loading...

مقالات

سرد الحياة.. سرد الذات

سرد الحياة.. سرد الذات


تعد بعض السير الذاتية من أكثر السرود مقروئية، لأنها توثق مسارات حياة بعض الشخصيات في عمقها البعيد، وتتسم بالجرأة والصراحة والبوح الذاتي الذي يحملُ انكسارات الذات ومصاريعها وهزائمها، ولحظات الفشل والألم والعذاب الشخصي وتكشف عن بعض أو كل مساحات الضعف والصغائر التي خايلت الكاتب، وسيطرت على بعض تفكيره أو سلوكه في حركته العامة إزاء الآخرين أيًا كانت مواقعهم أو مكانتهم. كتابة الذات ومصائرها في الحياة بوح عاصف لا يبالي بالمحرمات السياسية أو الأخلاقية، ولا يأبه بالتقاليد والأعراف، ومن ثم يعكس تجربة الوجود الذاتي إزاء الوجود الموضوعي بكل ضوابطه وقيوده ومساحاته. سرد الذات زلزالي يكشفها، في الفرح واللذائذ والانتصارات ويعريها في هذه اللحظات ويكشف عن مبرراتها وتفسيراتها لماذا حققت هذا الانتصار أو ذاك، ولماذا كانت بعض معاركها في الحياة ناجحة، وما يحمله الظفر من فرح وتألق للروح وانشراح للوجدان. إنها كتابة بوح، ولا تستهدف إبداء النصائح، أو تعليم الحكم المستقاة من حياة كاتب السيرة الذاتية إنها كتابة الذات للذات أساسًا، وترمي في لحظة عمرية محددة لتحريرها من ثقل تجاربها عبر الزمن الذاتي، والزمن الموضوعي، إنها حالة اعتراف كاملة أو منقوصة أمام العالم والأحرى أمام القارئ سواء في حياة كاتب السيرة أو بعد سفره إلى الأبدية. بعضهم يطرح ذاته طليقة من قيودها، ومن الضوابط الاجتماعية متحررًا أمام نفسه في بعض لحظات عمره وتجربته وآخرين تركوا تجربتهم غير منشورة كي تطرح على القراء بعد غيابهم كي يحضروا في الحياة عبر تجربتهم. من هنا تبدو كتابة السيرة الذاتية تعبيرا عن إرادة فعل الحرية لكاتبها وليست محضُ سرد وظيفي فقط لتحولات الكاتب وتدرجه في بعض المواقع الوظيفية، أو في العمل السياسي أيًا كانت من حيث الأهمية والمكانة والتأثير، وإلا فقدت قيمتها كسيرة ذاتية، وإنما من حيث حضور الذات الفاعلة في هذه المواقع والمعارك والأحداث الكبرى أو الصغيرة، لأن بعض الوقائع الصغرى قد تحملُ من الدلالة والكشف والرمزية ما يجعلها أهم من بعض الأحداث السياسية أو الوظيفية أو الشخصية الكبرى. سرد الذات ليس عرض مراحل عمرية أو تحولات اجتماعية أو وظيفية، أو محض مقابلات مع قادة سياسيين أو دينيين إنها أكبر عمقًا، وتدور فيما وراء هذه المراحل والتحولات العمرية والاجتماعية. إنها كتابة الذات والوجود والألم والأمل والفرح والعذاب، إنها تجربة كينونية كبرى في الحياة ووسط الأصدقاء والأحبة والأشرار والطيبين، وهؤلاء الذين يحملون في جوانحهم مساحات من الخير والشر والمساحات الرمادية.. إلخ.

كاتب السيرة لا يرمي في الغالب إلى تعليم الآخرين، أو إسداء النصائح والحكم، أو إرشاد الآخرين إلى الصراط المستقيم، أو إعطائه دروسا أخلاقية أو دينية، لأن هذا النمط من الكتابات أيديولوجية وأخلاقية بامتياز وغالبًا لا تطرح سيرة ذاتية، وإنما كتب إرشادية لا يأبه بها كثيرًا. من هنا تكتسب السير الذاتية أهميتها من تعبيراتها الوجودية عن الذات في كافة أحوالها، وفي تفاعلاتها مع الآخرين والأحداث أيًا كانت من حيث دلالاتها وتأثيرها على وجود الذات الفاعلة. سرد الذات ليس محضُ دفاع عن أفكارها وسلوكها في مسارها الحياتي فقط، ولا تبرير لها، لأنه كشف وبوح ودفاع وتبرير واعتراف بالقوة والعجز والنجاح والفشل، وحياة الذات في الظل والضوء وما بين البين من مساحات الفعل واللا فعل. الجوانب التعليمية، والأخلاقية أمر لا يخص كاتب السيرة الحقيقية، وإنما شأن يخص قارئها، والأحرى فعل القراءة ذاته وتعدد مستوياتها من العمق والسطحية وما بينهما من تداخلات. من هنا نستطيع فهم كتابة السيرة الذاتية في الآداب والسياسة العالمية، لا سيما الغربية، حيث تبدو الكتابة هي في الغالب فعل حرية وإرادة، كاسرة للقيود ومعبرة عن الذات ورأي كاتبها بلا معيقات. حرية كاتب السيرة هي تعبير عن حرية الرأي والتعبير راسخة الجذور في النظام السياسي، وفي الثقافة السياسية ومنظومة القيم السائدة في هذه الدول ومجتمعاتها، ولا حظر ولا قيد عليها إلا في حدود تبدو هامشية ولا يأبه بها الكتاب في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد، ومن ثم السير الذاتية تكتب وغيرها من الكتابات وتطرح على الجماعات القرائية في سياقات حرة، وحيث لا يحد الحرية إلا الحرية في القول والتعبير والإبداع. من هنا كانت السير الذاتية أحد الأجناس الأدبية التي لجأ إليها بعض كبار الأدباء وشكلت سرودهم الذاتية أعمالاً أدبية بامتياز من حيث اللغة السردية والبناء والشخوص والسياقات والوقائع والأفعال، والصراحة، وبوح الذات بلا قيود.

