loading...

أخبار العالم

من يدفع بنا إلى أحضان الملالي الإيراني؟

إيران

إيران



ليست مرة واحدة، بل مرات عديدة، التى تحتك فيها بأناس تصنف وعيهم السياسى فى درجة الحضيض. ولكنك ترى معظمهم يجمعون على نقطة فى غاية الخطورة. فيقولون لك "إيران أحسن مننا ده كفاية إن إسرائيل بتخاف منها"! فى الوهلة الأولى لا يبدو لك هذا سوى جهلًا مدقعًا، ولكن إذا أمعنت النظر قليلًا ترى فى حديثهم جزءا من الصواب. والصواب هنا ليس صواب المنطق، ولكن الصواب الذى يظهر أمامهم، وترى إيران تحقق نجاحًا فى هذا الصدد. على مدار آخر عقدين، نرى التراشق فى التصريحات بين إيران وإسرائيل على أشده على خلفية البرنامج النووى الإيرانى، بل تجد التحدى الإيرانى والتهديد والوعيد وبمنتهى الثقة تعيد لك أيام القومية العربية. وتتذكر حين كانت مصر الشوكة الرئيسية فى ظهر إسرائيل وتوجه التهديد لها وتنمى روح المقاومة العربية ضد العدو مغتصب الأرض. وكان العقد المنصرم تحديدًا دليل على الخوف الإسرائيلى من البرنامج النووى، فهى التى تكرر دائمًا أن إسرائيل تواجه خطرًا يهدد وجودها من الأساس، إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا.

أتذكر نفسى فى الحادية عشرة من عمرى وأنا أمتلئ نشوة حين أرى أحمدى نجاد يهدد إسرائيل بأن يزيلها من على وجه الأرض، وأتذكر حرب لبنان عام 2006 وأنا أدعم المقاومة اللبنانية وأرى فى حسن نصر الله زعيم المقاومة الحقيقى، وفى كل مرة يُذكر اسمه يدعو الناس له بالنصر فى الحرب. واستعاد الشارع العربى روح الانتفاضتين الفلسطينيتين، وتأملوا أن تكون تلك بداية لتحرير الأرض. لم تكن الصورة وقتها اتضحت أن لإيران مشروعًا تسعى لتنفيذه فى المنطقة، أو أن حزب الله شيعى وهو ذراع إيران لتنفيذ ذلك المشروع. ومع غياب تلك الصورة عن الشارع العربى، رأى فى الموقف العربى الرسمى حينها تخاذلًا غير مسبوق. فكيف لا تدعم الدول العربية المقاومة ضد إسرائيل؟! أهى خيانة؟! أباعوا القضية؟! وترسخت تلك الصورة فى ذهن العرب وللأسف لم تتغير. ظل حزب الله هو المقاومة، وظلت إيران أفضل منا. لأن إدراك نوايا إيران الحقيقية فى ذلك الوقت كان حكرَا على النخبة السياسية فى الدول العربية المنفصلة عن الشارع العربى، ولم تكن تصرح بها الحكومات العربية كما تفعل اليوم.

اقرأ أيضا.. هل تعود الأنشطة الإسرائيلية والإيرانية في سوريا إلى سابق عهدها؟

وحتى اليوم، وبرغم تغير شكل المنطقة، وانكشف المستور عن المشروع التوسعى الإيرانى، لم يتغير الوعى العربى بالشكل الكافى، نتيجة قصور فى الدول العربية لتوصيل تلك الصورة للطبقات الدنيا فى الوعى السياسى من الشعوب. ولكن الأخطر هو قصور فى المواقف العربية على النحو التالى؛ فعندما يرى المواطن العربى إسرائيل تخشى من إيران أكثر من خشيتها الدول العربية، أو يرى إيران تدعم مؤسسات الدولة فى سوريا ضد إرهاب داعش وجبهة النصرة وغيرهما، أو تدعم الحكومة العراقية وهى تطرد داعش من أراضيها. أو مثلًا تستمر إيران فى تطوير برنامج الصواريخ، التى تزلزل جنبات إسرائيل من الخوف. وترى إسرائيل ترتعد من كلمتى "النووى الإيرانى" ونتانياهو يصرخ ويتسول الدعم عالميًا من هنا وهناك لأجل وضع حد للخطر الإيرانى على وجوده.

فهو لا يفهم الغرض الحقيقى من دعم إيران لنظام الأسد أو حكومة العبادى. لا يفهم مشروع إيران التوسعى ولا يمسه، على الأقل حتى الآن. لا يفهم حسابات الاستراتيجيات المعقدة تلك للسياسيين والحكام. فيهمه أن يرى عدوه الأول إسرائيل يخضع ويخاف. فهو لا يرى خطرًا توسعيًا، بل يجد شجاعة إيرانية حتى ولو أمام الكاميرات، لا يجد مثيلًا لها فى تصريحات العرب عن إسرائيل اليوم. فرأى ولى العهد خادم الحرمين الشريفين يصرح "من حق الإسرائيليين أن يعيشوا بسلام على أرضهم". لم نكن يومًا ضد السلام، ولكن "أرضهم"؟! ربما سقطة من الأمير ولكنها تكلف العرب كثيرًا فى حربهم ضد الملالى الإيرانى. فبهذه السقطة قد خسرت حربًا فكرية قبل أن تخسر حربًا عسكرية.

اقرأ أيضا.. «بلاك كيوب».. سلاح الموساد لقتل الاتفاق النووي الإيراني

واليوم وقد أظهرت إسرائيل 15 ألف وثيقة تثبت استمرار إيران فى تطوير برنامجها النووى. وقد رأى المواطن العربى نتانياهو أحد سفاحى الكيان الصهيونى فى نظرهم وهو لا يرى عدوًا له سوى إيران، ولا يرى أوطانه العربية تمثل تهديدًا على إسرائيل كذلك الذى تمثله إيران. يرى سوريا وقد طردها العرب من أحضانهم فى الجامعة العربية وقد ارتمت فى حضن الملالى.

وإذا سألت لمَ لا يرى المواطن العربى خطر إيران والحوثيين فى اليمن برغم أنه الأوضح؛ فالإجابة بسيطة. فالحسابات الاستراتيجية للأسف لا تضع لليمن وزنًا عند المواطن العربى. فهو لا يدركها، لا يراها ولا يسمع عنها. فالحرب هناك داخلية تخص الملعب السعودى، لا تجذب جماهير كثيرة بقدر الملعب الواسع فى العراق والشام.

لا تحزن أخى المواطن، فالعرب على وشك خسارة حربهم مع الفرس كما خسروا حربهم مع الفكر الصهيونى، مع الفارق أن الملالى الإيرانى لم يحتلوا الأرض عسكريًا كما فعلت إسرائيل. هم فقط، وبمنتهى الذكاء والثبات، شغلوا الفراغ الذى تركه العرب عندما تركوا أوطانهم وجيرانهم يسقطون فريسة للاحتلال الأمريكى مرة فى 2003، وللربيع العربى مرة أخرى فى 2011، وعندما تركوا الملالى تستعير أسلوب العرب المفضل فى التصريحات الصحفية النارية والجعجعة الإعلامية الفارغة أمام إسرائيل، على مدار عقدين، مع اتخاذ بعض الخطوات الملموسة التى سنرى عواقبها فى الأيام القادمة القريبة. فلا تدفعونا أكثر وأكثر لأحضان الملالى.

اقرأ أيضا.. كيف تعاقب إيران الولايات المتحدة في أفغانستان؟