loading...

مقالات

رحلة «المخطوط» في رواية «اسم الوردة»

رحلة «المخطوط» في رواية «اسم الوردة»


في رواية أمبرتو إيكو (5 يناير 1932- 19 فبراير 2016) الفليسوف والروائي الإيطالي الراحل؛ الشهيرة بـ"اسم الوردة"، يتحدث عن "مخطوط" خبأه رئيس أحد أديرة العصور الوسطى في إيطاليا، في مكتبة الدير الضخمة والمصممة على شكل متاهة، يصعب معها الوصول للمخطوط/ الكتاب، وزيادة في الإخفاء أيضا يضع رئيس الدير السم داخل صفحات المخطوط/ الكتاب، ليضمن موت من يتجرأ ويصل إليه، ويموت معه السر الكامن داخل هذا المخطوط، الذي لا يريده له أن ينتشر.

***

نعرف بأن هذا المخطوط/ السر، الذى حدثت بسببه العديد من الجرائم، ويدفع كل من اطلع عليه حياته ثمنا له؛ هو كتاب أرسطو "الملهاة"، الذي يتحدث فيه عن "الضحك". فرئيس الدير لا يعترف بالضحك ويعتبره مسئولا عن "التفسخ الأخلاقي"، ويؤكد وجهة نظره هذه، بأن المسيح لم يضحك قط، وهذا يكفي لتحريم قراءة هذا المخطوط.

من وجهة نظر رئيس الدير، هذا المخطوط سيغير النظر للديانة المسيحية التى تقوم على التضحية والمأساة، وليس الملهاة أو الضحك. فالضحك هنا هو الآخر/ عدو الديانة.

هذا الآخر/ العدو هو ما يبحث عنه أمبرتو إيكو خلال الرواية كمجاز لأهمية تعدد مصادر المعرفة، وأن المعرفة ليس لها وجه واحد، ويجب الاعتراف بهذا الآخر الذي يشكل الوجه الآخر للحقيقة وربما الوجه الأعمق لها.

***

في الرواية لا يتم الوصول إلى هذه الحقيقة إلا عبرالموت، والكثير من التضحيات. وأيضا عبر التقصي والبحث اللذين اتخذا الشكل البوليسي. طالما هناك مخطوط مخبأ فهناك بحث، فهذا المخطوط المخبأ يثير شبق البحث عنه واكتشافه من كل القوى الكامنة في الحياة. هناك دائما من يتتبعه، بالنيابة عن الحقيقة، بغية الوصول إليه.

أحيانا أخرى يصل المخطوط للحاضر صدفة، ولكن لا يخلو الأمر أيضا من شهوة البحث أو التنقيب عند من يجده. أشعر أحيانا بأن المخطوط، وبالمعرفة التي يحتوي عليها، يعرف بأنه مهم، وله دور يجب أن يقوم به، في أن يظهر على سطح الحياة، ويفشي مكنونه.

***

يربط المخطوط العالم القديم بالحديث. ويقع عادة في يده أحدهم صدفة. فهو ليس انتقالا سلسا وطبيعيا لنقل المعرفة، ولكنه أحيانا يحدث عبر انتقال مفاجئ، يظهر من العدم، في حفرة، أو درج سحري داخل دولاب، أو داخل زلعة، مثل مخطوطات نجع حمادي، في باطن الأرض، أو في رسالة في زجاجة. يعيش المخطوط في مكان آمن، مثل الرحم حتى يولد.

***

الراوي في رواية "اسم الوردة" هو الراهب أدسو الذى ذهب إلى هذا الدير صغيرا، ليسجل ما حدث فيه. يظل هذا المخطوط، الذي كتبه، مختفيا، أو كامنا، طوال ستة قرون حتى يصل أخيرا إلى الروائي "إمبرتو إيكو" في ستينيات القرن العشرين، ويقوم بترجمته من اللاتينية ويصبح هو لغز روايته وحجر الزاوية فيها.

***

في أحد أحاديثه يذكر إمبرتو إيكو بأنه استخدم "المخطوط" مثل القناع، حتى يتكلم بلسان عصر آخر، ليحاكمه أو يتجول فيه بحرية تامة. منحه القناع/ المخطوط الحرية ليحاكي "أسلوب شخص آخر"، وبالطبع عصر آخر. وهي حيوية المخطوط يمنح الفرصة لحضور هذا الشخص/ العصر الآخر عبر شخص/ عصر حالي.

الزمن الذي يتم محكاته في الرواية هو العصور الوسطى،  تلك العصور الأثيرة لإمبرتو إيكو الذى كان يرى أنها نقطة انتقال لعصور التنوير التالية.

***

يقوم المخطوط بنقل معرفة هامة بين زمنين، وغالبا ما تكون هذه المعرفة تمثل وجهة النظر الأخرى، الأكثر ثراء، للمعرفة السائدة في الزمن الماضي. أي تحمل  "الآخر"، الذي يمثل إحدى معادلات الحياة الأساسية التي لا غنى عنها مهما كانت التضحيات.

وجود الفكر/ المخطوط، حتى قبل اكتشافه وظهوره للنور، كان يمثل كفة الميزان لعدالة المعرفة.

