loading...

أخبار مصر

مأساة «سارة».. رحلة هروب مصابة بمتلازمة «داون» من عذاب الأب وزوجته (فيديو)

«سارة» مصابة بمتلازمة داون، تصوير- صابر العربي

«سارة» مصابة بمتلازمة داون، تصوير- صابر العربي



اختارت الشارع، لأنه سيكون أفضل من البقاء في منزل تذوقت فيه كل أنواع العذاب، بداية من التكتيف بالحبال والضرب بعصى خشبية غليظة، وصولا للخنق والحرق في بعض الأحيان، هذا هو حال سارة ابنة الـ28 عامًا والمصابة بـ"متلازمة داون"، أو ما يعرف في مصر بالمنغول، في منزل والدها، فبدلًا من أن تحظى بالعطف والحنان، قوبلت بالقسوة والتعذيب والتنكيل والتشفي من زوجة والدها وبرعاية والدها نفسه، وهو ما اضطر سارة للهرب إلى الشارع بدلًا من البقاء في بيتها، "التحرير" رافق سارة خلال رحلة البحث عن دار رعاية تؤويها.

متلازمة داون ليست مرضا يصاب به الإنسان، وإنما طفرة أو ما يُسمّى تشوّها خلقيا ناتجا عن وجود خلل في جينات الجنين تحدث في فترة الحمل، ويرافق هذا التشوّه الخلقي بعض الأعراض والأمراض التي تلحق الطفل المصاب، ويشترك الأطفال المصابون بمتلازمة داون ببعض العلامات الجسديّة والعقلية التي تترافق مع هذه الحالة، ويسهل تمييز المصابين بها بسهولة بالغة، وتعد متلازمة داون من أكثر الأمراض الجينيّة الشائعة بين الأطفال والمسببة لتأخر القدرات العقلية لديهم.

بابا ضربني وخنقني وكتم نفسي

بكلمات متقطعة، متعارف عليها في حديث المصابين بمتلازمة داون، قالت سارة: "بابا ضربني وخنقني وكتم نفسي، ورضا (زوجة الأب)، بتشدني من شعري"، وتابعت ودموعها تتساقط: "كانوا بيضربوني كل يوم بالعصايا، وأنا نايمة وأنا صاحية وعلى كل حتة في جسمي".

سارة تتمتع بذاكرة جيدة، حيث عرفت نفسها في أثناء حديثها، باسمها الرباعي، بخلاف عنوان سكنها بالمعادي، حيث تدعى "سارة.م.س.ع" والتي التزمنا بكتابة الأحرف الأولى من اسم الأب، وفقًا لطلب الابن الأكبر وشقيق سارة، عبد الفتاح، والذي التقيناه لاحقًا.

سارة

لسعني في رجلي لأني باعمل حمام على نفسي

سارة لها 3 أشقاء رجال وأخت، جميعهم أكبر منها سنا ومتزوجون، وكل منهم له أسرته، وهم عبد الفتاح الأخ الأكبر، وطارق الأوسط، ومجدي الأخ الأصغر، وأخت أخرى.

سارة تتمنى البقاء مع إخوتها لكونها تخاف من البقاء في الشارع والظلام، لكنها لا تريد البقاء في بيت والدها بسبب الضرب، ولم تتوقف سارة عن سرد ما تتعرض له من عذاب، قائلة: "بابا ضربني ولسعني في رجلي لأني باعمل حمام على نفسي، وأنا مش باعمل حمام".

وهذا ما أكدته أميرة شوقي، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة الشكمجية، لتنمية المجتمع المدني، والمهتمة بحقوق ذوي الإعاقة، والتي مكثت لديها سارة بعد هروبها من المنزل لمدة يومين لحين تسليمها، إما لوزارة التضامن أو لأهلها، بأن سارة نظيفة جدا، قائلة: "شهادة حق البنت باتت عندي يومين، ولم تتبول على نفسها على الإطلاق، وتحب التوضؤ دومًا في كل مرة تذهب إلى الحمام".

سارة واميرة في الطريق نحو الوزارة

عاوزة أروح إمبابة لأخويا حبيبي

أنا عندي 28 سنة، وأجلس في البيت، وبيخوفوني بأن الحرامي سيخطفني، وفقًا لسارة، وأبويا كان بيقولي "موتي في داهية"، وعن أسباب تركها للمنزل: "عاوزة أروح إمبابة لأخويا حبيبي، وسبت البيت بالليل".

عبد الفتاح شقيق سارة، تحدث عن سبب هروب سارة، بعد أن ضربها والدها في الشارع، وتدخل مواطنون من أهل المنطقة وأرسلوها لأختها الكبيرة لتهدئة الوضع بين سارة ووالدها، وما إن طلبت شقيقتها التي تقطن بدار السلام من والدها أن يأتي لإعادة سارة إلى منزله، حتى سمعت سارة الحديث، فهربت إلى الشارع، حتى لا تعود مجددًا للعذاب.

