loading...

مقالات

تسييس الموت - تداعيات شخصية بعد وفاة الدكتور أحمد خالد توفيق

تسييس الموت - تداعيات شخصية بعد وفاة الدكتور أحمد خالد توفيق


بوفاة الروائي المعروف الدكتور أحمد خالد توفيق ظهر مرة أخرى هذا الاستقطاب الثنائي المزمن الذى يعاني منه المجتمع منذ عقود طويلة، ولا أعرف بالضبط في أي عهد كان المجتمع يملك ما هو أبعد من هذه الثنائية الاستقطابية: الرفض التام والقبول التام، والتي يغيب عنها الحوار الحقيقي بين القطبين، لينتج مواقف ليست وسطية أو توفيقية، ولكن مواقف جديدة تخرج عن الرفض التام أو القبول التام، مساحة جديدة للرؤية، بعيدا عن الحب والكراهية أو أيا كانت المكونات الشعورية لقطبي هذه الثنائية.

                                              ***

يبدو أن هذه الثنائية، وبنية تكوينها، هى نفسها التي تمنع ظهور تيارات جديدة، وتمنع الحوار فيما بينها. يبدو أنها أقوى في تكوينها، وفي صلابتهما، من أي خيار آخر. إنها مثل المرض الفكري أو النفسي المستوطن والمركَّب من عدة أمراض متداخلة تمنع ظهور جوهر المشكلة، أو تضع أيدينا على الخطأ، ليتم علاجه. لقد تحول جسد المجتمع ككل إلى عقدة مركبة للغاية. ربما مرض الثنائية هذا أصبح جزءا أصيلا في الشخصية، ويعبر عن نفسه من خلال هذه الاستقطابات الحادة لثنائيات عديدة.

                                           ***

أعتقد أن هناك مبررا أخلاقيا يختفي وراء انحياز كل قطب لأفكاره. مثل الحب أو الصدق أو الثورية أو غيرها من الأفكار والمفاهيم التى تغطي على جوهر المشكلة. فهناك تشابه في أصول الأفكار المتبناة من القطبين، سواء إثبات أهمية الدكتور أحمد خالد توفيق ومدى تأثيره، ومدى الحب الذي يكنونه له، بينما أصحاب القطب الآخر يريدون أن يضعوا إطارا من المصداقية حول هذا التأثير الواسع له.

                                     ***

أعتقد أن جميعنا نتمنى أن نتحاور، وأن نقبل بالفكرة الأخرى، على المستوى النظري، ولكن هناك في بنية المجتمع، وبنية الأفكار نفسها، ما يعطل هذا التفاعل وهذا القبول، وهذا الإيمان بالحوار، والذهاب بمرْكِب الأفكار الشخصية للضفة الأخرى. يبدو أن هذه الثنائية الحالية (في حالة الدكتور أحمد خالد توفيق) لا تغري أيا من القطبين بالذهاب للضفة الأخرى، بل تزيده تمسكا بموقعه، وهناك شواهد كثيرة تؤكد هذا التمسك. هناك ما يحجب إغراء الاختلاف والتعدد والحوار.

                                    ***

يبدو أن الفكرة الثنائية فكرة أصيلة في تكوين أى مجتمع، وليست خطأ نهائيا، ولكن ينحصر دورها على إحدى مراحل تطور هذا المجتمع. ولكن أن تظل كما هي وبحالتها الخام، وفي كل مراحله فهنا المشكلة. يبدو أن استمرارها جعلها ثنائية غير حوارية.

