loading...

مقالات

لحظات القدر

لحظات القدر


نحن في حاجة إلى لحظة من لحظات القدر، فرصة أخرى نعوض فيها كل الفرص السابقة، لا نكوص عنها، إعادة شحن الروح المصرية التي استرخت ونامت وتحولت إنجازاتها إلى صور ملونة على شاشة التليفزيون، نحن نتوق ليقظة تقف بنا على حافة التحول من الفعل السلبي إلى أفعال إيجابية، في كل مرة نعتقد ـمخدوعين- أننا نعيش في لحظات فارقة ولكنها تنتهي دون أن تحدث تغيرا جوهريا، حتى النيل في مساره لا يبدو طبيعيا، فقد أصبح فاترا، ينساب بلا أمواج مفعمة بالخصوبة، هكذا الحال في تاريخنا المعاصر، تتغير الأنظمة الحاكمة، ويتبادل المقاعد كل الذين يتحكمون في مفاتيح الاقتصاد، ولكن الأمور تسير في الاتجاه نفسه، حتى الآن فقد خسرنا كل لحظات التحول التي أتاحها القدر لنا.

عاشت مصر لحظات القدر ذات مرة في الستينيات من القرن الماضي، عجائز السن من أمثالي عاشوها وإن لم يعرفوا قيمتها، كنا نبني السد العالي، أعظم مشروع مائي عرفته البشرية في عصرها الحديث، كان النيل دائما هو معضلة مصر الأزلية، نهر بري قادم من قلب إفريقيا من الصعب ترويضه، يفيض فيغرق البلاد والعباد، ويغيض فتجف الحقول وتزوى الزروع وتحل كآبة الموت بدلا من بهجة الحياة، قرون طويلة ونحن تحت رحمة هذه التقلبات، لا أدري لماذا لم يحاول الفراعنة مع براعتهم في البناء أن يجدوا حلا لهذه المشكلة، انشغلوا بالملوك أكثر من البشر العاديين، واهتموا بالموتى أكثر من الأحياء، بنوا المعابد والأهرامات بدلا من أن يقيموا القناطر والجسور ليحدوا من شراسة النهر، وحفروا الأرض ليقيموا المقابر الغائرة لملوكهم بدلا من حفر القنوات لتصريف المياه الزائدة، ظل النهر على الحالة البدائية نفسها التي اكتشفها البشر الأوائل واستوطنوا ضفافه، العالم العربي الكبير الحسن بن الهيثم عندما أوفده الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى أسوان، اكتشف أن الحل الوحيد هو إقامة سد عملاق بعرض النهر، ولكنه لم يكن يملك وقتها الإمكانيات لتنفيذ الفكرة، ولم يكن قادرا على إيجاد حل بديل، وغضب الحاكم عليه، لأنه لم ينفذ أمره وأمر بوضعه في السجن، وتظاهر ابن الهيثم بالجنون وخفة العقل لينجو من عقابه، وانتهى به الأمر وهو يتسول قوت يومه على باب الأزهر، وظل النهر مشكلة مستعصية حتى احتل الإنجليز مصر، وقام اللورد كرومر الشهير ببناء سد عند أسوان، لم يكن كافيا لا لمنع الفيضان ولا لتوليد الكهرباء، ماذا كنا نتوقع من حاكم استعماري؟ كان السد العالي حلما حبيس الأدراج، والرغبة في بنائه تستلزم معارك طاحنة مع رموز الاستعمار، إنجلترا وفرنسا إضافة لإسرائيل، القوى نفسها التي ما زالت تمارس علينا شرورها، ولكن الاتحاد السوفييتي وقف بجانبنا في صلابة، لم يكتف بمدنا بالأموال والخبراء والمعدات، ولكنه شطب جزءا كبيرا من ديون تكلفة السد، تحمل السوفييت العظام جزءا كبيرا من تكلفة هذا الحلم ولم يتلق منا سوى الأذى والغدر، الأهم أن طاقة العمل قد انطلقت في نفوس المصريين، عمل لا يهدأ على مدار الليل والنهار، صراع مع الصخر والنهر والزمن، أخيرا عرفنا الوسيلة الصحيحة لبناء مصر، من أجل نهر لا تنضب مياهه، وأرض توفر أكبر قدر من القمح ومن أجل كهرباء تضيء أعماق الريف المظلم، تفتحت كل طاقات القدر التي أغلقت طويلا أمام الشعب المصري، ولكن ذلك لم يدم طويلا، فقبل أن يكتمل بناء السد قادنا الحكام إلى مغامرة عسكرية فاشلة في جبال اليمن، عاد منها الجيش منهكا والخزينة خاوية ليتفاجأ بإسرائيل في انتظاره، فخ دبرته وأوقعته فيه القوى العظمى التي استفزها تدخل النظام المصري في اليمن، دبرت له مذبحة مهينة في رمال سيناء، وذاقت مصر أقسى هزيمة في تاريخها وأكثرها إهانة. 

