loading...

مقالات

هرتزوج نبي السينما

هرتزوج نبي السينما


المخرج الألمانى العظيم هرتزوج أيقونة سينما الطليعة الألمانية له حكاية غريبة تستحق التأمل، أخبرنى بها قديمًا مساعده الصديق ناصر خمير المخرج التونسى البارع صاحب فيلم "الهائمون"، الحاصل على جائزة العمل الأول فى مهرجان كان فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى.

قال لى ناصر إن هرتزوج عمل فى سنوات شبابه الأولى كمخرج للأفلام الوثائقية التى تصور عالم الحيوان، وإنه تخصص فى تصوير مواسم تزاوج المفترسات والثدييات العملاقة البرية والبرمائية، فى زمن لم تكن التقنيات قد توصلت فيه إلى وسائل التصوير المعقدة التى يمكنها الآن تسجيل أندر اللقطات عن بعد عشرات الكيلومترات بعدسات الزووم المتطورة، وفى وقت لم يكن يملك فيه المصورون السينمائيون تكنولوجيا تصوير رقمية لديها القدرة على تسجيل تلك اللقطات بحرفيات بالغة الدقة، رغم سوء الإضاءة، وصعوبة المتابعة البشرية فى ظروف تفوق طاقة الفرد المبدع وقتذاك مهما ارتفعت مهارته.

فى ذلك الوقت فى العقد السادس من القرن العشرين، قام هرتزوج بتصوير مواسم تزاوج أفراس النهر والخراتيت والأسود الإفريقية فى حقول السافانا المفتوحة الشاسعة التى لا تختار الأسود القيام بإشباع رغباتها الجنسية إلا فى منتصفها تمامًا! أى أنها تقوم بذلك الأمر بين أعشاب السافانا الطويلة، فى بقاع مكشوفة تمتد لمئات الكيلومترات المربعة، فى غيبة كاملة لأى وجود لمخلوق غيرها، بحيث يستحيل على الإنسان رصدها بأقوى الكاميرات التى اخترعها فى تلك الحقبة الزمنية، ويستحيل عليه بالطبع الاقتراب منها دون أن يتعرض إلى مخاطر مرعبة.

كيف قام هرتزوج بذلك؟ لا أحد غيره يعرف على وجه التحديد. أما لماذا قام بذلك؟ فالإجابة التى قالها لناصر ضاحكًا: إنه كان يحلم بالحصول على الملايين من بيع تلك الأفلام من أجل امتلاك شركة إنتاج تخصه، تقوم بتمويل أفلامه الدرامية غير التجارية التى لن تحقق شعبية كبيرة تجعل شركات الإنتاج فى العالم تجرؤ على المجازفة بتمويلها! وهو الأمر الذى نجح فيه بالفعل، وأصبح يمتلك شركة أفلام هرتزوج التى أنتجت أفلامه وأفلام معاصريه من مخرجى سينما الطليعة الألمانية.

بعدها تعددت أفلام هرتزوج العبقرية الفلسفية التى تتناول رؤيته لتاريخ البشر والحضارات الإنسانية، منذ بدأها بفيلم "إجويرا غضب الرب" وصولاً إلى "يوم يموت النمل الأخضر" و"فيتزكارالدو"، والأخير تم عرضه فى مهرجان كان فى بداية ثمانينيات القرن العشرين أيضًا، خارج المسابقة الرسمية، لأن هرتزوج لا يعتقد فى جدوى سباقات الأفلام، ويعتقد أنها ظاهرة تسىء إلى الإبداع السينمائى. لكن إدارة مهرجان كان فى ذلك التاريخ أصرت على دعوته لكى تكرمه باعتباره ظاهرة فريدة لا تتكرر فى تاريخ السينما، وقررت منحه جائزة خاصة تم تصميمها للاحتفاء به، وتم التنويه عنها بأنها جائزة فريدة كصاحبها لا تمنح مرتين!

ربما يعرف هرتزوج قليلون خارج بلاده فى أوروبا، ولكن فى أمريكا لا يعرفه أحد على الإطلاق. فما بالك بمصر والدول العربية؟

الكلام لا ينتهى حول عبقرية وصعوبة المشاهد التى استخدم فيها هرتزوج خبرته فى تصوير الحيوانات فى فيلم "إجويرا غضب الرب"، الذى يتحدث عن مقاتل من عصر الاستعمار الأوروبى قطع نهر الأمازون على متن طوف يحمله هو وابنته بعد أن تعرضت حملته للضياع فى الغابات الشاسعة التى يمر بها ذلك النهر. هناك مشهد الفراشات التى استطاع إجويرا أن يسيطر عليها سعيدًا قبل أن يفقد جنود حملته الذين وقفوا ينظرون للفراشات الملونة بانبهار وهى تطير وتحط على أصابع قائدهم العظيم من كف إلى آخر. فى إشارة إلى أن الدنيا دانت له ليفعل ما يشاء.

هناك أيضًا مشهد النهاية الذى تنتشر فيه قرود صغيرة حقيقية فوق الطوف لتلعب بسيف القائد المنسحق وخوذته ودروعه وكأنهم يمثلون أدوارًا تدربوا عليها. دون أى استخدام للخدع أو لتكنولوجيا التحريك.

فى فيلم إجويرا يتناول هرتزوج قصة المحارب الأوروبى الجبار الذى توج نفسه ملكًا على كل أرض يمر بها الطوف الذى يحمله مع ابنته الجميلة البلهاء الخرساء التى ترتدى ثوبها الأبيض، والتى قرر فى لحظة يأسه وانكساره أن يتزوجها، وينصبها ملكة على الأراضى التى يمر بها طوفه المتسارع الذى لا يوجد تفسير لسرعته المتزايدة سوى أنه يتجه نحو شلال هادر. فى إشارة إلى الحضارة الغربية التى أسكرتها سرعة تقدمها المطردة الهائلة التى ستقودها إلى حتفها، والتى تعالت وتزوجت نفسها، ولم تقبل مصاهرة غيرها من الحضارات.

هذا هو هرتزوج نبى السينما كما يلقبه بعض النقاد الأوروبيين، الذى أنتوى الحديث فى مقالى القادم عن فيلمه المدهش "فيتزكارالدو" باعتباره الأهم فى مشواره السينمائى الفلسفى العظيم، والمتكامل من وجهة نظرى.