                                  ***

أحيانا أسأل نفسي، هل هذه الثنائية الهشة التي لا تنتج جدلا حقيقيا، هل هي ثنائية قدرية، وإحدى سماتنا الشخصية، حتى لو أخطأت التعبير عن نفسها؟ وأن نظرتي الانتقادية لها ربما تعني تمسكي بنظرية أخرى أوروبية المنشأ، تقوم على تفاعل الأضداد الذي ينتج حوارا ووعيا جديدين؟ وأن هذا الوعي له منبت أوروبي غير قابل للتكرار في سياقات أخرى؟ وأن تطورنا، إن جاز التعبير وصحته، سيقوم على محاور مختلفة ليس من بينها الجدل والصراع بين الأضداد؟ وأن هناك جسما لم يُكشف عنه في بنية المجتمع، لأن التشخيص تم بشكل خاطئ؟ هل هناك "أحادية" لها أصل ديني غير قابلة للانقسام والحوار، ولا تزال هي ما تشغل جوهر المجتمع، وكل ما يحدث نوع من الانقسام أو التعدد الظاهري لها؟

                                   ***

الحب من الأشياء التى تنتج الجدل، على المستوى الشخصي، هو نظام شعوري يجعل الآخر حاضرا ضمن الذات ومشروعها، كجزء من ثنائية قديمة وأصيلة (الأنا – الآخر). هذه الإزاحة الشخصية لحضور الذات، من أجل حضور الآخر، لو حدثت، عندها يمكن على المستوى الأكبر؛ أن يتحول هذا الحب إلى تفاعل مستمر، ويمكنه أن ينتقل لنظم تفكير أكبر، يقبل بمبدأ القبول. ومن هنا صعوبة الحب أيضا، لأن به اقتصاصا من "أحاديتك" أو "أناك" المستيقظة دوما للدفاع عن نفسها، لتدخل في صيرورة متغيرة، غير مأمونة العواقب بالحب. ربما هذه المخاطرة، هي التى ستنتج القبول للفكرة الأخرى واستمرار جدلها داخلك. ليس هناك حب بدون تخلٍّ وأى ذات هي مشروع للزيادة والنقصان.

                                            ***

فى الحالة الاستقطابية الأخيرة، التي نتجت بعد وفاة الدكتور أحمد خالد توفيق؛ اُستخدم الحب، من طرف محبيه وقرائه، للتغطية على حب أعمق، أكثر مسئولية. استهلك الحب في مكان الدفاع عن الذات. وأيضا استهلكت المعاداة، أو النظرة الأخرى، لتثبيت فكرة علمية ليس هنا مكان لها بالمرة. فتم التسخيف من مشاعر محبيه والاستهزاء بها تحت دعاوى العلمية أو النقد أو الجذرية، متناسين بأن الألم أو الحزن أحد الأماكن التي تستدعي قراءة جديدة ولا تقبل النقاش إلا بعد فترة. ولكن أعتقد أن هذا القطب النقدي كان يحركه مفهوم ثورى هو الآخر ضعيف في إسقاطاته، وفهمه لموقف الحزن الجمعي، أيا كان، بأنه نموذج لعبادة الفرد. لذا تستدعي الثورية الوقوف ضد هذه العبادة، مهما كان رأي الأغلبية، بإحداث صدمة شعورية لها. لقد استهلك مفهوم الحب، أو نقيضه، في المكان الأضعف، وهو مكان الدفاع عن الذات، واتهام الآخر.

                                           ***

داخل هذه الصراعات الثنائية يحدث توهم بأن هناك "أغلبية" يجب تعليمها الأدب، وأن هناك "أقلية "يجب ألا تنساق وراء القطيع. أعتقد بأنه قياس خاطئ، فلا أغلبية ولا أقلية داخل هذا الاستقطاب. فالاستقطاب نفسه يعبر عن تفتت لصورة المجتمع أمام نفسه، ويعبر عن توزيع عشوائي لأقليته وأغلبيته، على السواء، إلا لو اعتبرنا أن النظام السياسي، وبكل تمثلاته، هو الأغلبية التى يجب الوقوف ضدها. وهو ما حدث، فأصبحت الأغلبية هي كل ما هو خارج الفرد، وأصبحت الأقلية هي الفرد ذاته. إذن هى قسمة دفاعية نفسية تقوم على الخوف وليس الجدل الذي يحتاج روحا حية قابلة للتصحيح والخطأ.