مرت ست سنوات شاقة قيل إن تحين لحظة القدر الثانية، تجرعنا فيها مرارة الهزيمة مرارا وتكرارا، كانت مصر تستجمع روحها الممزقة وتنتظر لحظة القدر، جاءت الحرب التي كنا نتوق إليها، لم تستطع إسرائيل أن تنتصر علينا هذه المرة، ولم نستطع نحن أيضا أن نخوض الحرب إلى نهايتها، ولكننا كنا نعيش لحظات القدر، فكرنا وخططنا وامتلكنا إرادة الفعل، الآلاف الذين بنوا السد العالي عبروا للضفة الأخرى من القناة، أولاد الفلاحين والعمال والأجراء، اشتموا رائحة الحرية مختلطة بالبارود، ومات طه حسين أثناء القتال، وكتب توفيق الحكيم: "لقد غادرت روحه الحياة، بعد أن غادر اليأس روح مصر"، غادر اليأس أرواحنا جميعا ورأينا الضوء القادم من بعيد، بشارة وأملا، وكان من حق الذين قاتلوا أن يعودوا ليبنوا، ولكن كان للذين يحكمونهم، كالعادة، رأي آخر، تجاهلوا كل ومضات القدر، وأداروا ظهورهم للأصدقاء القدامى بحثا عن حلفاء جدد، قطعوا علاقتهم بالأشقاء العرب وألقوا بأنفسهم في أحضان عدوهم الأبدي، سياسة الصدمة التي اتبعها النظام لم تصدم سوى بسطاء المصريين، خاصة بعد أن أغرقتهم أمواج سياسة الانفتاح، تقسمت أرزاقهم وبيعت مؤسساتهم ولم يعودا قادرين على إنتاج احتياجاتنا الأساسية، وفوق ذلك كله تراكمت عليهم الديون، وما زالت فوائدها تستهلك ربع ميزانية مصر كل عام، وسوف تزداد، لأن الاستدانة لا تتوقف.

كم سنة مرت حتى تحين لحظة القدر التالية، أكثر من ثلاثين عاما كاملة، عندما قامت ثورة 25 يناير 2011، عندما انهار النظام الهش الذي كان مبارك يجلس على قمته، امتلك المصريون الشجاعة اللازمة ليرفعوا أصواتهم بالاحتجاج، وأن يدفعوا من أجسادهم ثمنا للتمرد، سقط عشرات الشهداء في الميدان فاستيقظ المصريون من سباتهم، مرت عليهم قرون وهم يعانون القهر صامتين، ويتحملون الظلم صابرين، أخيرا فرضوا سيطرتهم على الميادين والشوارع وطردوا قوات الأمن التي لم تكن تحميهم بقدر ما كانت ترهبهم، عاش شباب الثورة أياما حالمة، كانوا بلا قائد وكانوا رومانسيين أكثر مما ينبغي، وعندما جاءت لحظة الحساب سلم من لا يملك قيادة مصر لمن لا يستحق، تسلم الإخوان المسلمون زمام ثورة لم يشاركوا فيها إلا بعد أن أصبحت راسخة على الأرض، فبينما كان الشباب الطاهر يموت في الميدان كان شيوخ الإخوان في قصر الحكم يتفاوضون من أجل رطل من اللحم الحي، أغلقت كل طاقات القدر، تحولت الثورة إلى كابوس، وتم اتهامها بأنها مجرد مؤامرة دولية، ووضع كل شبابها في السجون، وفي كل عام يتم الإفراج عن اللصوص وتجار المخدرات ولا يفرج عنهم.

ثلاث فرص ضائعة، لحظات القدر لا تنتظر طويلا، وهي تريد شعوبا جديرة بها، فهل نحن جديرون بها حقا، ومن الذي عليه أن يتغير، نحن أم الذين يحكموننا؟