وبعد الهرب، قالت أميرة شوقي إنه في تمام الساعة الـ1 من منتصف ليل الأربعاء الأسبوع الماضي تلقيت اتصالا هاتفيا، يفيد وجود بنت أسفل كوبري إمبابة، عمرها 28 سنة، وتعاني من "داون دروم"، وهي حالة من حالات مرض ذوي الإعاقة أو ما يعرف باسم "المنغل" لدى المصريين، وهو اسم غبي وخطأ والمفروض أن لا يقال عليهم.

سارة3

الصبح نبقى نيجي ناخدها

وتتابع أميرة: فورًا رفعت صور للبنت بحالتها على صفحتي الشخصية بموقع فيسبوك، ووجدت استجابة من أكثر من شخص، وأرسل لي أحد الأشخاص أرقاما خاصة بأقاربها، واتصلت بهم، وكان في مخيلتي أن أسلم سارة لأهلها، دون الذهاب إلى أقسام شرطة، رغبة في أمان البنت، واستمرت أميرة في الانتظار مع سارة بالشارع حتى الساعة الـ4 فجرًا، وعندما تحدثت إلى والدها مرة أخرى لم أجد منه حماسة من فقد ابنته، فقررت وقتها أن ما يضمن لى أن هؤلاء أهلها، هو إحضارهم إلى قسم شرطة إمبابة، حيث الدائرة التي تم العثور على سارة بها، حتى تكون الإجراءات صحيحة.

وعند الوصول إلى القسم، قابلت سارة والدها بالصراخ والانهيار، واعتدى الوالد على سارة "بالشبشب"، وانتظرنا داخل القسم حتى حضور المأمور الساعة الـ9.30 صباحًا، وتحدث المأمور مع سارة بلطف وأعطاها مبلغا ماليا وتعاطف معها، وهناك طالبت سارة المأمور بحبس والدها وزوجته.

سارة4

"مين هياخد على كلامها دي عبيطة".. ومأمور القسم يغضب

وعقب ذلك، حسب أميرة، تحدث المأمور مع زوجة الأب، وقال: خلي بالك الدعوة منها ممكن تؤذيكي، وردت زوجة الأب نصا: "مين هياخد على كلامها.. دي عبيطة"، وهنا حدث للمأمور حالة غضب، وعنف الزوج لسماحه لزوجته بأن تتلفظ في حق ابنته بهذا القول.

وقال المأمور لأميرة، أنا هامشِّي الورق وستكوني مسؤولة عن البنت، عن طريق محضر، لأن أهلها ناس غير أمينة عليها، وبالفعل تسلمت أميرة سارة عن طريق محضر، وفي صباح الأحد الماضي، ذهبت أميرة لتسليم سارة إلى إخوتها عن طريق وزارة التضامن بمقرها بالعجوزة، لتكون الوزارة الضامن لحماية سارة، كما لن يتم تسليمها لوالدها، لأنها حررت محضرا رسميا بأن الوالد غير أمين على سارة.

سارة تتمنى أن تعيش في إمبابة مع إخوتها، وتحديدًا لدى الأخ الأكبر عبد الفتاح، والموجود خارج مصر، كونه يعمل محاسبا بالسعودية، لكنه عاد صبيحة يوم الجمعة الماضي، لقضاء إجازته السنوية، وليس من أجل أمر سارة، وذلك كون والد سارة لم يخبر عبد الفتاح بهروب سارة من الأساس، حسب ما أكده عبد الفتاح.

وزارة التضامن

أبويا ورضا يدخلوا المحكمة وفي إيديهم الحديد.. وعاوزة خطوبة وفرح

"أنا عاوزة أبويا ورضا يدخلوا المحكمة.. وفي إيديهم الحديد"، هذا ما تمنته سارة، كما حلمت بالخطوبة والفرح، و"عاوزة شقة لي لوحدي، وعاوزة أكمل تعليم لحد الجامعة، وعاوزة خطيبي وجوزي يجيبلي حقي من أبويا ورضا".

في تمام الساعة الـ1 من مساء يوم الأحد الماضي، وصلت سارة برفقة أميرة لمقر وزارة التضامن، ورافقهم "التحرير"، ومع الدخول إلى مقر الوزارة التقت سارة أخويها "عبد الفتاح وطارق"، وانهالت عليهما بالقبلات والعناق الحار، لا سيما عبد الفتاح.

ثم جلسنا جميعًا، بالدور الأول بوزارة التضامن، حيث مقر فرقة "التدخل السريع"، وكان بحضور شقيقي سارة وصديق أحدهم، وأميرة، ومحرر"التحرير"، ومشرفين من فرقة التدخل السريع، ومشرفتين من مركز التوجيه النفسي بوزارة التضامن، وهو المركز المسؤول عن الحالات المشابهة لسارة.

