loading...

أخبار مصر

عمر بن عبد العزيز.. الخليفة الزاهد

صورة أرشيفية

صورة أرشيفية



لطالما حظى التاريخ الإسلامى برجال كالجبال كانوا صادقين مع الله فصدقهم الله واختصهم بقضاء حوائج العباد، حملوا الدعوة الإسلامية على سواعدهم، وينطبق عليهم قول الله تعالى "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" من هؤلاء الرجال عمر بن عبد العزيز، خامس الخلفاء الراشدين، الذى كان آخر ما نطق به قبل موته "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين".

هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الأموي القرشي المدني.

ولد عمر عام 61 هـ،681 م وتوفى 101هـ، 720 م، هو ثامن الخلفاء الأمويين، كان والده من خيار أمراء بني أمية، بقي أميرا على مصر أكثر من عشرين عاما، أمه هى أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم وأرضاهم.

استمرت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، حتى قتل مسموما سنة 101هـ، فتولى يزيد بن عبد الملك الخلافة من بعده.

من هى جدته؟

وأما جدته لأمه فقد كان لها موقف مع عمر بن الخطاب، فعن عبد الله بن الزبير بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم قال: «بينما أنا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يعس -العَس، تقصي الليل عن أهل الريبة- بالمدينة إذ أعيا، فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: "يا بنتاه، قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء"، فقالت لها، "يا أمتاه، أوما علمت ما كان من أمير المؤمنين اليوم"، قالت، "وما كان من عزمته يا بنية"، قالت "إنه أمر مناديا فنادى أن لا يشاب اللبن بالماء"، فقالت لها "يا بنتاه، قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر"، فقالت الصبية لأمها، "يا أمتاه، والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء"، وعمر يسمع كل ذلك. فقال "يا أسلم، عَلم الباب واعرف الموضع"، ثم مضى في عسه.. فلما أصبحا قال "يا أسلم، امض إلى الموضع فانظرمن القائلة ومن المقول لها، وهل لهم من بعل، فأتيت الموضع فنظرت، فإذا الجارية أيِّم لا بعل لها، وإذا تيك أمها ليس بها رجل، فأتيت عمر فأخبرته، فدعا عمر ولده فجمعهم فقال، "هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه"، فقال عاصم "يا أبتاه، لا زوجة لي فزوجني"، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم، فولدت لعاصم بنتا، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز».

توليه الخلافة

بعد وفاة سليمان بن عبد الملك قام عمر بدفنه، وبعد أن فرغ من ذلك سمع ضجة وجلبة فقال، ما هذا؟ فقيل له، هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قربت إليك لتركبها، فقال: ما لي ولها، أبعدوها عني، قربوا إلي بغلتي.

فقربت إليه بغلته فركبها، فجاءه صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال تنح عني مالي ولك، وإنما أنا رجل من المسلمين، فسار وسار معه الناس حتى دخل المسجد فصعد المنبر واجتمع إليه الناس صعد المنبر فقال "أيها الناس، إني قد ابتُليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم، فصاح الناس صيحة واحدة، "قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فول أمرنا باليمن والبركة".

ومضى عمر فى خطبته التى كانت بمثابة دستور حكمه حيث قال "يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، وإن من حولكم من الأمصار والمدن، فإن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا وليكم، وإن هم نقموا فلست لكم بوالٍ".

ومن أكثر المشاهد التى تدل على ورع الخليفة الخامس أنه قال بعد أن تولى أمر المسلمين، أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا، يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابنا عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه.

زهد عمر

وفيما رواه أبو داوود، وصححه الألباني في صحيح أبي داوود "قال مسلمة بن عبد الملك، دخلت على عمر في مرضه فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة، ألا تغسلوا قميص أمير المؤمنين؟ فقالت، والله ما له قميص غيره، وبكى فبكت فاطمة فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما انجلت عنهم العبرة قالت فاطمة: ما أبكاك يا أمير المؤمنين؟ فقال، إني ذكرت منصرف الخلائق من بين يدي الله، فريق في الجنة 
وفريق في السعير، ثم صرخ وغشى عليه.

