loading...

مقالات

أمريكا تعلم هتلر العنصرية

أمريكا تعلم هتلر العنصرية


آخر مرة ظهر فيها أدولف هتلر كانت في إبريل عام 1945، بعد ذلك اختفى.. مات؟.. انتحر؟.. أحرقت جثته؟ لم يترك خلفه أثرًا يدل على مصيره، لكنه ما زال موجودًا بشكل ما. كل فترة من الزمن يظهر واحدٌ على شاكلته، «التاريخ معلم، ولكن ليس له تلاميذ»، هذا ما كتب الفيلسوف الماركسي أنتونيو جرامشي، تتذكر هذه الكلمات وأنت تقف في قسم التاريخ في أي مكتبة. قولٌ مأثورٌ لا يخطئ مع شخصيات مثل هتلر وبوش وصدام وترامب.

يقولون في ألمانيا إن أغلفة المجلات التي تنجح هي فقط التي تحمل صورًا جنسية، أو صور هتلر، بعد 72 عامًا ما زال الحديث عن هتلر والنازية يحدث رواجًا في سوق النشر، مئات العناوين تصدر كل عام، يمكن أن يصل عددها الآن إلى مئات الآلاف، تتصدرها جميعًا صورة الصليب المعقوف رغم اختلاف العناوين: «كنت طيارا لهتلر»، «كنت حلاقا لهتلر»، «كنت طبيبا لهتلر»، «هتلر كان جاري»، «هتلر لم يكن أحمق». العشرات منها تتحدث عن هتلر الشاب، عندما كان في الجيش في أثناء الحرب العالمية الأولى في ميونيخ وفيينا، ذوقه في الفن، الأفلام التي يحبها، علاقاته النسائية، أشكال الديكور الداخلي التي يفضلها، «كتاب هتلر في المنزل». رغم تراكم هذه النوعية من الكتب فهي لم تجب عن السؤال الأساسي حول الهولوكست، إحدى أكبر جرائم التاريخ، كيف هبط الألمان من قمة الحضارة إلى قاع البربرية؟ الصليب المعقوف ما زال يثير إعجاب العديدين، فيه نوع من الإثارة الجنسية، كما تقول إحدى الباحثات، وبالمناسبة.. هتلر هو الذي قام بتصميمه. 
 
على مدى سنوات حاول الأطباء تشخيص حالة هتلر النفسيَّة، تحدثوا عن قسوة أبيه، الأمر الذي جعله شديد الارتباط بوالدته، وكان له جد يهودي، مات متأثرًا بمرض الزهري، الذي أخذه من مومس يهودية، كما أنه كان يلقي اللوم على طبيب يهودي، لأنه السبب في موت أمه، وفقد واحدة من خصيتيه، وخضع لعلاج فاشل بالتنويم المغناطيسي، إضافة إلى أنه كان شاذًا جنسيًا، هل كل ذلك حقيقي أم أنه جزء من التشويه العالمي الذي لحق بشخصيته؟

آخر الكتب التي صدرت يفتح صفحة جديدة عن هتلر، يؤكد أن أمريكا كانت وراء كل أفكاره المتطرفة. أمريكا عندها نهم لكل ما هو نازي: كتب وأفلام ومسلسلات تليفزيونية وتسجيلية وألعاب فيديو وكتب كوميك. أفلام الحرب العالمية الثانية تثير ذكريات ما قبل حرب فيتنام وأفغانستان والعراق عندما كانت أمريكا الطيبة القلب تقوم بدور البطل الذي يحرر أوروبا، لكن الغريب هو ما حدث بعد الحرب، عندما هاجر العلماء الألمان إلى أمريكا، وبدؤوا يعملون لدى عدوهم السابق، خاصة في المجال النووي، والنتيجة هي حدوث كمية من الدمار في هيروشيما، لم تخطر ببال هتلر في أشد أحلامه السوداوية. النازية تمثل نموذجًا لجوانب مختلفة من المجتمع الأمريكي: عبادة الرياضة، قيم الإنتاج في هوليوود، أساطير حماية الحدود، وفي طفولته التهم هتلر روايات الغرب للكاتب كارل ماي، أشهر كتاب المغامرات التي تدور أحداثها في الغرب الأمريكي والمكسيك، تحولت بعضها إلى أفلام تجارية، وفي عام 1928 أعلن هتلر صراحة أن من حق المستوطنين البيض أن يقتلوا الملايين من الهنود الحمر من أجل بناء دولتهم.