                                        ***

هناك مفهوم "الكتلة الجمعية" في القطبين، ربما حضور وسيلة التواصل الاجتماعي وقدرتها لتوصيل المشاعر في الحال كثف من هذا الانقسام، بل أظهره ومنحه مصداقية وأظهر معه مفهوم "الكتلة". ولكن القطبان يعبران عن ذاتية فردية في طريقة تفسير القطب الآخر. بمعنى أن هذه الكتلة تشكلت بمزاجية الفرد وليست بمزاجية الجماعة، وحاصل جمع عناصرها وأفرادها وأفكارها. فشخص واحد يمكن أن ينوب عن الجماعة في الطرفين المتضادين، لذا الصراع سيظل أبديا بلا نهاية وسيتم توارثه أيضا، ولذا ربما القطبان يتبعان منهج القطيع نفسه.

                                       ***

بعد أحداث يونيو 2013 ظهر ما يسمى "التيار الثالث" أو هؤلاء الذين يتخذون موقفا جديدا عن الاستقطاب، بين قطبي يناير ويونيو.  ظهر هذا القطب الجديد ليشغل حتى مكانا جديدا بعيدا عن أماكن الاستقطاب السابقة وسمي "الميدان الثالث".

اختفى هذا التيار سريعا، كما ظهر، لأنه لم ينتج كحاصل تفاعل بين القطبين القديمين، أو الميدانين القديمين، ولا من مراجعة عميقة لكل قطب على حدة، نظرا لضيق الوقت، ولكنه جاء ليملأ فراغا شكليا، يبدو أن المجتمع والمثقف بالذات، ونتيجة لعمله بالنظريات السياسية الناجحة؛ كان يعرف بحدود الدور الخاص به، ويريد أن يلعبه حتى ولو لم يكن مؤهلا له في كل الأوقات. فأهمية المثقف ليس في أن يملأ فراغا نظريا، ولكن أن يعيد تركيب ذاتيته والتى تحتاج إلى زمن أطول وجدل وتجارب أوسع من ذلك.

                                         ***

بالتأكيد هناك نيات طيبة في كل المواقف، ولكن أى قطب يجب أن يستوعب بداخله "آخره"، المستقبلي، أو لا يستوعبه، وهنا موت له. أي قطب لا يكون فقط تمثيلا  لطيفٍ سياسي ضيق، بل تعبير عن أفكار وجودية واتجاهات أساسية وفلسفية في الحياة. هذه النوعية من الجدل والحوار مؤجلة منذ بدايات القرن العشرين تحت قناع جدل ثنائي آخر مثل الأصالة/ العاصرة، الشيوعية/ الرأسمالية، وغيرها. المجتمع لا يزال يعوم فوق بحور من المتناقضات، وهى التى تفرق بين أقطابه وتمنع تفاعلها،  وتستسهل تفسير كل شيء بالمعنى السياسي الضيق.

                                        ***

هل معنى هذا أن المجتمع سائب لا تحكمه نظرية أو توجه؟ بالفعل المجتمع سائب، ولا يحركه سوى قناعات وأقنعة قديمة ونظم علاقات إنسانية ووراثية. هناك لحظة سيولة أقوى بكثير من سيولة انهيار جدار برلين وتقسيم الاتحاد السوفييتي، ونظريات "نهاية العالم".  نحن أمام لحظة مفككة تحتاج الكثير من الصبر لبناء مواقف واستقطابات حقيقية لها مصالح حقيقية ونزاع حقيقى داخل المجتمع. فأي استقطاب يحدث، برغم علو صوته، فلم يكن ممثلا للمجتمع ككل، ولكن لفئة أصبحت هى تنوب عن المجتمع لقوة تأثيرها وامتلاكها أدوات التعبير والسخط. لقد امتص الانقسام السياسي كل الأحداث داخل بؤرة تفسيره، وصبغها بصبغته.

