loading...

مقالات

المصباح النسائي.. (8)

المصباح النسائي.. (8)


المرأة عند يوسف إدريس:

بعيدا عن التنظيرات الفلسفية .. والتأويلات الفقهية.. والتصورات المذهبية... تبدو صورة المرأة في إبداعات الكتاب والمبدعين عموما هي الأقرب إلى المنحى الواقعي، الواقعية بمعناها الفني والوجودي الذي ينهل من عذابات المرأة وأشواقها وهي تتفاعل مع المجتمع سلبا وإيجابا.

اتخذت صورة المرأة في الإبداعات الأدبية والفنية تشكيلات شتى تراوحت بين النظرة المنفتحة والمنظور التقليدي والأفق الأكثر اتساعا، ومن أكثر المبدعين الذين تناولوا المرأة بما لها وما عليها، بضعفها وقوتها، بدهائها وبساطتها، بكيدها وبراءتها، هو المبدع العظيم يوسف إدريس.

يطرح يوسف إدريس رؤيته للمرأة بمنظوره الأيديولوجي النابع من تعامله الروائي مع قضية المرأة ككل مشكلة إنسانية مشروطة بظروف مجتمعها متأثرة به ومؤثرة فيه، وليست قيمة مطلقة معلقة في الفراغ أو معزولة عن المشكلات الإنسانية، على أساس أن العلاقات الاجتماعية المختلفة يحكم بعضها بعضا، فيؤثر بعضها فى بعض، بصورة تجعل لهذه العلاقة خصوصيتها في كل مجتمع، وتتغير هذه الطبيعة زمنيا ومكانيا، بل وبين أفراد المجتمع الواحد، ومن ثم ترسم أعماله صورة سردية للمرأة، تمنحها دقة في التفاصيل، انطلاقا من رؤيته لدور للمرأة وقيمتها، وهي رؤية تتسم بالعمق والانفتاح، تعرض داخل الإطار الروائي العام بتعدد ألوانه والمنظور الفكري على تباين سياقاته.

تشغل شخصية المرأة مساحة مميزة وواسعة في عالم الشخصيات التي تصورها قصص وروايات يوسف إدريس، ببيئتها: الريفية والمدنية، وبنوعيتها وأزمتها: المثقفة الثورية مثل فوزية في (قصة حب) والخادمة في (قاع المدينة) والموظفة في (العيب) والأجيرة المزارعة في (الحرام) وربة البيت في (النداهة، والعسكري الأسود) وبائعة الهوى في(نيويورك 80) وغيرها من الشخصيات في قصصه القصيرة كما سنعرض لها.

تحمل كل شخصية من هذ الشخصيات قضيتها عبر تباينها زمانا ومكانا ونوعا من خلال عقدة تعترض مسارها، أو موقف يضعها في صدام مع الواقع، أو أزمة تشارك هي في صنعها، فتلتحم بأزمة المجتمع الذي تعيش فيه، ليس فقط كمشكلات وهموم وعذابات يومية، أو إشكالياتها كامرأة وأنثى فحسب، بل كمشكلة وجود في المجتمع الذي يضع المرأة تحت عناوين مختلفة مثل الحرام والعيب والخطيئة.

ولقد جاءت معالجته لقضية المرأة المطروحة لتعبر عن أن النظرة التقليدية لحرية الإنسان في الاختيار بين السواء والانحراف نظرة باطلة، وأظهر بطريقة درامية كيف أن السلوك الإنساني تحكمه الحتمية لا الحرية، لذا لا ينظر إلى الخير والشر والخطأ والصواب نظرة ديناميكية، بل وحدة بيولوجية اجتماعية نفسية تؤثر في البيئة وتتأثر بها في نفس الوقت، لتتعدد أبعاد الرؤية الشمولية التي تنتظم أعمال يوسف إدريس وتتسع لتطرح مجموعة من القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية تتشابك فيما بينها، وهي قضايا يتسم طرحها بالتداخل النسبي بين هذه الأبعاد، فالاجتماعي مرتبط بالتاريخي، وكلاهما بالوجودي والإنساني، وجميعها بالتأملي والفلسفي، في تشكيلات جمالية مكنته من إدراك العلاقات لرؤية العالم بشكل أكثر عمقا، فكل أعماله تدعو إلى الحرية في جانبها الشخصي وحق ممارستها بلا حواجز ولا قيود، من خلال عرضه لأنماط إنسانية تسعى إلى الحياة، فتكسر الجدران التي تحول دون الانطلاق.

