loading...

ثقافة و فن

أهل الإسلام في بلاد العم سام والعبقري بيكاسو في «ناشيونال جيوجرافيك»

أهل الإسلام1

أهل الإسلام1



ملخص

على المرء في لحظة من اللحظات أن يأخذ نفَسا عميقا فيسأل نفسه: لِمَ أفعل هذا؟ لِمَ علي أن أُثبت للآخرين حُسن سيرتي؟

صدر العدد الجديد من المجلة الشهرية "ناشيونال جيوجرافيك" وحمل ملف العدد الرئيسى عنوان "أهل الإسلام فى بلاد العم سام" وفى غلاف العدد نطالع تعريفا للملف: "يساء فهمهم، وتثار الشبهات حولهم؛ لكن بريق الأمل لا يفارقهم.. إنهم مسلمو أميركا".

ونقرأ تحت عنوان "مسلمو أميركا" ما كتبته ليلى فاضل، ونشاهد بعض الصور التى تضمنها العدد من تصوير لينسي أداريو.

ونطالع بعض مما كتبته فاضل: "لم يكن ثمة شيء يُمكن فعله سوى النظر إلى المبنى ذي القبة النحاسية وهو يحترق في بلدة "فكتوريا" النفطية جنوب ولاية تكساس. فلقد اندثر المسجد الذي شهد تكريم ابنة "آيب عجرمي" -عاشقة المغنية الأميركية الشهيرة "بيونسيه"- وثلة من خريجي الثانوية.. المسجد الذي كان أبناء هذا الرجل يتلقون فيه الدروس الدينية.. المسجد الذي كان يقصده رفقة العائلة أيام الجُمَعِ لأداء الصلاة والتحلق حول وجبة جماعية من سبع صلصات وأطباق "برياني" متبلة.

أهل الإسلام5

آنذاك هُرع عجرمي -الأميركي من أصل فلسطيني- إلى المسجد بعدما تلقى مكالمة هاتفية في جوف الليل. يقول مستذكرا تلك اللحظات: "كنت أحاول التماسك حتى لا أنهار". قصَّ على مسمعي تجربته تلك ونحن بغرفة المعيشة في بيته، حيث جلسَت إلى يمينه زوجته "هايدي" -الأميركية التي اعتنقت الإسلام- وإلى شماله ابنتيه "هَنا" و"جنين"، فيما غَطَّ ابنه "رامي" في النوم بالطابق العلوي.

ذكَّرتني هذه العائلة بعائلتي؛ إذ قَدِم والدِي -ذو الأصل اللبناني- إلى الولايات المتحدة طلبا للعلم ومستقبل مشرق، تماما كما فعل عجرمي. وكانت أمي تعتنق العقيدة "الخلاصية الوحدوية" (Unitarian Universalism) -شأنها كشأن هايدي- والتقـت زوجَ المستقبـل في الجـامـعة واعـتنقت الإسلام. ربَّى والديَّ هذان خمسةَ أبناء أميركيين مسلمين ذوي بشرة داكنة لا تَشي بأصلهم.

وُلد عجرمي لعائلة فقيرة في قطاع غزة، ولم يسمح له الوضع المادي هناك سوى بدراسة التمريض. في عام 1994 ساعده صديق في الحصول على تأشيرة ومنحة للدراسة في "كلية كلاركسون" بمدينة أوماها في ولاية نبراسكا؛ وهناك التقى هايدي، التي وُلدت في تكساس لجندي في الجيش الأميركي. نشأت بينهما علاقة حب وعاشا فترة من البهجة سادتها كثرة النُّزَه والنكت التي كان يحكيها عجرمي. ثم انتقل الحبيبان إلى بلدة فكتوريا لتعمل هايدي مدرِّسة لغة إنجليزية في الكلية، وصار عجرمي مديرا لقسم التمريض في أحد المستشفيات. أمّا اليوم فقد بات صاحبنا يمتلك ويُدير شركة للدعم الطبي، وتعيش عائلته الصغيرة في بيت فسيح يحوي حمام سباحة. وللدِّين حضورٌ كبير في حياتهم، تماما كما هو حال جل أهالي هذه البلدة.

أهل الإسلام7

شهد عجرمي وآخرون من هذا المجتمع الإسلامي الصغير احتراق ذلك المسجد ليلاً بتاريخ 28 يناير 2017. ذرفوا الدمع وتعانقوا ورفعوا أكفَّهم بالدعاء. سويعات قبل ذلك، كان الرئيس "دونالد ترامب" قد بَرَّ بوعدٍ قطَعه خلال حملته الانتخابية الرئاسية لمنع بعض المسلمين من دخول الولايات المتحدة؛ إذ أصدر أمرا تنفيذيا يقضي بمنع أي وافد من سبع دول ذات أغلبية مسلمة.

انهارت أجزاء من المسجد بسبب الحريق الذي أضرمه شخص اتُّهم بجريمة الكراهية، ولم تَسلَم سوى القباب النحاسية والألواح الرخامية التي نقشت عليها آيات قرآنية. التقط عجرمي صورا ونشرها على الإنترنت مشفوعة بهذا التعليق: "بالحُبِّ، سنعيد البناء". انتشرت الصور بسرعة البرق، وفي غضون أيام جُمِعت للمسجد تبرعات قدرها مليون دولار. فلقد هَبَّت البلدة بأكملها لمساندتهم، وما زالوا إلى اليوم يتلقون شيكات عبر البريد.

