loading...

مقالات

دور الإسلاميين والأحزاب في مراحل الانتقال السياسي

دور الإسلاميين والأحزاب في مراحل الانتقال السياسي


ما الدور الذي لعبته القوى الإسلامية السياسية والسلفيين في أعقاب 25 يناير 2011؟ مواقف جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين من الانتفاضة الثورية اتسمت بالرفض وعدم المشاركة، والتقليل من شأن الداعين للتظاهرات، ومن ثم كانوا أقرب إلى موقف السلطة الحاكمة؟ والخشية من ردود أفعالها في حال فشل عملية التظاهر. عندما تأكدوا من نجاح العملية الانتفاضية، بدأوا المشاركة على استحياء من خلال بعض كوادرهم، وذلك لكي يكونوا جزءًا من المشهد السياسي الجديد في البلاد.

كان دور جماعة الإخوان المسلمين أقرب إلى انتهاز الفرصة السياسية الاستثنائية، وذلك من خلال الحضور في عملية التفاوض والحوار مع السلطة السياسية قبل رحيلها، وبعدُ حلول المجلس العسكري – السلطة الفعلية- بديلاً عنها. 

دخل السلفيين إلى دائرة الانتفاضة مع جماعة الإخوان من خلال ما سمي بجمعة قندهار، التي حاولا فيها مع بعض الجماعات الإسلامية الأخرى -الجماعة الإسلامية والجهاد- أن يظهروا قدراتهم التنظيمية على الحشد الجماهيري لأعضائهم والعاطفين عليهم إزاء القوى الاحتجاجية والشبابية المنتفضة، وبث رسائل السلطة الفعلية عن قوتهم وقدراتهم التنظيمية والحركية، ورسائل إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية أنهم القوة السياسية الأساسية القادرة على تحريك الجماهير.

استخدمت القوى الإسلامية الشعارات الدينية، في التعبئة الجماهيرية، وفي محاولة كسر حالة التوافق الجماهيري وطلائعه الشابة حول الشعارات السياسية المدنية حول العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. من ناحية أخرى التركيز على توسيع الفجوة بين المصريين على أساس الدين، والمذهب وهو ما ظهر في الهجوم على الكنائس والأقباط، وعلى بعض أتباع المذهب الشيعي على قلتهم.

لا شك أن استخدام الدين كأداة وشعارات أدى إلى إضعاف حركة الجموع الشعبية المنتفضة، وتفكيكها، وإبراز التناقضات السياسية والدينية داخلها.

ركز الإخوان المسلمون على عملية التفاوض مع السلطة، والسعي من خلال الحشد الجماهيري إلى السيطرة على التجمعات، إلا أنهم نجحوا في الشق الأول، ولكنهم لم يستطيعوا الهيمنة على حركة الجموع الثائرة في ميدان التحرير أساسًا.

استطاع الإخوان ومعهم السلفيون والجماعة الإسلامية والجهاد أن يفرضوا خارطة الطريق الملائمة لمصالحهم السياسية، كما برز في تعديل دستور 1971، ثم بعد ذلك في فرض الانتخابات البرلمانية أولاً، ثم الانتخابات الرئاسية، على نحو حقق لهم النجاح في إحراز الأغلبية في البرلمان، ثم نجاح محمد مرسي كرئيس للجمهورية، عن جماعة الإخوان.

إن أداء الإسلاميين في البرلمان كشف عن ضعف ثقافة الدولة لديهم، ونقص شديد في مهاراتهم السياسية، وهو ما أدى إلى فشلهم السياسي والتشريعي. كانت قدراتهم التنظيمية على الحشد وتحريك قواعدهم بارزًا، إلا أن كفاءاتهم وقدراتهم التشريعية والسياسية اتسمت بالمحدودية والهشاشة.

ساهمت النزعة الاستحواذية والإقصائية للإخوان والسلفيين في المزيد من إضعاف الحركة الجماهيرية، والحزبية على نحو واضح، إضافة إلى عوامل وأسباب ضعف الأحزاب السياسية قبل 25 يناير 2011 وما بعدها.

من ناحية أخرى، ساهمت الحركة الإسلامية في إشعال عديد من المشكلات الطائفية مع الأقباط، وفي إنتاج مخاوف جماعية لدى الطبقة الوسطى المدينية من مخاطر تهديد نمط حياتها الحديث، من خلال فرض القيود على سلوكها الاجتماعي من خلال محاولة بعض السلفيين القيام ببعض أعمال الحسبة في الشارع، أو إعلانهم عن تدريب خمسمائة قاضي شرعي، وتطبيق القانون الديني باسم الشريعة في بعض المناطق في سيناء، والاعتداء على شاب جامعي وقتله، لأنه يجلس بجوار خطيبته في مدينة السويس.

