر شعراء العامية، ابن مأذون قرية أبنود بقنا، جمع السيرة الهلالية، له 22 ديوانًا، اعتقله ناصر، وكوّن ثنائيا تاريخيا مع حليم عقب النكسة، ومنير أكثر من غنى له.. متونسة بحس مين يا مصر في غيابه؟

عبد الرحمن الأبنودي.. امتطى جواد الشعر، داعبه، روّضه، عانقه، فانطلقت الكلمات هادئة، هادرة، وقفزت كل السدود والحدود، عاش حياة مغامرة مليئة بالصدف والمفارقات والعداءات والنجاحات، هو أشهر شعراء العامية، الذين ناضلوا لإخراج القصيدة الدارجة من قالبها الزجلي القديم إلى القالب الحر، استطاع تطويع الشعر اللهجي لنصرة قضايا أمته، وأن ينسج بكلماته البسيطة صورة حقيقية لمشاعر الشعب في كل الأوقات، واكتسبت كلماته مجاز الأرض والشارع والحارة، وجسدت كتاباته مراهقة الحياة والأحلام ومفارقات العاطفة المشوبة بالأمل في الحب والمستقبل.

يا صاحبي يا صديقي..

ياللي طريقك طريقي..

ده أنا يوم ما أعيش لنفسي..

ده يوم موتي الحقيقي..

النشأة
ولد عبد الرحمن محمود الأبنودي في 11 أبريل عام 1939، بقرية أبنود بمحافظة قنا، لأسرة فقيرة أجبرته بساطة حالها على رعي الغنم في طفولته، واصل دراسته الابتدائية حتى المرحلة الثانوية التي درس بعضها في مدينة قنا، حيث استقر مع والده الشيخ محمود الأبنودي الذي كان يعمل مأذونًا شرعيًا، ووالدته فاطمة قنديل، وانتقل إلى القاهرة للدراسة، حيث حصل على ليسانس آداب لغة عربية من جامعة القاهرة، وكان ضليعًا في اللغة العربية، وكانت هذه المرحلة من حياته بداية انطلاقته القوية نحو الشعر وتأليف الأغاني.

اقرأ أيضًا.. صعيدي كسر التقاليد وقتله «إدمان المسرح».. ما لا تعرفه عن فاخر فاخر

بداية المشوار

بدأت علاقة الأبنودي بالأدب مع سيرة بني هلال، التي تجلى شغفه بها في قيامه بتجميعها بعد أن تلقاها من ألسنة الشعراء، ثم تخلى الشاب النحيل عن وظيفته الحكومية في إحدى المحاكم، لأنها لم تكن تتفق مع شخصيته، وغادر قنا متجها للعاصمة القاهرة، وهناك التحق برفيقه وابن مدينته الشاعر أمل دنقل، وأكمل ضلع المثلث القاص يحيى الطاهر عبد الله، حوالي سنة 1956، فأقاموا فيها فترة يسكنون داخل عوّامة كتب فيها أوائل أغانيه الناجحة، مثل "تحت الشجر يا وهيبة" والتي غناها محمد رشدي، وحققت رواجًا كبيرًا في وقتها، و"بالسلامة يا حبيبي بالسلامة" التي غنتها نجاح سلام.

جاي من بلادي البعيدة لا زاد ولا مية..

وغربتي صاحبتي بتحوم حواليا..

