loading...

ثقافة و فن

أمينة رزق.. عذراء السينما التي أضاعها حبها ليوسف وهبي

أمينة رزق

أمينة رزق



ملخص

طفلة لم تبحث عن بطولة تجعلها نجمة شباك، وكان همها الأول تقديم أدوار مؤثرة تترك بصمة، وظلّت باقية فى رحاب المسرح والسينما والتليفزيون حتى بلغت من العمر عتيا بتجاوزها سن التسعين.

أمينة رزق.. أم الفنانين، عذراء السينما المصرية، وراهبة المسرح، كلها ألقاب لاسم واحد، ولسيدة وُلدت كى تكون ممثلة، وأحد أهم أعلام الفن المصرى فى القرن الماضى، حيث إن رحلتها مع السينما تمثل عمر هذه السينما نفسها فى مصر، وكذلك المسرح الذى ظّلت فى رحابه منذ اكتشافها وهى بنت الثانية عشرة من عمرها، على يد الحبيب الأوحد الذى لم تناله، يوسف بك وهبى، وهى أيقونة للفن العربى، وصاحبة تجربة ثرية فى محراب الفن، وامتد عطاؤها على مدار 8 عقود، تعاونت فيها مع مختلف الأجيال.

النشأة

هى أمينة محمد رزق الجعفرى، التى ولدت في 15 أبريل عام 1910، بمدينة طنطا بمحافظة الغربية، الابن الوحيدة لوالد يعمل تاجرًا للدقيق، التحقت بالمدرسة الابتدائية هناك عام 1916، وكانت تشاهد السيرك فى احتفالات مولد السيد البدوى، وبسبب ذلك تعلقت بالفن، لكن والدها توفى بعد عامين فانتقلت مع والدتها إلى العاصمة القاهرة لتلتحق بمدرسة ضياء الشرق الابتدائية، وكان عمرها ثمانى سنوات.

طفلة ثورية

لم تكن ابنة الثمانى أعوام بعيدةً عن الإرهاصات السابقة لثورة 1919، إنما كانت دائمًا ما تقود الفتيات فى مظاهرات طلابية ضد الاحتلال الإنجليزى وتردد: "عاشت مصر حرة... عاشت مصر حرة"، وفى إحدى المرات وبينما اقترب المتظاهرون من الشارع الرئيسى أُطلق عليهم الرصاص، ووقع الكثير من القتلى وألقى الإنجليز القبض على عدد كبير منهم، وعادت سالمةً إلا أن والدتها منعتها الذهاب للمدرسة فترة حتى وعدتها ألا تُكررها.

بداية المشوار

أمينة صعدت لأول مرة على خشبة المسرح عام 1922 وهى فى الثانية عشرة من عمرها، حيث اشتركت مع خالتها الفنانة أمينة محمد، والتى كانت تكبرها بعامين فقط، فى الغناء مع الكورال، فى إحدى مسرحيات فرقة على الكسار بروض الفرج، وانتقلت للعمل مع فرقة رمسيس المسرحية التى أسسها عميد المسرح العربى يوسف وهبى 1924، فظهرت ممثلةً لأول مرة فى مسرحية "راسبوتين"، وكانت هذه هى بدايتها المسرحية الحقيقية، وبدأ الاعتماد عليها فى معظم الأدوار النسائية للفرقة، وعندما حلّ يوسف وهبى فرقته المسرحية عام 1944، انضمت إلى الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى، وعندما ظهر المسرح القومى انضمت إليه 1958 هى ومن تبقى من أعضاء فرقة رمسيس، وأصبحت إحدى بطلاته المرموقات، وقدّمت مسرحيات عدة منها: "مجنون ليلى، بداية ونهاية، طعام لكل فم، أولاد الفقراء، بنات اليوم، عطيل، رجل الساعة، والدنيا مسرح كبير".