في بداية الجلسة تحدث عبد الفتاح، قائلًا: "سارة اتولدت على كبر لأبوها وأمها، ووالدتي كانت ترعاها، ووصلت في التعليم حتى الصف السادس الابتدائي، ووالدتي مرضت بالشلل، وتوفيت، وكنت أرغب فى أن تعيش سارة معي، إلا أن والدي رفض، وأنا لم يكن لدي مشكلة، ولا لدى زوجتى في أثناء سفري، وظللنا نبحث عن واحدة توافق بوضع سارة، وجوزنا الوالد بعد ضغط عليه، لمصلحة أختنا، زوجة والدي أنا من اخترتها، هنا توقف عبد الفتاح قليلا.. لو كنت موجود ماكانش كل ده حصل".

الوالد عصبي ولم يقتنع بأن سارة لديها مشكلة ذهنية

وحسب طارق، الشقيق الثاني لسارة، فالوالد عصبي، ولم يقتنع بأن سارة تحتاج إلى رعاية خاصة وأن لديها مشكلة ذهنية.

ظلت الجلسة إلى ما يزيد على ساعة، وكان مضمون الحديث ما بين أن تعيش سارة مع الأخ الأكبر عبد الفتاح، مع الذهاب لدار نهاري كل يوم لتأهيل سارة، أو تعيش داخل مؤسسة أو دار داخلية وتخرج "خميس وجمعة" لتعيش مع شقيقها وزوجته ونجله يومين، والعودة مجددًا للدار.

سارة 5

1000 جنيه شهريا للدار الداخلية

إلا أن الاقتراح الأخير واجه عقبتين، هما ارتفاع تكلفة أسعار دار الرعاية للإقامة داخليا وتبدأ التكلفة من 1000 جنيه شهريا، وهو ما لم يقدر على تحمله عبد الفتاح في هذه الآونة، بخلاف أن دار الرعاية للإقامة الداخلية ممتلئة بالقاهرة، وأقرب دار داخلية ستكون خارج نطاق القاهرة الكبرى، وهو ما رفضه شقيقا سارة.

أنا عاوز أحفظ حق أختي في بيتها من والدي وزوجته، بخلاف ما تعرضت له سارة من تعذيب نفسي منهما، هذا ما قاله طارق، وعقب مسؤولي وزارة التضامن بأن هذا الأمر ليس من اختصاصهم، وعليه أن يحرر محضرا ضد الوالد، كون دور الوزارة توفير الرعاية اللازمة لسارة فقط، إلا أن عبد الفتاح رفض تحرير محضر، في الوقت الذي كانت تردد فيه سارة كلمات "أنا خايفة.. أناعاوزة أموت" طوال الجلسة.

زيارات مفاجئة لسارة

وفي الختام، تم تحرير محضر اتفاق، وقع عليه كل الحضور بالجلسة، بأن يتم تسليم سارة لشقيقها عبد الفتاح، من خلال محضر رسمي بقسم شرطة إمبابة، وتعهد عبد الفتاح بتوجيه الرعاية اللازمة لسارة، على أن يقوم عبد الفتاح بعمل تحويل لإقامة سارة ببطاقة الرقم القومي على محل سكنه، بإمبابه بدلًا من المعادي، على أن تقوم فرق التأهيل الاجتماعي بعمل زيارات مفاجئة لسارة في منزل شقيقها، كما سيتم التنسيق عقب ذلك لتوفير خدمات لسارة من قبل الوزارة ما بين كارت الإعاقة ومعاش كرامة، والبحث عن توفير مركز نهاري تتردد عليه سارة قريب من سكنها، أو مركز إقامة داخلي إن أمكن.

وعقب ذلك تم إنهاء اتفاق وزارة التضامن، انتقلنا إلى مقر قسم شرطة إمبابة في تمام الساعة الـ3 عصرًا، لعمل محضر تسليم سارة من أميرة إلى عبد الفتاح، وكان المأمور في استقبال سارة وأخذ يداعبها، وعقب انتهاء إجراءات المحضر، لم ترغب سارة في مغادرة القسم حتى تنطر إلى والدها وزوجته، وهما بـ"الكلابش"، وظلت 15 دقيقة رافضة مغادرة القسم، إلا أن تشاهدهم وهم إما داخل قفص المطلوبين، أو بالكلابش في أيديهم.

أمناء الشرطة غلبت عليهم الإنسانية

"التحرير" تواصل مع عبد الفتاح، اليوم الخميس، والذي أفاد أن سارة تسكن حاليا معه، وبدأ في إجراءات تغيير البطاقة لمحل سكنها بإمبابة، ووافق على نشر القصة، دون ذكر اسم الأب، حتى لا يتم التشهير به.