loading...

مقالات

المصباح النسائي.. (12)

المصباح النسائي.. (12)


لعلها مصادفة جميلة أن تتزامن أطروحة البحث عن صورة المرأة في منظور الكاتب العظيم يوسف إدريس مع مناسبة شهر ميلاده 19 (مايو1927) وقد استقطبتني صورة المرأة عند كاتبنا فأفردت لها مساحة واسعة في دراستين، الأولى (البناء الفني للقصة القصيرة عند يوسف إدريس – الماجستير - وقد صدرت في كتاب عن المجلس الأعلى للثقافة) و(السرد في روايات يوسف إدريس – الدكتوراه - وقد صدرت في كتاب عن الهيئة العامة للكتاب).

والاحتفال بمناسبة ميلاد كاتب بحجم يوسف إدريس هو احتفاء بمنظومة قيمية وفنية وتاريخية، لا سيما أن أعمال كاتبنا الكبير القصصية والروائية والمسرحية والفكرية تشي بأنه لا يزال حيا ويعيش بيننا..

........

وإذا كانت شخصية المرأة المصرية تشغل مساحة مميزة وواسعة في عالم الشخصيات التي تصورها روايات يوسف إدريس، ببيئتها: الريفية والمدنية، وبنوعيتها وأزمتها: المثقفة الثورية مثل فوزية في (قصة حب) والخادمة في (قاع المدينة) والموظفة في (العيب) والأجيرة المزارعة في (الحرام) وربة البيت في (النداهة، والعسكري الأسود) وبائعة الهوى في (نيويورك 80).

وإذا كانت كل شخصية من هذ الشخصيات تحمل قضيتها عبر تباينها زمانا ومكانا ونوعا من خلال عقدة تعترض مسارها، أو موقف يضعها في صدام مع الواقع، أو أزمة تشارك هي في صنعها، فتلتحم بأزمة المجتمع الذي تعيش فيه، ليس فقط كمشكلات وهموم وعذابات يومية، أو إشكالياتها كامرأة وأنثى فحسب، بل كمشكلة وجود في المجتمع الذي يضع المرأة تحت عناوين مختلفة مثل الحرام والعيب والخطيئة من خلال الكشف والتحول والمصير، فإن يوسف إدريس يعرض أكثر من صور لشخصية المرأة الأجنبية، ثورية ومناضلة وسياسية وعاملة وطبيبة وبغيّ، حيث يجسد أربع شخصيات نسائية أجنبية في ثلاث روايات، فهناك «سانتى» اليونانية، و«لورا» الفرنسية في رواية البيضاء، والسيدة النمساوية التي لم يذكر اسمها في رواية «فيينا 60» ثم المرأة الأمريكية «باميللا جراهام» المعالجة النفسية البغي في رواية «نيويورك 80».

تجلت كل شخصية من هذه الشخصيات كمرآة كاشفة لتكوين وعى مغاير لوعى الشخصية الرئيسية، وأداة تجريب لاكتشاف الآخر أو الضفة الأخرى، وعدسة عاكسة لذات الرجل التي تضطرم بالكثير من الأفكار والعواطف، وتحتدم بالرؤى المحملة بالتناقضات الإنسانية، الذاتية منها والموضوعية، في مواجهة الآخر والتعامل معه، سوا كان ذلك بالانبهار والافتتان به والاستسلام له، أو بتحديه ومحاولة إخضاعه، أو باتخاذ موقف الندية منه فكرا وسلوكا إلى درجة التعالي عليه وعيا ونقدا. وقد حاول يوسف إدريس في هذه الروايات أن يكون متوازنا في تصويره لطرفي قضية الذات والآخر.

يعرض يوسف إدريس شخصية المرأة الأجنبية، كوظيفة فنية وكمدلول فكري، فابتعد عن الترف في استخدامها داخل البناء الفني، فلم تكن أي منها إلا وسائل وأصداء واختبارات لعملية الكشف والتحول في المسار والمصير، فتقف هذه الروايات دالة على التحول الفكري الذي اتخذه منظور الكاتب إلى قضية الأنا والآخر وإلى العالم الخارجي على الضفة الأخرى، سواء على المسار التاريخي لزمن النص، كما يشير المهاد السياسي والاجتماعي ابتداء من فترة نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى عام 1980 حيث تدور أحداث روايات «قصة حب» و«البيضاء» و«نيويورك 80» أم على المسار الفكري لزمن القص، حيث كانت القضية الوطنية والتحرر من الاستعمار، والتخلص من التبعية وانعكاساتها وتداعياتها، هي جوهر رؤية يوسف إدريس.

تتكشف النظرة إلى الآخر في رواية (البيضاء) من خلال علاقة الدكتور يحيى بالفتاة اليونانية المناضلة «سانتى» وانبهاره بكل ما هو غربي، خاصة في السلوكيات، وبكل ما هو أوروبي وإن ظل يرفض الأساليب الأوروبية في العمل الثوري، لكن الموقف يتخذ منظورا مختلفا آخر في رواية (فيينا 60) حيث يشترط بطل الرواية القبول الكامل بالذات، ثم يتغير كاملا في رواية (نيويورك 80) حيث تظهر الندية والمواجهة والجدلية والتعالي.