السينما

تمثل رحلتها مع السينما عمر هذه السينما نفسها فى مصر، حيث قامت بدور فى ثانى الأفلام المصرية "قُبلة فى الصحراء" الذى عُرض عام 1924، إلى أن شاركت فى التمثيل بأول فيلم مصرى ناطق، وهو "أولاد الذوات" الذى أنتجه يوسف وهبى عام 1932، وتلاحقت بعدها أدوارها على الشاشة الفضية، وبزغ نجمها ونجحت باقتدار فى أن تفصل بين أدائها المسرحى والسينمائى، وبدأ ذلك فى أفلامها التى قامت ببطولتها مثل فيلم "الدكتور" عام 1939، ووصلت مشاركتها إلى رقم اختُلف فى حصره لضخامته، وأُختير بعض أعمالها مثل "دعاء الكروان"، عن رواية لـطه حسين، من بين أفضل مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية.

أمينة نجحت فى أداء أدوار درامية معقدة، يغلب عليها الطابع المأساوى الحزين، كما اشتهرت بأداء دور الأم لمدة طويلة بدءًا من عام 1945 من خلال فيلم "الأم"، ولم تكن تجاوزت الـ35 من عمرها، وقدّمت الدور فى أفلام منها: "بداية ونهاية، أرض الأحلام، قنديل أم هاشم، المجرم، التلميذة، وبائعة الخبز"، حتى أُطلق عليها "أم الفنانين"، وكذلك دور الزوجة العاقلة والمضحية من أجل أبنائها، وعُرفت بجديتها أثناء العمل وانضباط مواعيدها، ومن أهم أعمالها السينمائية أفلام: "الدفاع، الدكتور، قلب المرأة، مصطفى كامل، شيء من الخوف، بائعة الخبز، الشموع السوداء، التلميذة، المولد، التوت والنبوت، شفيقة القبطية، البؤساء، وأريد حلًا".

الغرام بالعميد

ارتبطت بفرقة رمسيس ارتباطًا كبيرًا، ومثّلت فى أغلب مسرحيات يوسف وهبى الذى ارتبطت به أستاذًا وفنانًا وممثلًا، ولم يتزوجها رغم حبها الشديد له، ولكنها لم تبح له يومًا بهذا الحب الذى رفضت من أجله الارتباط بأى رجل آخر، هذا الحب وصل بها إلى أن تنكّرت مرة فى زى خادمة، لتلعب دور مرسال الغرام بينه وبين إحدى حبيباته، فقد كانت تلك السيدة متزوجة، ورغم ذلك تجمع بينها وبين يوسف وهبى قصة حب كبيرة، وظلت أمينة توصل لها رسائله الغرامية حتى تم طلاقها من زوجها، وتزوجها وهبى فى النهاية.

العذراء

وفى لقاء نادر لها مع الإعلامى مفيد فوزى، عبر قناة "دريم"، ذكرت أمينة أنها تقدم العديد لخطبتها، وكان منهم شخص يُدعى وهبى ويعمل ضابطًا، ومع إصرار عائلتها عليه وافقت على الخطبة منه، وفى قرارة نفسها تعلم أنها لو تزوجت سيُبعدها عن الفن، وبعد فترة استغلت سفره إلى الخارج وأرسلت إليه شبكته، وفوجئت بعد مُضى 14 عامًا على فراق هذا الشخص يتصل بها بعد عودته من الخارج ويطلب زيارتها، ووافقت وعلِمت بعدها أنه تزوج من فتاة أجنبية ولكنه سينفصل عنها لعدم اتفاقهما، وقام بطلبها للخطوبة مرة أخرى، ووجدت إصرارًا كبيرًا من عائلتها وتهديد بأنهم سيتبرأون منها، فاضطرت للموافقة عليه وعُقد القران، وطلب منها ممارسة حقوقه الشرعية، إلا أنها رفضت، وبعد 11 يومًا تم الطلاق.

