loading...

برلمان

هل ضلت «العدالة الانتقالية» طريقها في برلمان «عبد العال»؟

الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب

الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب



رغم قرب انتهاء دور الانعقاد الثالث بمجلس النواب برئاسة الدكتور على عبدالعال، فإن البرلمان لم يتطرق إلى مناقشة مشروع قانون العدالة الانتقالية المقدم من عدد من النواب، وبالرغم من أن الدستور أكد ضرورة إصدار مجلس النواب للقانون فى دور الانعقاد الأول، فإن البرلمان قرر ألا يلتزم به، الأمر الذى جعلنا نتساءل: هل يلغى البرلمان «العدالة الانتقالية» من أجندته أم يؤجلها للفصل التشريعى الرابع؟

وتنص المادة 241 من الدستور على أنه «يلتزم مجلس النواب فى أول دور انعقاد له بعد إنفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقا للمعايير الدولية».

ما هى العدالة الانتقالية؟

المجلس القومي لحقوق الإنسان

عرف «المركز الدولى للعدالة الانتقالية» مفهوم العدالة الانتقالية بأنه يشير إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التى قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوعة من إصلاح المؤسسات.

وأوضح أن العدالة الانتقالية تشير إلى المضى قُدما لتجديد الالتزام بجعل المواطنين العاديين على يقين بالأمان فى بلدانهم، وفى مأمن من تجاوزات سلطاتهم، وتحت حماية فعالة من أى انتهاكات من قبل الآخرين.

وتختلف أهداف العدالة الانتقالية باختلاف السياق ولكن هذه سمات ثابتة: «الاعتراف بكرامة الأفراد، والإنصاف والاعتراف بالانتهاكات، وهدف منع وقوعها مرة أخرى».

وفى تسعينيات القرن الماضى صاغ عدد من الأكاديميين الأمريكيين هذا المصطلح لوصف الطرق المختلفة التى عالجت بها البلدان مشاكل وصول أنظمة جديدة إلى السلطة ومواجهتها للانتهاكات الجسيمة أسلافها. وحمل المصطلح ثقلاً، خصوصا فى الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب الاهتمام الكبير بالطريقة التى تعاملت بها بلدان الكتلة السوفيتية السابقة مع إرث الاستبداد.

من جانبه يقول عضو لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب حافظ أبو سعدة، فى تصريح لـ«التحرير» إن الدستور المصرى وضع مواعيد محددة لإصدار قانون العدالة الانتقالية، ومجلس النواب خالف الدستور بشكل صريح، مشيرًا إلى ضرورة أن يتخذ البرلمان الإجراءات اللازمة لحل تلك الإشكالية بأى شكل ممكن.

وأوضح أبو سعدة، أن المجلس القومى لحقوق الإنسان سبق له المشاركة فى تقديم مقترحات حول مشروع قانون العدالة الانتقالية بالعديد من أعضائه، وإلى الآن لم يقرر البرلمان مناقشة مشاريع القوانين الخاصة بالعدالة الانتقالية.

«تشريعية البرلمان» توافق على القانون

بهاء أبو شقة

فى 24 أغسطس 2016 وافقت اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب من حيث المبدأ على مشروع قانون العدالة الانتقالية، وأكد رئيس اللجنة التشريعية والدستورية المستشار بهاء أبو شقة، أن الدستور المصرى حدد أركان العدالة الانتقالية فى كشف الحقيقة والمحاسبة والمصالحة الوطنية وتعويض الضحايا.

وقال النائب السابق محمد أنور السادات، رئيس لجنة حقوق الإنسان فى هذا الوقت، إن مفهوم المصالحة مرتبط فى أذهان العامة بالإخوان المسلمين، رغم أن الأقباط الذين أضيروا فى أحداث ماسبيرو 2011 وما بعد 30 يونيو 2013 يحتاجون إلى مصالحة وطنية، مشيرًا إلى أن الموعد الذى حدده الدستور لإقرار قانون العدالة الانتقالية ليس تنظيميا لكنه إلزامى.

وكانت الحكومة تأخرت فى إرسال مشروع القانون إلى البرلمان، ما دعا أكثر من 100 نائب ولجنة حقوق الإنسان بالمجلس إلى تقديم مشروع قانون بسبب إلزام الدستور بإقرار القانون خلال دور الانعقاد الأول.

القضاء الإدارى يلزم البرلمان بتقديم القانون والمصالحة الوطنية

المحكمة

فى مايو الماضى قررت الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة، برئاسة المستشار بخيت إسماعيل نائب رئيس مجلس الدولة، إحالة الدعوى المقامة من أحمد محمود وأيمن عويان المحاميين، والمطالبة بإلزام مجلس النواب بتقديم قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية طبقا للدستور، للمفوضين.

وذكرت الدعوى رقم 31851 لسنة 71 قضائية، أن نص المادة 241 من الدستور أقرت بأن يلتزم مجلس النواب فى أول دور انعقاد له بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقا للمعايير الدولية.