وعرض عليه مرة مسكا من بيت المال فسد أنفه حتى وضع، فقيل له في ذلك فقال، وهل ينتفع من المسك إلا بريحه؟

وعندما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن عمر بن عبد العزيز، قال يروى فى الحديث أن الله يبعث على رأس كل مئة عام من يصحح لهذه الأمة أمر دينها، فنظرنا فى المئة الأولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز، ونظرنا فى المئة الثانية فنراه الشافعى.

لم يحتج خامس الخلفاء الراشدين إلا لعامين فقط حتى إنهم لم يجدوا من يأخذ الزكاة، فقد جاءوا إليه بالزكاة، فقال أنفقوها على الفقراء والمساكين فقالوا ما عاد في أمة الإسلام فقراء ولا مساكين، قال فجهزوا بها الجيوش، قالوا جيش الإسلام يجوب الدنيا، قال فزوجوا بها الشباب، فقالوا من كان يريد الزواج زوج، وبقي مال فقال اقضوا الديون عن المدينين، قضوه وبقي المال، فقال انظروا في أهل الكتاب "المسيحيين واليهود" من كان عليه دين فسددوا عنه ففعلوا وبقي المال، فقال أعطوا أهل العلم فأعطوهم وبقي مال، فقال اشتروا به حبا وانثروه على رؤوس الجبال لتأكل الطير من خير المسلمين.

وعن العدل فى عهد عمر قال مالك بن دينار لما ولى عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، قالت رعاء الشاء فى ذروة الجبال، من هذا الخليفة الصالح الذى قد قام على الناس، فقيل لهم وما علمكم بذلك، قالوا إنا إذا قام على الناس خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شأننا.

وعندما سُئلت زوجته فاطمة بنت عبد الملك عنه قالت لم أر من الناس أحدا كان أشد خوفا من ربه من عمر، كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلب عيناه ثم يستيقظ فيفعل ذلك ليلته أجمع.

وعن عطاء بن رباح قال، حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه فإذا هو في مصلاه يده على خده، سائلة دموعه فقالت: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال يا فاطمة إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود والمظلوم المقهور والغريب المأسور والكبير وذي العيال في أقطار الأرض فعلمت أن ربي سيسألني عنهم.

مات عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وترك أحد عشر ابنا، وبلغت تركته سبعة عشر دينارا، كفن منها بخمسة دنانير، واشترى له موضع قبره بدينارين، وقسم الباقي على بنيه، وأصاب كل واحد من ولده تسعة عشر درهما، ويقارن عبد الرحمن بن القاسم فيقول: ولما مات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنا قسمت تركته وأصاب كل واحد من تركته ألف ألف أي (مليون) ورأيت رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز قد تصدق بمئة فرس في سبيل الله عز وجل ورأيت رجلا من ولد هشام يتصدق عليه.

توفي عمر بن عبد العزيز بدير سمعان في آخر رجب عام 101هـ وعمره تسع وثلاثون سنة وستة أشهر، وكانت وفاته بالسم.

أما عن سبب وفاته، فقيل إن سبب وفاته مرض السل، وقيل إن سبب وفاته أن مولى له وضع السم في الطعام نظير ألف دينار، فحصل له بسبب ذلك مرض، وأعجب شيء أن عمر بن العزيز علم أن خادمه سمه، فاستدعاه وقال له: "ويحك! ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ألف دينار أعطيتُها، فقال: هاتها، فأحضرها، فوضعها في بيت المال، ثم قال: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك".

وفى أثناء مرضه قيل له، هؤلاء بنوك، وكانوا اثنى عشر، ألا توصي لهم بشيء، فإنهم فقراء، فقال "إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين"، والله لا أعطيهم حق أحد وهم بين رجلين، إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فما كنت لأعينه على فسقه، فقال الراوي، "فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك مع كثرة ما ترك لهم من الأموال يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز؛ لأن عمر وكك ولده إلى الله عز وجل، وسليمان وغيره وكلوا أولادهم إلى ما تركوا لهم".