وانتي تقوليلي بحبك، تحبي إيه فيا؟

حب إيه ده اللي من غير أي حرية؟

اقرأ أيضًا.. تأخر إنجابه 12 عاما واكتأب بسبب «ناصر».. أزمات في حياة صلاح جاهين

لم يُفلح الشاعر الجنوبي الشاب في الوصول إلى كبار المطربين أو الملحنين، الذين لم يبدوا اكتراثًا به لتحدثه لهجة صعيدية صعبة الفهم على آذانهم، بيد أن هؤلاء ما لبثوا أن راحوا يفتشون عنه في المقاهي وملتقيات الأدباء، بعد أن نشر له الشاعر صلاح جاهين أولى قصائده في مجلة "صباح الخير"، ويروي الأبنودي عن تلك الفترة في مذكرات عنه قائلًا: "كنا في أيامها نعيش خطرًا داهمًا.. في مجال زراعة القطن.. حين انتشرت الدودة وأصبحت تهدد هذا المحصول. وقتها كتبت قصيدة عن القطن وكيف نقاوم هذا الخطر وفوجئت في عدد (صباح الخير).. أن صلاح چاهين نشر هذه القصيدة مصحوبة برسم لأكبر رسامي المجلة.. ومنذ أن نشرت هذه القصيدة العامية أحسست أنني قد وضعت قدمي فوق مشوار الشعر.. كما أنها فتحت لي أبوابا كثيرة، حيث عرف الناس في المحيط الذي كنت أعيش فيه هناك أنني أصبحت شاعرًا.. والحقيقة أن أهمية هذه القصيدة أو هذه الأغنية لم تتوقف عند هذا الحد.. بل جعلتني ارتبط بالشاعر الكبير صلاح چاهين وساهمت كذلك في دخولي عالم الطرب من أوسع أبوابه.. حين فوجئت بأن كلمات هذه القصيدة تغنى في الإذاعة.. ولما سألت الأستاذ صلاح جاهين أكد لي صحة هذا الخبر.. بل وطلب مني أن أذهب إلى الأستاذ محمد حسن الشجاعي، رئيس الإذاعة".

عدوية

بعد نجاح أغنية "عدوية" التي كتبها الأبنودي ولحنّها رشدي وغناها الفنان محمد منير، شكل الأولان ثنائيًا لفت أنظار الجميع، وهو ما دفع الملحن بليغ حمدي والمطرب عبد الحليم حافظ لاستقطابه، فشكّلوا فريقًا قدّم كثيرًا من الأغنيات العاطفية والوطنية، وفي العقود الثلاثة الأخيرة من حياته شكّل الأبنودي ثنائيًا مميزًا مع الكينج منير، ورغم أن الساحة الشعرية المصرية آنذاك كانت حاشدة بشعراء كبار ورواد سواء في شعر العامية أو الفصحى، ومنهم فؤاد حداد وصلاح جاهين، وأحدث الأبنودي نقلة موازية أخرى تتقاطع مع أعماله الشعرية أنجزها في فضاء الأغنية، وخلصها من المجاز العاطفي العالي، وذهب بها إلى الشارع والحارة.

اقرأ أيضًا.. أحمد منيب.. الأب الروحي لـ«الفن النوبي» وسبب شهرة محمد منير

أعماله

مما غنى له عبد الحليم حافظ "عدى النهار، وأنا كل ما أقول التوبة، أحضان الحبايب"، ومما غنى له محمد رشدي: "عدوية، تحت الشجرة يا وهيبة، عرباوي"، ومما غنت له شادية: "آه يا أسمراني اللون" وأغاني فيلم "شيء من الخوف"، وغنى له محمد منير "شوكولاتة، كل الحاجات بتفكرني، من حبك مش بريء، برة الشبابيك، الليلة ديا، يونس، عزيزة، قلبي مايشبهنيش، يا حمام، يا رمان"، وغنّى له العديد من المطربين المعروفين مثل فايزة أحمد، صباح، وردة، ماجدة الرومي، علي الحجار، وغيرهم.

كتب أغاني العديد من المسلسلات، مثل "النديم، خالتي صفية والدير، ذئاب الجبل، الرحايا" وغيرها، وكذلك العديد من الأفلام، مثل "شيء من الخوف، البريء"، وشارك الدكتور يحيى عزمي في كتابة السيناريو والحوار لفيلم "الطوق والأسورة" عام 1986، وفي 2011 كتب سيناريو مسلسل وادي الملوك".

قام بجمع السيرة الهلالية من الشعراء الشعبيين في مجهود ضخم استمر على مدار ما يقرب من ثلاثين عامًا من السفر في جميع محافظات مصر، وأصدّرها في خمسة أجزاء في فترة التسعينيات، وكتب قصصًا مختلفة عن حياته في صعيد مصر نشرت في حلقات منفصلة بجريدة الأهرام، وجُمعت في كتاب "أيامي الحلوة" الذي صدر على ثلاثة أجزاء.

دواوينه

استطاع أن يحقق انتقاله مهمة في مسيرة شعر العامية المصري، حيث اكتسب للقصيدة العامية أرضًا شاسعة، وجعلها لصيقة بالوجدان العام، بعد أن تغنى بها كبار المطربين والمطربات، على المستوى العاطفي والوطني، كما نجحت في فرض وجودها على الساحة الشعرية والثقافية وكسر الحصار المضروب حولها، وترك الأبنودي أكثر من 22 ديوانًا، وهي "الأرض والعيال، الزحمة، عماليات، جوابات حراجي القط، الفصول، أحمد سماعين، أنا والناس، بعد التحية والسلام، وجوه على الشط، صمت الجرس، المشروع والممنوع، المد والجزر، الأحزان العادية، السيرة الهلالية، الموت على الأسفلت، سيرة بنى هلال (5 أجزاء)، الاستعمار العربي، المختارات"، وكانت أشهر شخصياته "العمة يامنة".