غالبًا كانت السير الذاتية للأدباء ذات مستوى راقٍ كأعمال أدبية أيضًا. السرود الذاتية لبعض القادة السياسيين تفاوتت بين العمق والصراحة والدفاع عن الذات وإبداء الآراء التفسيرية والتبريرية عن بعض السلوك السياسي لهذه الشخصية السياسية أو تلك. إلا أن بعض السير الذاتية السياسية كانت تشكل عملاً مميزًا لدى بعضهم من حيث الصراحة والاعتراف بالأخطاء والقصور الذاتي، وجوانب النجاح والتألق في الحياة السياسية. السير الذاتية السياسية، تتعرض للنقد والتقويم، وإبداء الآراء الأخرى فيما انطوت عليه من سرد للصراعات والمنافسات السياسية، من أطراف أو أشخاص مست السيرة الذاتية آراءهم أو أفعالهم. هي سير ذاتية تحت الضوء.

حالة السير الذاتية في الأدب والسياسية العربية ليست على ما يرام، وذلك لعديد الأسباب وعلى رأسها ما يلي:

1- كوابح التقاليد الاجتماعية، والدينية التي تحرسها مؤسسات دينية وسياسية تتصدى بقوة لأي كتابة أو سيرة ذاتية تنتهك ثالوث المحرمات السياسية والدينية والجنسية. من هنا غالبًا لا يلجأ كتاب السيرة إلى المساس بهذا الثالوث تمامًا إلا في بعض القلة القليلة من السير الذاتية السياسية وفي جوانب لا تمس في العمق الجوانب التسلطية أو الديكتاتورية لهذا النظام السياسي أو ذاك في الدول العربية، ويبدو الرؤساء والملوك والقادة وأسرهم وعائلاتهم بمثابة خطوط حمراء لا يجوز الاقتراب منها.

2- لا يرغب كتاب السير الذاتية في تناول حياتهم الشخصية من حيث الحب والأسرة والتجارب الشخصية والجنسية، وذلك لكي يحافظ الكاتب على صورته الاجتماعية أمام الجمهور والقراء والاستثناءات محدودة جدًا.

3- تزايد القيود السياسية والأمنية والدينية المفروضة على حريات الرأي والتعبير والإبداع في عديد الدول العربية، التي تحول دون الكتابة الحرة الطليقة والمعبرة عن الآراء الحقيقية للكاتب، وسارد الحياة الشخصية والعامة.

من هنا تبدو ندرة السير الذاتية الحقيقية، وغالبًا ما تكبح هذه القيود والمحرمات عديدا من الشخصيات العامة أو بعض كبار الكتاب من سرد حياتهم الحقيقية. بعض من السير الذاتية لبعض الشخصيات التي تقلدت بعض الوظائف السياسية حاول بعضهم فيها أن يبدو وكأنه صانع أحداث كبرى على غير الحقيقة، وبدى سردهم وكأنه عمل أقرب إلى الاصطناع، وبعضهم الآخر بدى أمينًا في سرد حياته الوظيفية في حدود دوره الوظيفي وسياقاته وضغوطه وتحولاته وأفكاره. يبدو أن هناك حدودا لدور السياسي والسياسة في العالم العربي في حدود وأطر ممارستها في سياقات نظم سياسية شمولية وتسلطية وأبوية وعائلية ومن هنا تبدو تجاربها محدودة بأطر وظيفية محضة، بعض السير الذاتية اتسم بعمق المناورة وفهم الخصائص البنائية لهذه النظم، ومن ثم امتلك خبرة متميزة، لكنهم لم يكتبوا تجاربهم المميزة، وبعضهم كتبها دون الغوص في جذور وتشابكات العمليات السياسية في بلدانهم.

الأدب العربي الحديث والمعاصر شهد حالات استثنائية في كتابة السير الذاتية التي تناولت حياة أشخاصها الكبار في صراحة نادرة، على نحو ما جاء في كتابات الأستاذ العميد طه حسين في الأيام، ومذكرات د. لويس عوض، والكتاب الأكثر جرأة وصراحة هاتكة بعض المحرمات، وهو كتاب الخبز الحافي للكاتب المغربي محمد شكري، الذي شكل نمطا من كتابة الهامش الأكثر جرأة وحرية في كتاب نص الحياة الحرة من ضوابط  الذات وقيود المجتمع ومحرماته، والتي عكست حياة هامشية حولت صاحبها إلى كاتب كبير في بلاده، وصدرت باللغة الإنجليزية من خلال الأديب بول بولز في كتاب من أجل الخبز وحده، ثم كتبها صاحبها تحت عنوان الخبز الحافي. وهناك مذكرات الكاتب السوريالي العراقي عبد القادر الجنابي الذي أصدر مجلات ونشرات عديدة أشهرها (الرغبة الإباحية)، و(النقطة)، و(فراديس). لازال سرد الحياة في الأدب والسياسة والحياة العامة العربية شحيحا نظرًا لاستمرارية هيكل المحرمات السياسية والدينية والجنسية سائدًا ومسيطرًا في حياة العام العربي السياسية والأدبية.