loading...

مقالات

سموم «درامضانية»

سموم «درامضانية»


لا يصح بالطبع التعرض للدراما، رمضانية أو غير رمضانية، بالنقد إلا بعد مشاهدتها كاملة. لكن لا يوجد فى الدنيا ما يجبر المتلقى على استكمال مشاهدة مسلسل، أو الاستماع إلى أغنية، أو الاستمرار فى قراءة كتاب إذا انسدت نفسه عن تلك الأعمال لأسباب محددة تجبره على العزوف عنها. من أهم تلك الأسباب الاستسهال والاستهبال. هنا يصبح من الجائز التحدث عن النقاط التى تضافرت فيها تلك الأسباب ومنعتك من مواصلة المشاهدة.

مسلسل عوالم خفية لعادل إمام وضعنى منذ حلقاته الأولى فى مأزق ضرورة التعامل معه باعتباره قصة ساذجة للمغامرين الخمسة، وهو الأمر الذى يصعب أن يتقبله أى شخص ناضج تخطى سن المراهقة، فانسحبت من متابعته بعد أن أكملت مشاهدة حلقته العاشرة على مضض.

تأمل معى قليلاً فى بعض تفاصيله لتدرك أبعاد ما أقول: عادل إمام صحفى كبير مخضرم فوق السبعين، تم اختياره كرئيس لتحرير صحيفة قومية بكل ما يحيط بذلك من اعتبارات سلطوية لا يجهلها أحد، ثم يقبل بعد إقالته من ذلك المنصب الأبهة أن يتم تعيينه كمحرر فى صحيفة معارضة بينما الأمر الواقعى، لمن فى عمره ومكانته، أن يقوم بكتابة المقالات بالقطعة أو بالتعاقد.

الأغرب بالطبع هو قيامه بالجرى فى الطرقات كمخبر صحفى صغير السن، يقوم بعمل تحقيقات بها شبهات جنائية، يتحرى بنفسه عن أبطالها كأنه المفتش كولومبو، ويتعرض خلالها للضرب من البلطجية! الأدهى أن يقوم بالتشهير بوزير فى الحكم بناء على مذكرات تحتوى على كلمات مرسلة، ثم يخبرنا متوترًا قبل عرضه على النيابة بساعات بضرورة حصوله على دليل دامغ لا يعرف شيئًا عن وجوده لإدانة الوزير! الأعجب أنه يجد بالفعل ذلك الدليل الدامغ بمصادفة يخجل تختخ ولوزة وأصدقاؤهما بقية المغامرين الخمسة من استخدامها فى مغامراتهم.

هذا استسهال واستهانة بالمشاهد وعدم فهم للواقع قبل أن يكون جهلاً بمهنة الصحافة.

التعامل مع فكرة البطل الشريف المغامر بدون الاستناد إلى أى قدر من المصداقية الدرامية يفشل أى عمل حتى لو أسندنا بطولته إلى آل باتشينو.

مسلسل بالحجم العائلى ليحيى الفخرانى لن أقول عنه أكثر من أنه محاولة لافتعال دراما تتناول حياة أسرة مستفزة الثراء، بطريقة غاية فى السطحية، وبانعزال شبه تام عن مشكلات البلد الذى تعيش فيه. ببساطة هى حلقات هزلية مفككة تشبه مسلسلات الصابون الأمريكية، التى يقدمونها لتسلية ربات البيوت، ولا تحمل أبعادًا إنسانية صادقة على الإطلاق، وهو الأمر الذى يجعلها تختفى تمامًا من عقول الناس كفقاعات الصابون بعد عرضها بوقت قليل.

حلقات ذلك المسلسل تنتمى إلى نوعية دراما أسر الأثرياء ومعارفهم مثل الجرىء والجميلات، وفالكون كريست، وغيرهما من المسلسلات التى تدور فى جيتوهات فاخرة مغلقة. حتى المحاولات الكوميدية فى ذلك العمل فشلت بامتياز، لأن الكوميديا الحقيقية التى تضحك المشاهد تعتمد على المفارقة الذكية التى تستلهم الواقع، والتى لا تتطلب أن يضحك أحد أبطالها أمامك بافتعال فاشخًا حنكه طوال الوقت حتى فى المواقف التى لا تبعث على الضحك! رحمة الله على ونوس والخواجة عبد القادر. 

مسلسل اختفاء نجح ببراعة فى تقديم أجواء ستينيات القرن الماضى، وهو أمر يحسب لمصمم الديكور والأزياء، ولا يعيبه سوى بعض الأخطاء التى لا تمنع من استكمال مشاهدته، ومنها على سبيل المثال استخدام الفصحى بلا داع على لسان البطلة الأرمينية التى نستمع إليها وهى تتلو مذكراتها. بينما كان من الأفضل استخدام العامية بالطبع لأنها الأصدق والأكثر منطقية. لكن ماذا تقول فى التابو الخفى الذى حفر فى عقول المؤلفين ضرورة ارتباط المذكرات بالفصحى حتى ولو كان من يسترجعها فلاح من كوم حمادة يفك الخط بالعافية؟!

هذا بالطبع دون إغفال التشابه الرهيب بين شخصية الصحفى المختفى، وشخصية الصحفى بطل مسلسل عوالم خفية. كلاهما يخوض فى تحقيقات جنائية لا تتناسب مع عمره، ويقفز إلى نتائج يقينية دون أدلة سوى ميله إلى تصديق مذكرات مجهولة عثر عليها بالمصادفة! ناهيك بالتطابق العجيب فى بعض المصادفات مثل اكتشاف أحدهما لمفتاح شقة كاتبة المذكرات التى يقرأها، بينما تكتشف زوجة الآخر مفتاح شقة كاتبة المذكرات التى قرأها زوجها!    

هذه عينة عشوائية من السموم "الدرامضانية" التى يعج بها بحر الافتعال والاستسهال والاستهبال الرمضانى، لا يسعنى سوى أن أختتمها بالإعراب عن نفورى من إعلان الكومباوند الفاخر، الذى يتهكم فيه هانى سلامة بكل الطرق على زوجته التى يبدو أنه لا يطيق وجودها فى حياته، ويحاول بشتى الطرق أن يقنعنا بفعالية جغرافية ذلك الكومباوند فى إنجاح محاولات هروبه الدائم منها.

طلقها يا أخى وارحمها من خداعك فلربما تجد فرصة عادلة للارتباط بشخص غيرك يحبها ويحترمها. استرجل وامنحها حريتها، وعش بعيدًا عنها فى مكان آخر لا يحتاج إلى كل تلك المواصفات الخاصة للهروب منها!

بالله عليكم هل يحتاج ترويج العقارات إلى كل ذلك الازدراء الذكورى للمرأة؟ لا أظن.