                                      ***

ولكن هل يصح هذا الانقسام حتى عند الموت؟ هنا التوقف، فهناك انقسام أصبح يتعالى على الموت. في حال الدكتور أحمد خالد توفيق تم تسييس الموت وحصره في الفكرة الأخلاقية لجلال الموت لمحبيه، أو الفكرة النقدية -وهي بالمناسبة أيضا فكرة أخلاقية تبحث عن الأفضل- بالنسبة لمن يقف ضده ويستهين به. جلال الحزن مقابل جلال النقد، أو القداسة المتمثلة فى القطبين. وربما هي، القداسة، القطب الأحادي المصري القديم الذى لم يتفرع حتى الآن، وأنتج ثنائيات متشابهة في مواقفها ومضمونها.

                                     ***

 هناك حب، للراحل، لن ينال منه أحد، ولن يتوقف بالموت، ولن يحتاج لمن يدافع عنه لأنه حاضر وبقوة ولا يحتاج إلى تدليل. وهو ما نساه محبوه وقراؤه. وأيضا استخدام المفهوم النقدي فى تقييم الروائي الراحل أعتقد أنه أيضا قناع لعدم تفهم حب أجيال له. قد يكون القياس النقدي للراحل مهما في لحظة أخرى بها نظريات نقدية واضحة، والإصرار على التمسك بها هو ملء لأشكال وأدوار ثقافية لم تعد صالحة، وهنا يبرز الدور السياسي لصاحب وأصحاب هذا التوجه في استبعاد "الآخر"، باستخدام قناع النقد البناء.

                                     ***

أعتقد أن المُحب للدكتور أحمد لا يقدسه، ولكنه دخل منطقة التحريم بقوة دفع الضغط من القطب الآخر، وأيضا لغياب "مثال" يمكن أن يتم الثقة فيه. دخل صراعا كان مرسوما من قبل في ثنائية المجتمع.  والعكس صحيح، أيضا الذى لايحبه، أعتقد أنه يحترم موته بالتأكيد، ولكن دخل صراعا وتورط في جغرافيته القديمة بحثا عن " مثال" نقدي. هذا التجاذب الخاطئ بين الطرفين دفعهما لاتخاذ أدوار ليست مناسبة، وربما كانت هناك أدوار أخرى، أكثر إنسانية ودقيقة في آن. هذا النزاع أو غيره، الكل مضطر له، لأن يعبر عن شكل/ مرض عميق في المجتمع، لم يتم الوصول لتشخيصه.

                                              ***

منذ سنوات عديدة عرضتْ علىَّ صديقة تصغرني  بنحو 25 سنة، وبيننا حوار به الكثير من الأفكار المتشابهة، عرضت على هذه الصديقة رواية "يوتوبيا" للدكتور أحمد خالد توفيق، وطلبت رأيي فيها. لم يكن رأيي على مستوى توقعها كونها تثق في ذوقي الأدبي، وأيضا تثق في حبها للدكتور أحمد خالد توفيق. أعر ف، وأقدر، تماما تأثير الدكتور أحمد على أجيال متفرقة، وأهمية وجوده في تلك اللحظة، ولكن شعرت بعد هذا الحوار بينى وبين الصديقة بأن هناك حلقة مفقودة، في الذوق الأدبي، بين جيلي والأجيال التالية. هناك نظام ترميز مختلف، ربما السبب ليس خطيئة الأجيال، ولكن في هذه الحلقة المفقودة التى يعبر من خلالها الأدب ليترك أثرًا لمن سبق ولمن هو قادم. هناك فجوة زمنية خرج فيه هذا الأدب الجديد، مع أجيال لم تر الماضي جيدًا بسبب هذه الفجوة.

فالمجتمع لم يوحد رموزه، حدث تهتك وثغرات في نظامه الرمزي فخلقت جماعات كل لها شفرتها في التفسير والشعور والإحساس الجمالي والأدبي. خلقت هذه الفجوات الكبيرة، التي ستزيد فيما بعد، أقطاب وحدة الانقسام.