والله وشبت يا عبد الرُّحمان..

عجّزت يا واد؟

مُسْرَعْ؟

ميتى وكيف؟

عاد اللى يعجّز فى بلاده

غير اللى يعجز ضيف!

هلكوك النسوان؟

شفتك مرة في التليفزيون

ومرة.. وروني صورتك في الجورنان

قلت: كبر عبد الرحمان!

أمال انا على كده مت بقى لي ميت حول!

والله خايفة يا وليدى القعدة لتطول

مات الشيخ محمود

وماتت فاطنة أبْ قنديل

واتباع كرم أبْ غبّان

وأنا لسه حية..

وباين هاحيا كمان وكمان

شاعر العامية

اقرأ أيضًا.. أمل دنقل: ذكريات ومقالات وصور الشاعر في مرايا جابر عصفور

كوّن مع أمل دنقل ويحيى الطاهر ثلاثيا إبداعيا، وقاموا بكتابة شعر الفصحى ببداية الستينيات، ليتحول بعدها إلى شعر العامية، والذي تحول إلى العديد من الأغنيات لأبرز المطربين، ولم يكن واحدًا من أشهر شعراء العامية المصرية فحسب، بل وُصف بأنه "رائد" المناضلين لإخراج القصيدة الدارجة من قالبها الزجلي القديم إلى القالب الحر، وبأنه نجح في إبهار المدينة بلهجة القرية وتراثها، ويكشف الأبنودي عن منهجه الأدبي والفني، قائلًا: "لقد فصلت تماما في حياتي الأدبية بين كوني شاعرًا أكتب بالعامية معبرًا عن قضايا وطني، وبين صناعتي في كتابة الأغنية، لقد كنت أكتب الأغنية كي أعيش بما أحصل عليه عبرها من أموال، إنني بالفعل لست شاعر أغنية، ولكني شاعر يكتب الأغنيات، لقد رأيت أن كتابتي للأغنية هي سبيلي للإنفاق علي رحلتي الأدبية ورحلة الشعر والعامية".

الشعر السياسي

يعد "الخال" واحدًا ممن تخطت شهرتهم حدود بلدانهم، فتغنى بقصائده المثقفون والعوام في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، خاصة أنه عُني بقضايا أمته، ونكأ جراحها التاريخية لتظل حية في مواجهة محاولات إماتتها أو تسكينها، ولا سيما "جرح فلسطين".

لم تشغل كتابةُ الأغاني الأبنوديَّ عن القصيدة السياسية التي كانت مبتدأه ومنتهاه، فكتب مئات القصائد خاصةً في فلسطين وأطفالها ومقاوميها، فرثى ناجي العلي، وحاكي قمر يافا، ودعم أطفال الحجارة، وكانت أشهر قصائده في هذا المضمار "الموت على الأسفلت".

يا قبر ناجي العلي.. يا دي الضريح

كان ميِّتك للأسف وطني صريح

تحتك فتى ناضر القلب.. غضّ

كان قلبه.. أرض مخيّمات الصفيح

الأرض متغربة.. والحلم ملْكْ

خريطة شبه الوطن محاصرها سلك

واقف وراها شريد عاقد إيديه

حنّ الوطن ذلك.. للأرض.. تلك

غشيم في حب الوطن.. طبعا غشيم

ياللي تحب الوطن.. من الصميم

النكسة.. وتفرده بالنجاح

الأبنودي ​خلق حالة من الوحدة التي جمعت بين قلوب المصريين والعرب، وقدّم مع عبد الحليم باقة من الأغاني الوطنية حفرت في وجدان الناس حتى أصبحت سلاحًا للمقاومة والتحدي بعد هزيمة 67 من أجل الخلاص من نكسة يونيو، وأنجز في تلك الفترة مجموعة كبيرة من هذه الأغنيات من أبرزها "اضرب، ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار، احلف بسماها وبترابها" التي لم يبدأ عبد الحليم أيا من حفلاته إلا بها حتى انتصار الجيش المصري في 1973، فضلًا عن أغنية "موال النهار" التي كتبت عقب النكسة تنفرد بحضور خاص في تاريخ الأبنودي، حيث شكّلت إحدى علامات الشجن العميق في الذاكرة المصرية وجسدت روحًا جديدة من التحدي خلال تلك المرحلة.

