loading...

مقالات

صور الرماد

صور الرماد


حكى لي أنه كان على خصام طويل مع والده، بسبب اتجاه والده الرأسمالي، واتجاه الابن اليساري. ولكن عندما مات الأب، ذو الأصول اللبنانية، عام 76 في بيروت، تغيرت وجهة نظر الابن، وقرَّب الموت بين المذهبين. بعد هذا التاريخ شعر الابن بالذنب من هذا الخصام، ومن هذا الجثمان الذي دفن بعيدا عن الإسكندرية، حيث عاشت العائلة وأسس الأب فيها حياته وتجارته. إلى أن جاء عام 1992، وفيه قرر الابن نقل "تراب الأب" من بيروت في علبة أرابيسك أنيقة ونقلها إلى الإسكندرية، وتم دفنها في مقابر العائلة في حي باب شرقي وأقام عليها القداس، كأنه توفى للتو.

بعد 16 عاما من وفاة الأب، تصالح الابن مع هذا الجزء الخالد من أبيه، كما حكى، الجزء الأخف، الذي لم يبل بعد كل هذه السنين وقاوم الغربة في انتظار استيقاظ رغبة الابن في التصالح. ربما الابن كان يخاف الموت، فحل مشكلة موت أبيه، وموته الشخصي بالتالي؛ باستعادة هذا التراب الخالد إلى بيته الذي عاش فيه في الإسكندرية ليكون قريبا منه ويمكنه زيارته كلما أراد، وربما الحديث معه أيضا.

***

في الديانتين، البوذية والهندوسية، يتم حرق الجسد، الذي لا قيمة له، بعد الموت، ليتحول في النهاية إلى رماد يتم وضعه في زجاجة أو أنبوب وينثر على النهر المقدس. بينما الروح تنطلق، في تلك اللحظة، لتتلبس، عبر التناسخ، كما تقول الديانة، جسدا آخر، تدخل فيه وتعيش حياة جديدة.

على الرغم من أن الجسد في "البوذية" لا قيمة له، عبارة عن قناع للروح، فإن الرماد المتخلِّف عنه له قيمة، هو الصورة الرمزية للجسد، كأنه عصير هذا الجسد، أو الجزء المتعالي والجوهري والخالد فيه. الرماد درجة أو صورة من صور تحولات هذا الجسد، وسيط التحول والبعث كما تقول أسطورة العنقاء.

***

تحكي "أسطورة العنقاء"*، التي خرجت من مصر القديمة، أن العنقاء تحترق تحت الشمس حتى تتحول إلى رماد، ومن رمادها تُبعث عنقاء جديدة. فهناك دورة حياة جديدة تنشأ من هذا الرماد الذي خضع لسلسلة تحولات كبيرة.

طائر العنقاء، في المعتقد المصرى القديم، يدل على الشمس التى تغرب في الغروب، وتشرق في الصباح، فهناك اختفاء ثم بعث دائم لها، وأيضا لرمز الطائر، وخلف هذا البعث هناك خلود. لذا يستخدم رمز العنقاء كرمز بعث حضاري، أو فردي، مادته الأساسية هي الرماد. كأن رسالة العنقاء تقول لنا إنه يجب أن نكون رمادا حتى نتجدد ويحق لنا أن نُبعث، يجب أن نصل إلى جوهرنا الإنساني، لجذر مربعنا الوجودي الذي لا يقبل القسمة، حتى يكتب لنا الخلود.

***

ولكن أيضا هناك سؤال لم تجب عنه الأساطير لمن لا يريدون الخلود ويريدون خلودا آخر ليس بعده بعث: لماذا الخلود دائما هو الهدف؟ هل بسبب الرغبة في التغلب على الموت؟ أو الخوف منه ومن الفناء؟

***

يلاحظ أن كل الأساطير تعتمد على مواد طبيعية بسيطة التركيب تدخل في بناء الكون وفي بعثه وخلوده. كالرماد والماء والهواء، والزيت، وغيرها. هذه المواد الطبيعية هي التي ندرأ بها خوفنا ونبني بها حياة جديدة ونقاوم بها الموت.

***

يعيش طائر العنقاء كفرد، وليس في جماعة، كأن احتراقه وإعادة بعثه، عبارة عن عملية خلق أو بعث ذاتي مجازي. يبعث طائر العنقاء نفسه بنفسه عبر الاحتراق والمرور على مرحلة الرماد الذي يخرج منه الطائر الجديد. فالرماد هنا رمز الولادة الذاتية، وأي ولادة ذاتية.

***

الرماد هو المادة غير القابلة للتحول، الجوهر المادي المتخلف عن الموت وفناء المادة، الذي يحمل صفة المفاجأة، مثل الخلية الأولى التى ستخرج منها الحياة الجديدة. لا يوجد بعث وتجدد إلا بالوصول لمرحلة الرماد.

***

تحمل "أسطورة العنقاء" أيضا فكرة تحقيق المستحيل. من الرماد، "صفر مادة"، يمكن أن تخلق كونا جديدا. من "صفر حياة"، يمكن أن تخلق حياة قوية. من "صفر ضعف" يمكن أن تخلق قوة. هذا الكائن الخفيف الهش يمتلك القدرة على أن يبدأ حياته من جديد، لأنه يحمل صورة قوية عن حياة سابقة. الرماد يقوم مقام الروح في البوذية في قدرته على دخول جسد حياة جديدة.

"الصفر" جوهري لأي حياة جديدة، يعادل تماما جوهر الرماد، يحمل بداخله معجزة كامنة فيه، لأنه ليس بعده شيء، ليس هناك مادة، فهي المادة غير القابلة للتحول، لذا قابليتها لأن يضاف إليها، ولا يؤخذ منها، وتبدأ بعدها في بناء حياة جديدة على نظافة.

***

في أسطورة العنقاء، الرماد يتحول إلى طائر، لأنه يحفظ في داخله أيضا صورة الطائر القديم الذي كانه. فالرماد بوصفه أبسط مادة، هو جوهري بسيط وفي الوقت نفسه مركب، مثل الماء، مثل النار، مثل الهواء، يحمل صورة قديمة للحياة تنعكس على مرآة بساطته، ويعيد نسخها من جديد.

يقع على عاتق الرماد تحقيق هذه الاستحالة، بأن يخلق حياة جديدة، هو العنصر الذي يُنتظر منه المفاجأة، لأنه العنصر البسيط والمركب في آن: "المفرد بصيغة الجمع".

............................................................

* طائر خيالي ورد ذكرها في قصص مغامرات السندباد وقصص ألف ليلة وليلة، وكذلك في الأساطير العربية القديمة. يمتاز هذا الطائر بالجمال والقوة، وفي معظم القصص أنه عندما يموت يحترق ويصبح رمادا ويخرج من الرماد طائر عنقاء جديد.