استطاعت «سانتى» في رواية (البيضاء) أن تستخرج كل ما هو مستتر في شخصية «يحيى» بطل رواية «البيضاء» وهو استتار بذل من أجله الكثير حتى لا يتعرض للانكشاف والتعرية النفسية، وما بين الاستتار والانكشاف كان يتأرجح ويتعذب ويعذب الآخرين معه، بتقلباته الحادة وتحولاته المفاجئة في الفكر والشعور والحياة.

اتخذت علاقة يحيى بسانتى شكل الافتتان بفتاة أجنبية جميلة أراد أن يمارس معها عاطفة الحب، فخاض التجربة، وحدد معطياتها من منظوره، واستبق النتائج، وحرق المراحل قافزا على الأحداث، وإن جاءت ضد ما ظل يتمناه، فمنذ اللحظة الأولى لبدء تجربته حسم أمره «منذ الوهلة الأولى كنت قد تأكدت أنها هى، هى التى أردتها دائما دون أن أعثر عليها، هى التى بحثت عنها فى كل فتاة، أو امرأة قابلتها ولم أجدها، بالضبط هى بكل ما أحب فى النساء فيها» ويبرر ذلك انطلاقا من سؤال تغلفه فكرة كامنة في أعماقه يبلورها بسؤاله: «لست أدرى سر ذلك الضعف الذى نكنه نحن أولاد العرب للخواجات وللنساء منهن بالذات».

وعلى امتداد مسارات هذه العلاقة تظل سانتي تكشف ما بداخله من تناقضات إنسانية، فمع أنه متعصب لقوميته وشعبه، إلا أنه من أجلها راح يساير العلم والحضارة والتقدم وإلغاء الفروق بين الشعوب والخبرات والثورات، وبدأ يستعذب الفرنسية والنطق بها وأشعار إيلوار وموسيقى سترافنسكى، ويقرأ كثيرا من تلك الكتب، ويعشق كل ما هو أوروبى، خاصة الأوروبيات، فكل شيء ينقلب بين أيدي الأوروبيين إلى فن، فن النظام، الطعام بنظام. والحرب بنظام، والحب بنظام، كان إذا رأى هذا كله أحس بشجن وبرغبة خفية ملحة أن يصبح ويصبح الجميع مثل ذلك الكائن الأبيض المعقد ذى الوجه الأحمر.

وقد استتبع هذا الانبهار العام، انبهار خاص بسانتي منذ بداية علاقته، ثم توهجها، حتى انزوائها بعد أن بردت وتقلصت واستكانت في زواية من نفسه التي لم تسمح لها أن تتحول إلى ذكرى، وهي التي ظهرت «نقطة سوداء دقيقة كرؤوس الدبابيس بدأت تغزو إحساسي الواسع بالنشوة والسعادة».

خلال تداعيات هذه العلاقة كشفت سانتى (الأنثى) الكثير من المخبوء من ذات يحيى (الذكر) على أنه إذا كان الانجذاب بين الذكر والأنثى انجذابا متساويا، إلا أن يحيى كان يتصورها أنها «فينوس» أو«أفروديت» بل هي بالنسبة له جنة «في مكان ما من هذه الدنيا جنة صغيرة مخبأة لي، هناك الفتاة الحلوة، ذات الإشعاعات هناك سانتى» الأمر الذي جعله يتمزق نفسيا وفكريا في تحديد موقفه منها، فتارة يريد إيقاعها كأنثى «كان على أن أتوج أهدافي من سانتى بإيقاعها» ثم يعترف بأن «إيقاع سانتى ليس بالأمر السهل» ومن ثم كان يعتمد على الزمن في نمو العلاقة والتأكد بشكل قاطع أنها على الأقل راضية «كان هدفي واضحا وصريحا، مجرد حب مغامرة سريعة خاطفة».

لكن يحيى يدحض النظرة السائدة التي يقول أصحابها «إن الخواجات ليس عيبا عندهم أن يمارس الإنسان معهم علاقات جنسية» ويشير إلى ذلك بتجربته معها، ويخلص إلى أنها ذكية، ولغز لم يستطع أن يحله في طول حياتها وعرضها، فالرجال يمكن قراءة أفكارهم وماذا يريدون حتى دون حاجة للنظر إليهم «أما النساء، أما هذه المرأة بالذات فأدفع من عمري عشر سنوات لأستطيع أن أعرف للحظة واحدة ماذا تريد مني وماذا تفكر فيه، وربما نحن لا نعرف ما يردنه منا لأنهن أنفسهن لا يعرفن ماذا يردن، المرأة تنتظر من الرجل أن يكون هو إرادتها، هو الذي يريد وهي ترفض أو تقبل أو لا تعرف حتى كيف ترفض أو تقبل، فتتورط، المرأة لا تريد إلا شيئا واحدا أن تكون امرأة».