من هنا ساهم السلوك السياسي والتشريعي للإخوان والسلفيين والإسلاميين السياسيين -خلال المرحلتين الانتقاليتين الأولى والثانية- في إضعاف الأحزاب السياسية، وفي وضع دستور جديد 2012 ذي طابع ديني حاكم، على نحو أظهر مشروعهم الديني على نحو مضاد مع تقاليد الدولة المصرية الحديثة، وتراثها الدستوري والقانوني. لا شك أن ذلك أدى إلى تشكل جماعة تمرد لا سيما بعد البيان الدستوري الخطير، الذي أصدره محمد مرسي، وشكل أخطر انقلاب دستوري في تاريخنا السياسي منذ الانقلاب الدستوري لإسماعيل صدقي باشا عام 1930.

من هنا شكل الأداء السياسي والتشريعي غير الكفء والفاشل للإخوان والسلفيين إلى أحداث 30 يونيو وبدء المرحلة الانتقالية الثالثة، بدءًا من خارطة طريق حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية ودستور جديد للبلاد -2014- ومجلس نواب.

لم يستطع قادة الأحزاب السياسية التكيف مع العملية الثورية، وفي إطار المرحلتين الانتقاليتين، بعضهم حاول أن يكون جزءًا من المشهد السياسي مع السلطة الفعلية، ولم يحقق نجاحا يذكر، ثم حاول بعضهم أن يلعب دور «ديكوري» مع الإخوان المسلمين والسلفيين في البرلمان وكأن بعض هذه الأحزاب وقادتها لا يجيدون سوى لعب هذا الدور في إطار تركيبة السلطة السياسية منذ العودة الثانية إلى التعددية السياسية الشكلية والمقيدة في عهدي السادات، ومبارك، وذلك لأنهم لم يكونوا جزءًا من حركة الاحتجاج السياسي قبل 25 يناير 2011، وما بعد، إنما كانوا بمثابة ظل باهت. لم تستطع هذه الأحزاب التكيف السياسي، بل غادرتها بعض قواعدها الجماهيرية القليلة، لتغدو مجرد جرائد لا تقرأ، ومقار خاوية.

يعود هذا التراجع الشديد في مكانة الأحزاب والفكرة الحزبية إلى أدائها الضعيف سياسيًا، وجمود هياكلها القيادية، وسيطرة كبار السن على مقاليد أمورها، وتواطؤها مع السلطة السياسية الحاكمة. من ناحية أخرى أدارت الأجيال الشابة صانعة الانتفاضة الثورية ظهرها كهذه الأحزاب، بل ولغيرها من الأحزاب الجديدة التي تفتقر إلى القواعد الجماهيرية في هيكل عضويتها، وكذلك غياب برامج سياسة جادة لها. 

نستطيع القول إن الفقر الشبابي أو الجيلي للأحزاب السياسية يعود إلى الفجوات الجيلية قبل وبعد يناير 2011 بين الشباب وكبار السن. من ناحية أخرى لم تعد الأحزاب السياسية قادرة على لعب أدوار التعبئة السياسية، والتجنيد، لفقدانها الجاذبية والتقاليد والخبرات السياسية. المتغير الجديد هو الثورة الرقمية، ومواقع التفاعل الاجتماعي، والشبكات التي أصبحت قادرة على أن تكون هي اللغة والأداة الجديدة للتعبئة والحشد السياسي، وهو ما ظهر في التمهيد لأحداث يناير 2011، و 30 يونيو 2013. شكلت المدونات، والفيسبوك وتويتر، وإنستجرام البدائل الشابة الجديدة القادرة على أن تحول الواقع الافتراضي والمجال العام الرقمي إلى ساحات حية للتعبير عن الآراء والأفكار والتجارب، وعلى أن تكون أدوات تحريك للشباب، وتحفيزهم على المشاركة، وعلى الحركة في الواقع الفعلي.

يبدو أن الأدوات والساحات الرقمية الجديدة والمتطورة ستؤثر على الظاهرة الحزبية عمومًا في عالمنا، وفي مصر، لأنها أصبحت أكثر سرعة وحيوية وتفاعلاً مع الظواهر والأحداث السياسية والاجتماعية من الأحزاب السياسية، وذلك على الرغم من تفاعلها مع هذه الأدوات والساحات الرقمية.

إن مستقبل الثورة الرقمية وأدواتها ستشكل الظاهرة الحزبية والحياة السياسية في عالمنا، بل ربما تطرح مستقبلًا بدائل جديدة للأحزاب السياسية، لأن معنى السياسية/ السياسي سوف يتغير مستقبلًا.