في رماد المسجد، رأى عجرمي بجلاء المهمة التي تنتظره. يقول: "لم أرغب أن تُختَزل هويتي في وصف (مسلم). لكن ذلك الحريق حتَّم علينا أن نكون في الواجهة". وضع عجرمي نفسه رهن إشارة وسائل الإعلام، وألقى محاضرات عن ديانته الإسلامية، وصار ناطقا رسميا رغم هواجسه.

أهل الإسلام6

يقول: "على المرء في لحظة من اللحظات أن يأخذ نفَسا عميقا فيُسأل نفسه: لِمَ أفعل هذا؟ لِمَ علي أن أُثبت للآخرين حُسن سيرتي؟".

يُقدَّر عدد مسلمي أميركا اليوم بنحو 3.45 مليون نسمة، يعيشون في جو يسوده العداء تّجاههم؛ إذ يتعرض دينُهم للتشويه من قِبل المتشددين العنيفين، من جهة؛ ولحملات كراهية تشنها حركة معادية للمسلمين، من جهة ثانية. ويؤججُ العداءَ خطابٌ متشدد يتبناه المعلقون والسياسيون المحسوبون على التيار المحافظ، ومنهم الرئيس ترامب نفسه الذي وصف الإسلام غير ما مرة بأنه يشكل تهديدا، وأعاد نشر مقاطع فيديو لجماعة بريطانية تكره المسلمين؛ فضلاً عن ذلك فإنه أصدر قرارا بوقف تقليد عشاء رمضان في البيت الأبيض لأول مرة منذ أكثر من عشرين عاما".

وبمناسبة بدء عرض المسلسل الوثائقى "العبقرى بابلو بيكاسو" على قناة "ناشيونال جيوجرافيك" كتبت كلاوديا كالب موضوعا بعنوان "عبقرية بيكاسو"، فى حين كانت الصور بعدسة: باولو وودز وغابرييل غاليمبيرتي، ونطالع هذه الفرات من الموضوع: "قد يكون الأمر عجيبا، لكنه ليس مفاجئا. مرَّ على وفاة بيكاسو نحو نصف قرن، ومع ذلك ما زال يسحر ويحيّر ويغري ويستفز. نَسَف بيكاسو -منذ أول أيامه في الفن- فهمَنا الأساسي للعالم، بوجوهٍ منكسرة وزوايا متشظية. كان مُقبلا على العمل بشراهة، يُغير أسلوبَه بوتيرة سريعة (المرحلتان الزرقاء والوردية، والمـرحـلـة الإفـريقـيـة، والتكعـيبيــة، والسـريـاليــة) مبـدعا آلاف المنحوتات والرسوم والنقوش على الصفائح والخزفيات واللوحات. وعلى غرار "ألبرت آينشتاين" الذي تصور أمواجا ثِقالية في الكون، فإن بيكاسو رأى في عالمنا تموجاتٍ قبل أن نراها بردح من الدهر.

بيكاسو

جلس "كلود"، نجلُ بيكاسو، على أريكة مصفرة في غرفة معيشته في جنيف متدبرا أثر أعمال والده. يقول: "لقد دمر كلَّ أمر اعتدنا عليه وأبدع للجميع رؤية جديدة".

كيف يتطور شخصٌ من طفل رضيع إلى عقلٍ ألمعي عبقري؟

وأنَّى لفردٍ أن يعيد تشكيل الطريقة التي نرى بها؟ كان بيكاسو رجلا فوضويا. أَحبَّ الحياة في السيرك والموت في حلبة مصارعة الثيران. كان قادرا على الصخب قدرتَه على الصمت، وشهوانياً ذا نـزعة تسلطية. لكن منذ بدايته بوصفه طفلاً عبقرياً إلى سنواته الأخيرة رساما للفرسان ومصارعي الثيران، بدا أن النبوغ الفني قَدرٌ مقدور على بيكاسو؛ وقد رسَخت رحلته عبر مسار النبوغ رسوخَ الصباغة على القماش. توفرت له جميع الظروف: عائلة رعت شغفَه الخلاق، وفضول معرفي، وعزيمة، وجماعة أتراب ملهمين، وحسن الطالع؛ إذ ولد في فترة انتعش فيها عمله بفضل ما ظهر من أفكار جديدة في مجالات العلم والأدب والموسيقى. كما أن ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية رفعه إلى مراتب الشهرة. وخلافا لنوابغ مبدعين ماتوا في ريعان الشباب -مثل "ولفغانغ موزارت" (في سن 35) و"فنسنت فان غوغ" (37)- فإن بيكاسو عاش 91 عاما. لم تكن حياته غزيرة العطاء فحسب، بل كانت مديدة السنين أيضا.

وُلد بابلو بيكاسو يوم 25 أكتوبر من عام 1881 في مدينة مالقا بإسبانيا، وكان خاملا ساعة مولده حتى ظُنَّ ميتا. يقول بيكاسو إنه أنْعِشَ بنفثة دخان من سيجار عمه سلفادور. ما زالت معالم من طفولة هذا الفنان تنبض بالحياة اليومَ في هذه المدينة المتوسطية المشمسة. إذ تنشد فرقةٌ أغنيةَ "الحلم المستحيل" في "كنيسة سنتياغو" حيث عُمِّدَ بيكاسو. وتعج "ساحة ميرثيد" -حيث خط الفنان رسومه الأولى في التراب خارج البيت- بالسياح في المقاهي، حيث يطلب من شاء منهم شطيرة "هامبورغر بيكاسو" بسعر 15 دولارا. تحط أسراب الحمام على الصخور، وترتطم مياه بحر البوران بالشاطئ، وما زال الغجر يعبرون أزقة مالقا، وهم الذين علَّموا بيكاسو الشاب أن يدخن السجائر من منخره ويرقص "الفلامنكو".