يرتبط المخطوط بالفكر الآخر الذي تم إقصاؤه، أو عدم الاعتراف به. هو "الهامش" المظلوم، بعد أن تحول لرموز كي يكون خفيفا ويُنقل للمستقبل.

***

عادة ما تظهر أهمية المخطوط في زمن تال لكتابته، وليس في زمنه، ويتم تقديره أيضا والالتفات لأهميته.

***

المخطوط رسالة منسية من العالم القديم قد تحمل إجابة للحاضر، لأن جزءا من العالم القديم لم ينتقل بسبب الإهمال، أو لأسباب رقابية، مثل التعصب، أو سيادة الفكر الواحد، أو رفض الآخر. فالمخطوط يحمل رموز وعلامات هذا "الآخر" في العالم القديم. 

***

وكما كان المخطوط الأول/ الكتاب، داخل الرواية، يحمل  حكاية الضحك، الذي وقفت المسيحية، متمثلة في رئيس الدير ضدها، أيضا حمل مخطوط إيكو/ الرواية نفسها، أيضا ذكرا لكل الفلاسفة المسلمين الذي أثروا في الحضارة الأوروبية وكانوا سببا لانتقالها لمرحلة التنوير. كانت الثقافة الإسلامية هي "الآخر"،  التي أثرت في هذه النهضة، وبالتالي يقف إيكو ضد الخطاب الحالي الذي يصف الثقافة الإسلامية بالتعصب.

***

يحمل إمبرتو إيكو رسالتين عبر الرواية: الكتاب/ المخطوط الذي يتم العثور عليه في الدير. وأيضا المخطوط/ الرواية. فالمخطوط القديم يحتاج إلى نسق، أو سياق، لينقل عبره للعالم الحديث الذي تعددت وسائطه وطرق ترميزه، ليكشف عن مكنونه. وهذا النسق الروائي هو الشكل الأشهر في العالم الحديث الذي يمكن أن يفك شفرة المخطوط ويكشف سره. فالكتاب/ المخطوط كان سيظل "سرا"، ماديا ومجازيا، لولا أنه دخل في سياق شكل وحياة وزمن آخر. أصبح المخطوط المخبأ، أو المُكتشف، أحد أشكال الرواية الحديثة، التى تبحث داخل الماضي عن تفسير لمشكلات حالية.

***

أصبحت الرواية الحديثة تعتمد كثيرا على هذا "السر"، الذي يحمله المخطوط. كون الرواية الحديثة تسير مع الفكرة البوليسية التى صاغها إمبرتو إيكو داخل قالب فكري ومجازي. مع إمبرتو إيكو ورواية "اسم الوردة"، دخل "المخطوط" في مفهوم مجازي، أوسع، لا ليحل لغز جريمة ظاهريا، ولكن ليحل لغز حضارة إنسانية على وشك التحول. المخطوط، عند إيكو، يعيد من جديد الحيوية للحياة التي على وشك التجمد.

***

عادة ما يقع المخطوط في الرواية الحديثة في يد راويها كما في رواية إيكو، أو في يد أحد الأبطال الأساسيين، ليكشف عنه ويكون له الحق في سرد ما فيه. يمكن للمخطوط أن يكون رسائل حب، مذكرات، أو حقائق علمية كونية، أو أى شيء يحمل مفاجأة من الماضي. برغم شمولية فكرة المخطوط، ولكنه دخل الحياة الروائية ليحمل مفاجاة ضد الحاضر المتجمد والمتعصب، لا ليحمل خبرة فقط.

***

تكشف الحقائق المذهلة التى كشفت عنها المخطوطات المكتشفة، أن العالم الحديث بني على مبدأ الإخفاء حتى ظهرت عصور التنوير، أو الأدوات المعرفية الحديثة المتخصصة، وأخذ العلم دورا أكثر نزاهة ضد مبدأ الإخفاء للحقائق.

***

هناك العديد من المخطوطات الحديثة التى  تدور من حولنا، مثل دفتر حسابات البيوت المصرية في القرن الماضي، دفتر اليوميات، رسائل الحب، المذكرات، جميعها تحمل وجها آخر لحياتنا، لا يحفظه سوى هذا الرحم الرمزي، الذى يتحرك مع الزمن دائما ليصل للمستقبل حاملا الرسالة/ الولادة التي لن تخطئ صاحبها.

كما أن الزمن هو الذي يخفي المخطوط، هو أيضا الذي  يقوم بحمايته. النسيان الذي يتبعه تذكر. كما أن الزمن هو الذي يطويه، أيضا هو الذي يفرده. فالزمن هو حامل المخطوط إلى الحاضر، الزجاجة التى تحمل رسالة/ معرفة الماضي. المخطوط عبارة عن "رسالة في زجاجة" للمستقبل، تبدأ إبحارها من لحظة كتابتها، حتى تصل لقارئها المعني. أى رسالة موجهة للمستقبل ستصل لا شك.

***

من الممكن أن تكون حياتنا كلها مثل المخطوط، أو "رسالة داخل زجاجة"، مرسلة للمستقبل مع كل الحب. يقول إمبرتو إيكو في أحد أحاديثه. "أنت تموت. ولكن كل ما أنجزته فى حياتك لن يُفقد. فأنت تترك رسالة فى زجاجة".