سيدة المسرح

بلغ رصيدها المسرحى 210 مسرحيات، ونجحت أيضًا فى الأدوار الكوميدية، ومنها دورها فى مسرحية "إنها حقًا عائلة محترمة" التى عُرضت 1979، مع فؤاد المهندس، وشويكار، كما شاركت فى مسرحية "السنيورة تكسب" عام 1985، وآخر أعمالها كان اشتراكها فى مسرحية "يا طالع الشجرة" للأديب الكبير توفيق الحكيم، قبل عدة أشهر من وفاتها، ورفضت فى سنواتها الأخيرة فكرة الاعتزال، رغم حادث السيارة الذى تعرضت له وأصابها بكسور فى ساقها.

التليفزيون والإذاعة

بلغ رصيدها من مسلسلات وسهرات التليفزيون 96 عملًا فنيًا، ومن أهمها: "أوبرا عايدة، للعدالة وجوه كثيرة، أوراق مصرية، السيرة الهلالية، هارون الرشيد، ألف ليلة وليلة، خالتى صفية والدير، عمر بن عبد العزيز، والسيرة العربية"، وآخرها "أدهم و زينات وثلاث بنات" فى عام وفاتها، وفى الإذاعة 178 عملًا إذاعيًا، ومنها: "رحلة فى الزمن القديم، حياة بلا شاطئ، قلوب تحت الرماد، يا عينى على الصبر، وقصر الشوق".

الجوائز

حصلت على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وعيّنها الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك نائبة فى مجلس الشورى عام 1991، بعد أن بلغت الثمانين من العمر، ودخلت فى صدام شهير مع وزير الثقافة آنذاك فاروق حسنى، اعتراضًا على التقارير التى كانت تخالف واقع تدهور أحوال المسرح فى تسعينيات القرن الماضى.

الضرائب

لم تكن أمينة تحتفظ بأوراق متعلقة بالضرائب التى يتم تسديدها عن أدوارها الفنية، وكانت تعتمد على شركات الإنتاج فى تسديد حق الدولة عن طريق الخصم من المنبع حتى فوجئت فى العام 1996 بمطالبة الضرائب لها بتسديد المستحقات عن 24 عامًا دُفعةً واحدة، بحيث قدّرتها الضرائب بـ38 ألف جنيه، وحاولت التفاهم مع المسؤولين مؤكدة أنها لم تتهرب يومًا من تسديد قيمة الضرائب، إلا أنهم طلبوا منها إحضار الإيصالات، وفشلت جميع محاولاتها لتخفيض المبلغ، فقامت بسداد 14 ألف جنيه، ودفعت الباقى بالتقسيط على عدة أشهر تجنبا للحجز على ممتلكاتها وبيعها فى مزاد علنى، وكانت تمتلك سرايا بشارع الهرم بلغت مساحتها 1121 مترًا، مكوّنة من 3 طوابق، أجّرتها لصالح أحد الأشخاص بمبلغ 40 جنيهًا شهريًا وفقًا للقانون القديم، بينما حددت الضرائب المبلغ المفروض على السرايا بـ125 جنيه شهريًا، وعليه أصبحت تدفع للسرايا ضريبة تفوق قيمتها التأجيرية، ولم تجد من يُقدّم على شرائها ليسدد ضريبة عنها أكبر من قيمتها التأجيرية، وفى نهاية المطاف باعت الفيلا لتُسدد مستحقاتها.

 

الرحيل

فى آخر عقدين من حياتها انحسرت أدوارها محددة فى شخصية الجدة أو كبيرة العائلة، حتى توفيت الفنانة أمينة رزق يوم 24 أغسطس عام 2003، عن عمر يناهز 93 عامًا، إثر إصابتها بهبوط حاد فى الدورة الدموية، وشيُّعت جنازتها من مسجد الحامدية الشاذلية بالمهندسين بالجيزة.