 الكتاب الجديد الذي صدر عن النازية يمكن أن يثير قلق القراء الأمريكيين، يهز صورتهم المثالية عن أنفسهم. الكتاب من تأليف جيمس ويتمان بعنوان: «النموذج الأمريكي لهتلر: الولايات المتحدة وصناعة التفوق العرق النازي»، وعلى غلاف الكتاب يوجد الصليب المعقوف وبجواره نجمتان لونهما أحمر، ويشرح الكتاب كيف تأثر هتلر بسياسة أمريكا العنصرية من أواخر القرن التاسع عشر إلى بداية العشرين، يقول في كتابه «كفاحي»: «أمريكا هي الدولة الوحيدة التي طبقت مفهوم التطهير العرقي منذ بداية نشأتها، وقامت باستئصال عناصر كاملة من القبائل بدلا من أن تعطيها جنسيتها، الحديث عن مدى هذا التأثر شيء كان محرمًا، لأن جرائم الرايخ الثالث قد صنفت على أنها جرائم ضد البشرية، نوع من التطهير العرقي، ولا تريد أمريكا أن ترتبط بهذه الجرائم، خاصة أنها ما زالت مستمرة حتى الآن»، ويناقش الكتاب على مدى صفحاته عدة أسئلة محورية تتردد باستمرار حول هتلر وصعود النازية. سؤال منها يخص سيرة هتلر الذاتية: كيف تمكن شخص من أصل نمساوي يهوى الرسم بالألوان المائية أن يتحول إلى قائد عسكري، وأن يعيد بناء الآلة الحربية، التي خسرتها ألمانيا في الحرب العالمية الأولى؟ والسؤال الثاني اجتماعي سياسي: كيف يمكن لمجتمع متحضر أن يحتضن الأفكار المتطرفة، التي كان هتلر يطرحها؟ والسؤال الثالث حول التداخل بين الرجل والنظام، إلى أي مدى كان هتلر يتحكم في آليات الرايخ الثالث؟ كل هذه الأسئلة يمكن أن تفسر لغز الهولوكست، فالضغوط التي مارسها هتلر عن طريق الاستبداد السياسي والعنصرية غير المعتاد هي التي أدت إلى تفكيك الديمقراطية في ألمانيا.

كل هذا بسبب التأثير الأمريكي، كما يرى المؤلف، فلم يكن النازيون مخطئين عندما استشهدوا بنصوص من الدستور الأمريكي حول استعباد الأفارقة، ففي عام 1850 كتب توماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين في أمريكا أنه «لا بد من استئصال السكان الأصليين من أجل الحفاظ على حياتنا وممتلكاتنا»، فرغم أن القوانين الفيدرالية لا تحتوي على أي تكليف بالإبادة الجسدية، اعتمادًا على أساس العرق أو اللون، ولا يوجد قانون لإقامة محرقة، فإن الواقع يقول إنه في الفترة من 1500 إلى 1900 انخفضت أعداد السكان الأصليين إلى مائتي ألف بعد أن كانت أعدادهم عدة ملايين، لكن موهبة أمريكا أنها أحاطت نفسها بغلاف من البراءة في أعقاب أكبر مجزرة بشرية قامت بها، التي أخذها هتلر كمثال يحتذي، وقد أكد ذلك عندما بدأت قواته في غزو الاتحاد السوفييتي حين أعلن «أن نهر الفولجا سيكون نهر المسيسبي بالنسبة لنا، وستكون أوروبا، وليس أمريكا، هي أرض الفرص غير المحدودة، وستكون بولندا وبيلاروسيا وأوكرانيا هي المكان المثالي للعائلات الرائدة العسكرية الفلاحية التي ستقوم بزراعة الأرض وحمايتها، وسيواصل الذين احتلوا هذه الأرض الإقامة فيها حتى الموت دون أي مشاعر رومانسية تجاه السكان الأصليين». ما أشبه ما يقوله هتلر بما تفعله إسرائيل الآن بأخوتنا في فلسطين!

لم يتوقف الأمر عند حدود الإبادة، لكن النازيين طبقوا أيضًا سياسة أمريكا في تحديد نسل السكان الأصليين عن طريق إخصاء الذكور من الهنود الحمر، استخدمت ألمانيا نفس الأسلوب عام 1934 ضد اليهود والمهاجرين من آسيا، كما استخدمت تكنولوجيا أفران الغاز ، التي كانت أمريكا قد ابتكرتها في ولاية نيفادا العام 1920، وكان من قام بتنفيذ أول غرفة غاز لإعدام المجرمين، وصنعتها شركة ألمانية في أمريكا، وهي الشركة نفسها التي قام خبراؤها ببناء الأفران في معسكر أسشوويتز. 

في عام 1990 ذكرت مجلة «فانتي فاير» أن دونالد ترامب يحتفظ دائمًا بجوار فراشه بكتاب يضم كل خطب هتلر، وعندما سئل عن ذلك قال: «أنا أحتفظ بهذه الخطب، لكني لم أقل أبدًا إنني سأعمل بها، أنا حتى لم أتصفح هذا الكتاب»، ومنذ أن دخل ترامب مجال السياسة، وهو يتم تشبيهه بهتلر، وليس فقط بالنازيين الجدد، وهناك بعض التشابه في تصرفاتهما: زراعة الخصومات بين الذين يعملون تحت إمرته، والخطب التي يلقيها في التجمعات هي طقوس خالصة من العنصرية وكراهية الأجانب والتغني بالذات. الفرق الوحيد أن هتلر أكثر انضباطًا.
مأخوذة بتصرف عن مجلة «نيويوركر».