اقرأ أيضًا.. عبد الحليم حافظ.. العندليب الذي قاد أمة بصوته

المواقف السياسية

آن الآوان ترحلي يا دولة العواجيز  

عواجيز شداد مسعورين أكلوا بلدنا أكل  

ويشبهوا بعضهم نهم وخسة وشكل  

طلع الشباب البديع قلبوا خريفها ربيع  

وحققوا المعجزة صحوا القتيل من القتل  

اقتلني قتلي ما هيعيد دولتك تاني  

بكتب بدمي حياة تانية لأوطاني  

اقرأ أيضًا.. أحدهم ديكتاتور والآخر منوفي حدق.. كيف تحدث عمرو موسى عن رؤساء مصر؟

حصل على لقب "تميمة" الثورات المصرية، واُعتقل الأبنودي أشهرًا خلال فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، عام 1966، بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعي واعتقل لمدة أربعة أشهر في سجن القلعة حتى تم الإفراج عنه، ورغم خلافه مع ناصر في حياته، فإنه مجّده بعد موته، ولخص أسباب هذا التمجيد في جملته الشعرية: "قلبت في كل الوشوش مالقيتش زيّه"، ولم يكن على وفاق مع الرئيس محمد أنور السادات، ودفعه موقفه منه للانضمام إلى حزب التجمع اليساري، وبعد اغتياله كتب قصيدة "المتهم" اعتبر فيها قاتله خالد الإسلامبولي بطلًا، وهي القصيدة التي اعترف الأبنودي بأنه أخطأ عندما كتبها، كما لم تكن علاقته بالرئيس الأسبق حسني مبارك جيدة، وأيّد ثورة 25 يناير 2011 التي أسقطته، وكتب قصيدته "الميدان"، وعارض حكم جماعة الإخوان، وكتب قصائد في 30 يونيو، وظل داعمًا للرئيس عبد الفتاح السيسي حتى وفاته.

اقرأ أيضًا.. «الإسلامبولي» اغتال السادات في 40 ثانية ولم يمت من 10 رصاصات في قلبه

والمتهم منشور كإنه العلم وإلا ابتسامته وهيه بترفرف

وتهمته واضحه وضوح الشمس وليها نور يخطف

واقف سعيد راضي يخوف القاضي

وعينه ما هياش للأرض

القاضي يستغبى

والمتهم بيصر

شمس الحقيقة تحر

والمتهم صامد

كل القضاه زايلين

والمتهم.. خالد

الزواج

تزوج في أول حياته من مخرجة الأفلام التسجيلية عطيات الأبنودي، والتي لم تتخل عن لقب "الأبنودي" بعد انفصالهما، ثم تزوج من الإعلامية نهال كمال حتى نهاية حياته، وأنجب منها ابنتيه "آية، ونور".

الجوائز

حصل الأبنودي على "جائزة الدولة التقديرية" لعام 2001، ليكون بذلك أول شاعر عامية يفوز بها، وعلى جائزة النيل أرفع جوائز الدولة للآداب في مصر وذلك في عام 2010، كما حصل على "جائزة محمود درويش للإبداع العربي" لعام 2014، وكان عضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة.

الوفاة

هاقولها بالمكشوف:

خايف أموت من غير ما أشوف..

تغير الظروف..

تغير الوشوش..

وتغير الصنوف..

والمحدوفين ورا..

متبسمين في أول الصفوف..

خايف أموت وتموت معايا الفكرة..

لا ينتصر كل اللي حبيته..

ولا يتهزم كل اللي كنت أكره..

اتخيلوا الحسرة..

توفى عبد الرحمن الأبنودي يوم 21 أبريل 2015 عن عمر يناهز 76 عامًا، بعد مضاعفات لحقت به من جراحة في المخ لإزالة تجمع دموي بالمركز الطبي العالمي، وشُيّع جثمانه بقرية الضبعية بالإسماعيلية في جنازة عسكرية، ودُفن بمقابر جبل مريم، وطُويت دفاتر رحلة خصبة مع الحياة والشعر وحب الوطن.

يا لولا دقة إيديكي ما انطرق بابي

طول عمري عاري البدن.. وانتي جلبابي

ياللي سهرتي الليالي يونسك صوتي

متونسة بحس مين يا مصر في غيابي؟