الأصعب فى القوانين المقدمة للبرلمان

لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان

وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب النائب محمد الغول، قال إن تأخر إصدار مشروع قانون العدالة الانتقالية يرجع لصعوبة إقراره، لأنه يُعد الأصعب فى القوانين المقدمة للبرلمان حاليا، لافتًا إلى أنه كان من أوائل المطالبين بضرورة إقراره، لأنه من القوانين التى أكد الدستور المصرى على سرعة إقراره فى دور الانعقاد الأول.

وأضاف الغول فى تصريح لـ«التحرير» أن قانون العدالة الانتقالية كبير جدا وبه لغط كثير، وليس معلوما به أى حقبة زمنية يقصدها، وهل يبدأ من فترة الإخوان المسلمين أم قبلها فى فترة الحزب الوطنى، مشيرًا إلى وجود بند فى القانون اسمه جبر الضرر، ويقصد به كل ما حدث من ضرر فى الفترة الماضية من أى طائفة من الطوائف المصرية سواء من الإخوان المسلمين أو غيرهم.

وتابع: «القانون يستهدف تنظيم تعويض الضحايا وتحقيق العدالة الناجزة عقب وقوع ثورات بشأن كل من حدث ضرر معه، وهناك مقترح خاص بإدراج الجماعات التى ارتكبت جرائم عنف فى المجتمع لتضع الدولة يديها على أموالهم أو جزء منها ليتم تسديد تعويض لمن وقع ضرر عليهم، ويكون ذلك المقترح ضمن جبر الضرر بقانون العدالة الانتقالية».

تعديل الدستور

الدستور المصري

وأوضح وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب أن البرلمان تلقى أكثر من مشروع للقانون من عدد من النواب، ومنهم «نادية هنرى، وأنيسة حسونة، وعبد المنعم العليمى»، ولكن الحكومة لم تقدم أى قانون حتى الآن.

وأشار إلى أن الدستور به العديد من المواد التى تحتاج إلى تعديل ومنها مادة «العدالة الانتقالية ومدة فترة رئاسة الجمهورية وغيرهما»، ولكن أى تغيير فى الدستور يتطلب استفتاء شعبيا يتكلف نحو 2 مليار جنيه، لذلك يجب تجميع كل هذه المواد وتغييرها مرة واحدة.

واستطرد الغول أن الحديث عن المصالحة مع الإخوان يستوجب استرضاء كل أفراد الأسر المصرية التى بها شهيد أولًا.

إلزام الدستور للبرلمان بـ«العدالة الانتقالية» هو إلزام بالمستحيل

مجلس النواب

أكد رئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب النائب أسامة هيكل أن إلزام الدستور للبرلمان بعمل قانون العدالة الانتقالية هو إلزام بالمستحيل، مشيرًا إلى أن الدستور نص على عمل مصالحة، والمقصود بها مصالحة الإخوان، وهو أمر لا يمكن تقبله فى ظل العنف الممنهج من قبل الإخوان، وعدم شروعهم فى عمل مراجعات.

وأشار النائب فى تصريح له إلى أن المجتمع المصرى غير مهيأ للمصالحة مع الإخوان، والبرلمان لن يقوم بعمل هذا القانون فى التوقيت الحالى، قائلا: «لا يمكن فرض قانون العدالة الانتقالية على المصريين، خاصة أننا لن نقبل بالمصالحة مع الإخوان».

جنوب إفريقيا والمصالحة

نيلسون منديلا

وفى جنوب إفريقيا قاد «نيلسون مانديلا» كفاح مواطنيه السود لإلغاء نظام الفصل العنصرى، الذى طبق بمنتهى القسوة فى جنوب إفريقيا وتسبب ذلك فى سجنه لمدة 27 عاما، رفض خلالها أن يقايض حريته بمبادئه التى آمن بها، ولكن لكونه استطاع أن يقود بلاده نحو التحول لدولة ديمقراطية متعددة الأعراق، وفى سبيل إنجاح هذا التحول دفع بكل جهده نحو عملية مصالحة اعتبرت الأنجح على مستوى العالم، ونموذجا يحتذى به عند الحديث عن تجارب التحول الديمقراطى، الأمر الذى أسهم بعد ذلك فى جعل بلاده تتربع على عرش القارة اقتصاديا طبقا للتقديرات الدولية.

وخلال فترة رئاسته واجه مانديلا أزمة طاحنة عندما تولى مانديلا الرئاسة عام 1994، واشتد عليه الضغط الشعبى ليحاسب كل من ظلم واستبد وارتكب جرائم ضد المواطنين السود الأبرياء، لكنه استطاع عبور الأزمة وحسم الأمر تماما عن طريق تكوين ما سمى بلجنة الحقيقة والمصالحة، وتقوم فكرتها على اعتراف رجال السلطة بجرائمهم مقابل طلب العفو عنهم، وقد وضع بالاشتراك مع القس ديزموند توتو مواطنيه أمام خيارين إما التعلق بالماضى وإما النظر للمستقبل.