ومن ثم تشكل العلاقة بين الرجل والمرأة في نصوص يوسف إدريس، محورا جوهريا للبنية الفكرية المتولدة عن الأبنية الفنية، ومدارا من أهم المدارات الإنسانية التي تشكل حيزا واسعا في الفضاء الروائي، وتظهر هذه العلاقة بين الذكر والأنثى قانونا من قوانين الفن في عالم إدريس الفني الموازي للعالم الواقعي، وهو عالم يملك قوانينه وقيمه الخاصة قوانين حياة لا تقهر، لأنها أكثر تعقيدا من كل نزعات الإنسانية للتخلص منها، قوانين غريبة سارية تخيل الفراغ بينهما إلى جحيم من الانفعالات المكبوتة، والقاهرة المنطلقة، والمناطق المحرمة التي تستباح شيئا فشيئا، فالرؤية تنبثق من استبدال كلمة الجنس بكلمة الحياة، فنقطة الانطلاق في الحياة عنده تبدأ من الجنس، باعتباره القانون الأكبر في الحياة الإنسانية، وأن الحياة مستمرة، والكون كله قائم وموجود ومستمر، وما أبشع أن يستمر هذا كله بغير المرأة، بغير وجودها وحديثها وروحها وظلها، بل إن هذه العلاقة هي التجسيد البشري للحياة التي تجد تعبيرها الأقصى في الجنس، لأنه العلاقة الأقوى والأعمق والأبقى بين طرفي الحياة، وهي رؤية لها جذورها الحضارية في الثقافة العربية والإنسانية.

تتباين أزمة الشخصية النسائية في القصص التي تشكل محاور تدور عليها حركية العلاقة مع الرجل كطرفين يتجاذبان أطرها، وتلقي بتداعياتها على الشخصية والبيئة التي تجري عليها الأحداث فتلتحم أزمة المرأة بأزمة المجتمع الذي تعيش فيه، ليس فقط كمشكلات وهموم وعذابات يومية، أو إشكالياتها كامرأة وأنثى فحسب، إنما تعني هذه النصوص بها كمكشلة وجود في المجتمع الذي يضع المرأة تحت عناوين مختلفة مثل الحرام والعيب والخطيئة والقاصر والأدنى، ومن ثم يطرح شخصياته النسائية من منظور إنساني بكل ما لها وما عليها، داعيا بكل الوسائل والرؤى إلى الاعتراف بحق المرأة في الوجود، وحقها في الخطأ، وحقها أنها لا تخجل من نفسها في هذا الوجود، ومن ثم تسعى الرؤية في هذه القصص إلى إزالة التناقض الظاهري في سلوك الشخصية وتفكيرها، وحضورها، بما يحول دون إصدار الأحكام الأخلاقية المسبقة قبل أن تمارس الفعل، كما هو الشأن في التعامل مع الشخصية القصصية، حيث تتحرك الشخصية النسائية حركتها النابعة من طبيعة الحدث في البيئة التي تسهم في تشكيله، سواء في القرية أو في المدينة، ومن ثم يحرص المؤلف على إحاطة الشخصية بمبررات إنسانية منطقية لوقوع الحدث وتطوره وخضوعه للتعليل.

قد يختلط عنفوان الأنوثة بملامح الأم في شخصية المرأة، وربما تطغى معالم الأمومة على متطلبات الأنوثة، وقد تتداخل الخاصيتان، وأحيانا تتشابك براءة الطفولة وقهرها كجذور في الحالتين، وأحيانا أخرى تتماس المشاعر المتمردة مع جماليات الأنثى وحكمة الأم وخبراتها، لكن المرأة في صورتها الشاملة تتماهى مع الحياة بكل غموضها وتجلياتها وانكشافها واستتارها.

تكشف أفعال وأقوال وسلوكيات شخصيات قصص: النداهة، ودستور يا سيدة، وأكبر الكبائر، وبيت من لحم، وعلى ورق سيلوفان، جوهر العلاقة بين الذكر والأنثى في المشاكلة التي تجمع أبطالها بالاستجابة لقانون الغريزة الطبيعية، وتطرح النصوص قضاياهم، بشكل محايد، فلا تدينهم ولا تبرئهم، وإنما تصور مدى مقاومتهم المتكسرة، في ظل المهاد الاجتماعي المعبأ بالهموم والتناقضات، ما بين مظاهر الاحتجاج على الفقر والجوع والطعام لدى (شهرت) في قصة (قاع المدينة) فكان سقوطها مبررا، والاحتجاج الوجداني على الوحدة والعزلة لدى بطلة قصة (دستور يا سيدة) فكان سقوطها ضروريا، والاحتجاج العاطفي الذي يهيمن في صورة الملل والجمود على بطلة قصة (على ورق سيلوفان) فكان وقوعها في الخطأ معللا، والاحتجاج النفسي على إهمال الطرف الآخر في قصة (أكبر الكبائر) فكان سقوط الشيخة صابحة منطقيا، والاحتجاج على الانكسار الحياتي بارتفاع درجة التطلع بتجاوز المستوى الطبقي في قصة (النداهة) فكان سقوط فتحية حتميا، والاحتجاج على الحرمان الجنسي بالصمت المتفق عليه ضمنيا لارتكاب عملية الإشباع العاطفي بغض الطرف عن المشروعية من عدمها بين شخصيات قصة (بيت من لحم) فكان السقوط مسببا.