loading...

مقالات

المصباح النسائي.. (13)

المصباح النسائي.. (13)


و.. يعرض يوسف إدريس أكثر من صورة لشخصية المرأة الأجنبية، ثورية ومناضلة وسياسية وعاملة وطبيبة وبغي أيضا، حيث يجسد أربع شخصيات نسائية أجنبية في ثلاث روايات، فهناك «سانتى» اليونانية، و«لورا» الفرنسية في رواية (البيضاء)، والسيدة النمساوية التي لم يذكر اسمها في رواية (فيينا 60) ثم المرأة الأمريكية « باميللا جراهام» المعالجة النفسية البغي في رواية (نيويورك 80) .

وقد تجلت كل شخصية من هذه الشخصيات كمرآة كاشفة لتكوين وعى مغاير لوعى الشخصية الرئيسية، وأداة تجريب لاكتشاف الآخر أو الضفة الأخرى، وعدسة عاكسة لذات الرجل التي تضطرم بالكثير من الأفكار والعواطف، وتحتدم بالرؤى المحملة بالتناقضات الإنسانية، الذاتية منها والموضوعية، في مواجهة الآخر والتعامل معه، أكان ذلك بالانبهار والافتتان به والاستسلام له، أم بتحديه ومحاولة إخضاعه، أم باتخاذ موقف الندية منه فكرا وسلوكا إلى درجة التعالي عليه وعيا ونقدا.

وتوقفت في المقال الماضي عند شخصية الفتاة الثورية اليونانية سانتي بطلة رواية (البيضاء - 1955) كنموذج لصورة المرأة الأجنبية في عيون كاتب شرقي في حقبة الخمسينيات.. وكانت هي التجربة الأولى ضمن ثلاث تجاربة سردية في عالم يوسف إدريس القصصي. 

وأما التجربة الثانية -التي نتناولها اليوم- فكانت هذه المرة في عقد الستينيات، ومن قلب أوروبا وتحديدا من مدينة فيينا بالنمسا، وهي المكان الذي دارت فيه أحداث رواية (السيدة  فيينا) أو(فيينا 60).

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

وإذا كانت النظرة إلى الآخر الأجنبي قد اتسمت بعقدة التهافت عليه والافتتان به في هذه الرواية (البيضاء) من خلال سعي الشرقي للوصول إلى الغربي بأى ثمن، فإن النظرة إليه اتخذت منحى آخر، في رواية (فيينا 60). 

إذ إن بطل الحكاية «درش» يريد أن يمارس الفعل الجنسي مع  امرأة أوروبية، ذات تاريخ وحضارة، ويضني نفسه حتى يحقق هذا الهدف وبشروطه هو، وحين عثر على هذه المرأة فإذا بها تساعده هي الأخرى على خوض التجربة بتحقق الاستجابة لمبدأ الرغبة قبل مبدأ الواقع.

تكشف العلاقة الخاطفة بين طرفي المعادلة عن أكثر من معنى، إذ تدحض الرؤية في الرواية ثنائية (الأنا الأدنى والآخر الأعلى) وهي الفكرة التي سيطرت على العديد من الأعمال الأدبية والفنية التي عالجت هذه الإشكالية في النصف الأول من القرن العشرين.

من خلال الأوهام  والخيالات التي اختزلت صورة شخصيتي الرواية لتعكس العلاقة التي تحطمت على صخرة الواقع الصادم يبدو «أنه لا فارق بين البشر في آخر الأمر، وحواجز الثقافات وأوهام الأعلى والأدنى، والكمال والنقصان، كلها تذوب تحت شمس الواقع الذي ينقض فكرة الشرق والغرب، أو الأنا والآخر، ويستبدل بها واقع البشر الذين لا خلاف، جذريا، بينهم، خصوصا إذا غصنا عميقا، وإذا سلطنا شمس الجذر الإنساني المشترك على الطيف الجاري مع الأحلام، حيث لا يبقى سوى جوهر الإنسان وراء كل الخيالات الخادعة، وهذا هو الدرس الذي يتعلمه درش والذي أراد يوسف إدريس أن ينقله سردا في مدى التيار الواقعي الذي كان نقضا للتيار الرومانسي.

إذا عدنا إلى استدعاء أغنية الشاعر أحمد رامي «ليالي الأنس في فيينا» التي تحولت إلى دافع ومحرك للقص الذي ينتهي، في النهاية، بالاستسلام إلى مبدأ الواقع وتقبله، من المنظور الواقعي الذي تهيمن عليه النزعة الواقعية التي كانت الفضاء الذي يتحرك فيه الإبداع القصصي عند يوسف إدريس، «خصوصا في مطلع الستينيات من القرن الماضي، التي كانت ذروة النزعة الواقعية التي ابتدأ صعودها منذ الخمسينيات». 

كانت شخصية المرأة الأوروبية ضفة أخرى لشخصية الرجل الشرقي درش، وكان هو الآخر يمثل لحظة كاشفة لما يعتمل في خيالات تلك المرأة، وقد استسلمت للتجربة بدورها لتكتشف أن الأمير الإفريقي ليس كما تصورته، بل كان مجرد صورة مجلية لزوجها المسافر، لا سيما أن هذا الشرقي فقد اتزانه النفسي في ممارسة الفعل الجنسي الذي كان لديه بمثابة التعويض عن الشعور بالدونية من الأنا في حضور الآخر المتفوق حضاريا.